Saturday, March 7, 2026
Saturday, March 7, 2026
Home » الأمل معقلنا الأخير عندما يلف الجنون العالم

الأمل معقلنا الأخير عندما يلف الجنون العالم

by admin

 

مزيج من الرغبة والخوف والحساب والتقدير العقلاني للأخطار وإعادة تقييم للوسائل

اندبندنت عربية / مارلين كنعان أستاذة الفلسفة والحضارات، كاتبة وباحثة @MARLKANAAN

يبدو الأمل بالنسبة إلى البعض ترفاً نفسياً أو خداعاً ذاتياً، أو بقايا من رومانسية لم تعد صالحة لعالم تحكمه الوقائع والأرقام. ولكن، في مفارقة ظاهرة، كلما ازداد إحساس الإنسان بالعجز والانسداد وكثر الحديث عن النهايات، يعود الحديث عن الأمل، بوصفه قفزة من الإنسان إلى ما يتجاوزه وامتداداً إلى آفاق لا حد لها.

في تاريخ الفلسفة ثمة مواقف مترددة وعدائية أحياناً تجاه الأمل، فمنذ الأسطورة اليونانية، التي بقي بحسبها الأمل في قاع صندوق المرأة الحاوي لكل الشرور، بقي السؤال الآتي مطروحاً: هل الأمل شر مؤجل كالشرور الأخرى التي انطلقت من الصندوق، أم هو علاج محتمل تجاهها؟ ففي قصة باندورا، لا يأتي الأمل بوصفه خلاصاً بريئاً بعد انقضاء الشرور، بل يظهر كأنه الشر الأكثر مكراً، الوعد الذي يبقي الإنسان معلقاً بالألم بدلاً من أن يضع له حداً، لذا تساءل بعض الفلاسفة هل كان الأمل بحسب الميثولوجيا الإغريقية عزاءً للإنسان، أم كان الشر الأشد خفاءً الذي يجعله يتعايش مع الشرور بدلاً من أن يتجاوزها؟

ذهب عدد من الفلاسفة، من الرواقيين إلى مونتاني وسبينوزا وشوبنهاور وكامو، إلى النظر إلى الأمل بوصفه انصرافاً عن الحاضر ومصدراً للقلق، لأنه يقوم على التعلق بما يخرج عن نطاق سيطرة الإنسان. فهو يضع المرء في حال معلقة بين رجاء النجاح وخشية الإخفاق، مما يحول دون بلوغ حال السكينة أو “الأتاركسيا”. ومن هذا المنظور، عد الأمل لدى بعضهم ضرباً من الهرب وموقفاً وجودياً يتخذه من يفتقر إلى المعرفة الكافية أو من يسهل استدراجه إلى التفكير الحالم وانتظار غد أفضل.

الأمل بريشة أنريكو كومبانيولا (صفحة الرسام – فيسبوك)

غير أن هذا النقد، على وجاهته، يغفل طبيعة الأمل المركبة، فالأمل ليس شعوراً ساذجاً أو انفعالاً عاطفياً صرفاً، بل هو مزيج من الرغبة والخوف والحساب والتقدير العقلاني للأخطار وإعادة تقييم للوسائل، إنه لا ينفصل عن الفعل، ولا يعيش إلا في الحاضر، حتى حين يتجه نحو المستقبل.

نظرة حديثة

في الفلسفة المعاصرة، ثمة إعادة اعتبار جذرية لمفهوم الأمل، يكفي أن نستحضر كتاب الفيلسوف الألماني إرنست بلوخ “مبدأ الأمل”، الذي وضعه بعد الحربين العالميتين، وما رافقهما من قتل ودمار ومعسكرات اعتقال وهجوم نووي على مدينتي هيروشيما وناغازاكي، وتجرؤه على القول إن التاريخ لم يغلق، وإن المستقبل ليس بالضرورة نسخة مكررة عن الحاضر. ذلك أن الأمل بعرف بلوخ مرتبط بفكرة “ما لم يتحقق بعد”، أي إنه انفتاح على الممكن. ولئن كان الإنسان بحسبه كائناً غير مكتمل، والعالم ذاته غير منتهٍ، كان الأمل عنده مرادفاً لرفض الاعتقاد بأن كل شيء قد حسم، وأن الإمكان قد نفي، لذلك اجتهد في تسويغ القدرة الاستشرافية التي يمتلكها الوعي الإنساني، والتي يستخدمها في تخيل عوالم وأنظمة أفضل، متحررة من أثقال الدسائس والمؤامرات البشعة من خلال الأمل، لذا كان الجحيم الحقيقي بحسب الشاعر الإيطالي دانتي، ليس الألم، بل انعدام الأمل، أي الاعتقاد بأن المستقبل لا يحمل أي مفاجأة إيجابية.

غير أن التفكر العميق بالأمل يستوجب الحديث عن المسؤولية، فالأمل لا يكون فضيلة إلا إذا ارتبط بالمسؤولية. وهذا ما يتبدى بوضوح في الفرق بين الأمل السلبي، القائم على التمني، والأمل الفعال، المرتبط بالفعل. وهذا ما تؤكده تجارب النضال البيئي، كما تتبدى في كتابات أول امرأة تبحر منفردة حول العالم، الكاتبة إيزابيل أوتيسييه، المنتظمة بعمق في الدفاع عن الكائنات الحية والتي تؤكد أن الأمل لا ينتج الفعل، بل إن الفعل والنضال هما اللذان يغذيان الأمل. ففي مواجهة الكارثة المناخية لم يعد السؤال بحسبها: هل سننقذ العالم؟ بل كيف نقلل الخسائر؟ وكيف نحافظ إلى أقصى حد ممكن على شروط الحياة؟ ليس الأمل تفاؤلاً أعمى، بقدر ما هو إصرار على العمل وعلى حماية التوازنات الهشة التي تقوم عليها الحياة، إنه أمل بلا أوهام، لكنه أيضاً أمل بلا استسلام.

الامل بريشة الرسام بي من شاطئ العاج (صفحة الرسام – فيسوبك)

قديماً في القرن السادس عشر، وفي خضم الحروب الدينية والاقتتال الأهلي، صاغ الكاتب والمفكر الفرنسي مونتاني تصوراً آخر للأمل، بعدما عاين الخراب، وأقر بانحطاط السياسة وتآكل الأخلاق، لكنه أبى الاستسلام لليأس، متشبثاً بحجة متواضعة في بساطتها، عميقة في دلالتها، قوامها أن التاريخ عرف فصولاً أشد ظلمة، ومع ذلك لم ينهر العالم، لأن ما يتزعزع لا يكتب له بالضرورة أن يسقط. فمونتاني لم يدع الإنسان إلى التعلق بآمال كبرى، بل إلى تخفيض سقف توقعاته، وإلى العيش يوماً بيوم، من دون رهن الحاضر بوعد المستقبل، ولأن الأمل في رأيه هش وصغير، فهو واقعي، ولعل واقعيته تذكرنا أن أخطر ما فيه تحوله إلى وهم مطلق أو إلى معيار مثالي يستحيل بلوغه.

جنون يلف العالم

أقرب إلينا من مونتاني، يقدم الفيلسوف ومؤرخ الفن الفرنسي جورج ديدي-هوبيرمان (مواليد 1953) تصوراً بالغ الأهمية للأمل بوصفه انتقالاً “من قريب إلى قريب”، فالأمل، على رغم الأنظمة السياسية الشمولية والحروب وأهوالها، والجنون الذي يلف العالم، لا يظهر دوماً في صورة أفق واضح أو مشروع مكتمل، بل كوميض، أو إشارة خافتة تضيء العتمة. إنه لا يسير في خط مستقيم، بل يتسلل بين الظلال، شاقاً “مسارات جانبية” داخل ما يقدم بوصفه واقعاً مغلقاً. ولأن الأمل يتسلل بحسبه بين الوضوح والعتمة، أي كإمكان يلمح في حلكة الظلام، فهو ينبثق كرؤية مضادة في مشهد التاريخ الوقائعي. ولعله كوميض، يمكن الإنسان من إعادة اكتشاف العالم ومن استئناف دورة الحياة، على ما كانت تكرر هانا آرندت في شأن كل فكر سياسي جدير بالاحترام. حينها، خطوة تلو خطوة، ينجح الأمل في شق مسار من الممكنات داخل الحدود الراسخة لما يسمى مبدأ الواقع. بهذا المعنى يصبح الخيال شرطاً سياسياً للأمل، والخيال ليس هرباً من الواقع، بل قدرة على استشراف ما ليس معطى بعد.

من دون الأمل يتحول الواقع إلى قدر ويختزل المستقبل إلى امتداد ميكانيكي للحاضر. يقول الروائي الفرنسي جورج برنانوس إن المستقبل ليس شيئاً يحتمل أو يستسلم له، بل شيئاً نصنعه، لكن كيف يصنع الإنسان هذا المستقبل إن لم يكن بالأمل؟ أي بالرغبة التي تستدعي أصداء رغبات أخرى، فتدفع بصاحبها نحو التحول. والرغبة، بوصفها جنوناً لطيفاً، تخرج الإنسان من ذاته نحو صيغ أوسع وأغنى، الرغبة هي “نشيد الأمل الأرضي”.

في عالم مهووس بالتوقعات، تذكرنا الفلسفة بأن الأمل ليس نقيض العقل، بل نقيض الاختزال. وفي زمن التنبؤ الذي يحبس المستقبل داخل معادلات الحاضر، يفتح الأمل الزمن على” الربما” بوصفها اعترافاً بأن الواقع قابل للاهتزاز، وأن ما هو قائم ليس نهاية الممكن، لذا كان التخلي عن الأمل باسم الواقعية، جعل الأسوأ يقيناً، وكان الأمل طريقة أخرى للسكن في الواقع، لا بالإنكار، بل بترك الباب مفتوحاً لما لم يأت بعد.

في نهاية المطاف ليس الأمل وعداً بالخلاص ولا ضمانة للنجاح، إنه موقف وجودي وسياسي في آن: رفض الاستسلام لفكرة أن كل شيء قد انتهى وأن التاريخ لم يقل كلمته الأخيرة بعد، وأن الإنسان، على رغم هشاشته، لا يزال قادراً على الفعل، وعلى التخيل، وعلى المسؤولية.

أن نأمل “على رغم كل شيء” لا يعني أن نغض الطرف عن الكوارث، بل أن نقر بها من دون أن نحولها إلى قدر، فحيث يمحى الأمل، يبدأ الجحيم، وحيث يستعاد، ولو في أضعف صوره، يولد إمكان الفعل من جديد.

المزيد عن: الأمل المخاطر نهاية التاريخ الجنون العنف الخوف الإنهيار التقدير العقلاني الإنسان

 

You may also like

Editor-in-Chief: Nabil El-bkaili

CANADAVOICE is a free website  officially registered in NS / Canada.

 We are talking about CANADA’S international relations and their repercussions on

peace in the world.

 We care about matters related to asylum ,  refugees , immigration and their role in the development of CANADA.

We care about the economic and Culture movement and living in CANADA and the economic activity and its development in NOVA  SCOTIA and all Canadian provinces.

 CANADA VOICE is THE VOICE OF CANADA to the world

Published By : 4381689 CANADA VOICE \ EPUBLISHING \ NEWS – MEDIA WEBSITE

Tegistry id 438173 NS-HALIFAX

1013-5565 Nora Bernard str B3K 5K9  NS – Halifax  Canada

1 902 2217137 –

Email: nelbkaili@yahoo.com 

 

Editor-in-Chief : Nabil El-bkaili
-
00:00
00:00
Update Required Flash plugin
-
00:00
00:00