الجمعة, مارس 6, 2026
الجمعة, مارس 6, 2026
Home » ارجع إلى بلدك… نهاية سردية الانصهار الأميركية

ارجع إلى بلدك… نهاية سردية الانصهار الأميركية

by admin

 

الهجرة إلى القارة الجديدة أرست جذور الإمبراطورية فهل تكتب الحركات المناهضة النهاية؟ وهل تخسر الولايات المتحدة كثيراً من قدراتها الإنسانية والاقتصادية بانقطاع الوافدين؟

اندبندنت عربية

كثيراً ما عرفت الولايات المتحدة الأميركية بأنها أرض الهجرة والمهاجرين، وقد شكل المهاجرون إليها من القارة الأوروبية نواة بناء هذه الأمة الجديدة، التي قامت على أطلال أصحاب الأرض الأصليين من الهنود الحمر.

تنوعت دوافع الهجرة إلى الولايات المتحدة، قبل استقلالها عام 1776، وبعده، على مر القرون. فعلى سبيل المثال، سعى الحجاج في القرن الـ19 إلى الحرية الدينية، بينما حدثت الهجرة الإيرلندية في القرن الـ19 بسبب مجاعة البطاطا، وهكذا توالت الجماعات المهاجرة من قارات الأرض كافة.

على قاعدة تمثال الحرية في نيويورك، نقشت الكلمات التي تقطع بترحيب هذه الأرض الجديدة بكل الفارين من الاضطهادات، إلى  جزيرة الحرية الأميركية.

آمن كثيرون بالفعل، بأن هذه الدولة الناشئة حديثاً، هي الملاذ المؤكد لتحقيق الحلم، الذي عجزت أوروبا القديمة عن توفيره لكثيرين من مواطنيها.

استطاع المهاجرون الأوائل أن يضعوا لبنات دولة فتية، في مستعمرات اتخذت أسماء من نوعية “نيو إنغلاند”، وكأنهم بذلك كانوا يخلقون عالماً جديداً مغايراً طولاً وعرضاً، شكلاً وموضوعاً لأوطانهم السابقة.

سيقدر بعد نحو ثلاثة قرون تقريباً، أن تضحى أمة المهاجرين هذه سيدة الكوكب، عبر خليط من المهاجرين، قادوا نهضتها، صناعياً وزراعياً عسكرياً وفضائياً.

لكن اليوم تواجه أميركا سؤالاً مثيراً وخطراً في الوقت ذاته يدور من حول الهجرة والمهاجرين، الذين كانوا سبباً في رفعة شأنها، وما إذا كان الوقت قد حان لتصبح الولايات المتحدة ذات لون واحد من ألوان الطيف الديموغرافي أم لا؟

الهنود الحمر أو الأميركيون الأصليون كانوا أول ضحايا استيطان الرجل الأبيض في القارة الجديدة (الموسوعة التاريخية)

بوتقة الانصهار سردية أميركا التاريخية

يعد مصطلح “بوتقة الانصهار”، استعارة أحادية الثقافة لوصف مجتمع غير متجانس يصبح أكثر تجانساً، إذ تندمج العناصر المختلفة معاً في ثقافة مشتركة.

كانت استعارة الانصهار مستخدمة بحلول ثمانينيات القرن الـ18، أصبح مصطلح “بوتقة الانصهار” شائع الاستخدام في الولايات المتحدة بعد استخدامه كاستعارة لوصف اندماج أو مزيد من الجنسيات والثقافات والأعراق في عدد من المسرحيات التي قدمت لاحقاً على مسارح نيويورك الشهيرة.

في عام 1845، كتب رالف والدو إيمرسون، الفيلسوف والكاتب الأميركي، مشيراً إلى تطور الحضارة الأوروبية من العصور الوسطى المظلمة، في مذكراته الخاصة عن الولايات المتحدة الأميركية، معتبراً إياها نتاجاً مثالياً لفكرة “بوتقة الانصهار”، حيث مجتمع مختلف ثقافياً وعرقياً، لكنه قادر على النمو معاً وبناء الحلم.

تستمر عملية الاندماج كما في فرن الصهر، جيل واحد، بل عام واحد فقط، يحول المهاجر الإنجليزي أو الألماني أو الإيرلندي إلى أميركي.

كانت المؤسسات الموحدة والأفكار واللغة وتأثير الغالبية، كلها عوامل تقود سريعاً إلى تشابه في الملامح، ففردية المهاجر، بل وحتى سماته العرقية والدينية، تندمج في بوتقة الديمقراطية كما تندمج شظايا النحاس في بوتقة الصهر.

في عام 1893، استخدم المؤرخ الأميركي فريدريك جاكسون تيرنر، أيضاً استعارة ذوبان المهاجرين في ثقافة أميركية واحدة.  في مقالته “أهمية الحدود في التاريخ الأميركي”، أشار إلى ما سماه “الجنسية المركبة”، للشعب الأميركي، مجادلاً بأن الحدود كانت بمثابة “بوتقة”، إذ “تأمرك المهاجرون، وتحرروا، واندمجوا في عرق مختلط، لا يحمل جنسية إنجليزية ولا خصائص إنجليزية”.

في كتابه السردي عن رحلاته “المشهد الأميركي” الصادر عام 1905، ناقش المؤرخ البريطاني من أصل أميركي، هنري جيمس، التمازج الثقافي في مدينة نيويورك باعتباره “اندماجاً كما لو كان عناصر مذابة في قدر ساخن هائل”.

هل جاء الوقت الذي تتغير فيه الأوضاع وتتبدل طباع المجتمع الأميركي ورؤيته لفكرة الهجرة؟

ربما يتحتم علينا قبل الجواب أن نشير إلى شأن تاريخي أكثر إثارة، وهو أن هذه الهجرة، التي تجد اليوم عنتاً شديداً من إدارة الرئيس ترمب، ورفضاً لنموها وتصاعدها، قد وجدت أمثلة مشابهة من التاريخ الأميركي، ماذا عن ذلك؟

الإيرلنيون عبروا المحيط باتجاه أميركا بسبب مجاعة البطاطا التي أصابت بلادهم وهناك ساهموا في بناء الدولة الجيدة وواجهوا عنت من سبقوهم (الموسوعة البريطانية)

حزب “لا أدري” وأول رفض للهجرة  

لا تبدو توجهات الرئيس ترمب ضد المهاجرين، هي الأولى من نوعها في التاريخ الأميركي، فقد سبقتها أفكار حزب سمي “لا أدري”، وقد كان قصير العمر، ونشأ في ظل الخوف والتحيز في القرن الـ19، وأدى تعصبه تجاه المهاجرين الألمان والإيرلنديين إلى أعمال عنف في جميع أنحاء الدولة الأميركية الفتية.

لم تكن أحداث مدينة مينيابوليس في ولاية مينيسوتا أخيراً هي بداية الحركات الرافضة للأجانب، فقد ساد تيار بغيض من النزعة القومية المتطرفة عبر التاريخ الأميركي، كما يتضح من الحركات المعادية للمهاجرين التي ظهرت في تسعينيات القرن الـ18، وسبعينيات القرن الـ19، وعشرينيات القرن الـ20.

لعل أشهر حركة قومية ظهرت في العقود التي سبقت الحرب الأهلية، كانت حركة الحزب الأميركي “لا أدري”، التي طفت  كانعكاس للظروف التي واجهتها الولايات المتحدة الفتية. فقد واجهت البلاد صراعاً متزايداً حول العبودية والتوسع غرباً، مما أدى إلى انقسامات داخل الحزبين السياسيين الرئيسين، الديمقراطي و”الويغ” (حزب سياسي تأسس في أميركا في منتصف القرن الـ19).

وكثيراً ما استخدمت الرسوم الكاريكاتورية المعادية للأجانب في أربعينيات وخمسينيات القرن الـ19، واستخدمت الصور النمطية العرقية لتصوير المهاجرين الإيرلنديين والألمان كتهديدات قومية للولايات المتحدة، وجرى تقديمهم على أنهم لصوص انتخابات سكارى بنوع خاص.

هل كانت الطائفية والمذهبية الدينية بعيداً من صراعات الهجرة في وقت مبكر؟

بالقطع لا، بل كانت في القلب منها. في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الـ19، استقرت أعداد متزايدة من المهاجرين، معظمهم من الإيرلنديين في الشرق، والألمان في الغرب الأوسط في الولايات المتحدة.

أدت مجاعة البطاطا الإيرلندية وعدم الاستقرار الاقتصادي في ألمانيا إلى تدفق ما يقرب من 3 ملايين شخص، كان غالبيتهم من الكاثوليك. شعر البروتستانت المولودون في الولايات المتحدة، ومعظمهم في المناطق الحضرية، بالتهديد من الوافدين الجدد في مناطق عدة. فبالنسبة إلى عدد من البروتستانت، مثلت الكنيسة الكاثوليكية الاستبداد والخضوع لقوة أجنبية.

وعلى الصعيد العملي، اشتدت المنافسة على الوظائف مع وصول العمال الجدد. ومع تصاعد المشاعر المعادية للمهاجرين  والكاثوليك خصوصاً، بدأت جماعات معادية للأجانب بالتشكل في المدن في أنحاء الولايات المتحدة.

هل يعني ذلك أن فكرة بوتقة الانصهار لم تكن طرحاً يوتوبياً بالمطلق في الداخل الأميركي، وأن ما جرت به المقادير من قبل يتكرر ثانية اليوم بعد نحو قرنين من رفض واضح للمهاجرين، ربما لم تهدأ وتيرته إلا بدءاً من ثلاثينيات القرن الـ20، حين كانت البلاد في حاجة إلى مزيد من الأيدي العاملة، لا سيما بعد اندلاع الحرب العالمية الثانية بنوع خاص؟

أما زال لشعار تمثال الحرية في نيويورك: أيها المتعبون تعالوا إليّ” معنى؟ (موقع مدينة نيويورك)

أميركا أولاً… الشعبوية ومعاداة الهجرة

يعرف عالم السياسة الألماني جان فيرنر مولر، الذي يعتبر من أهم المنظرين لطروحات وشروحات الشعبوية، سواء كانت يسارية أم يمينية، بأنها مناهضة للتعددية، وغير ديمقراطية في جوهرها. يكتب “أرى أن الشعبوية هي تصور أخلاقي خاص للسياسة، طريقة لفهم العالم السياسي تصور شعباً نقياً أخلاقياً وموحداً تماماً”، لكن مولر يعتبر في الوقت نفسه الأمر من قبيل الوهم والتفسيرات الأخلاقية الفاسدة.

هل وقعت أميركا في براثن هذه الشعبوية، ومن ثم عادت الموجات الكارهة للمهاجرين، وشاعت في الطرقات لافتات تحمل عناوين من نوعية “ارجع بلدك”؟

المؤكد أنه مع انتخاب الرئيس ترمب في عام 2024، بدأت الولايات المتحدة، الدولة الرائدة في مجال الهجرة، تعيش تحولاً مذهلاً في نظام الهجرة الخاص بها، بما في ذلك عمليات الترحيل الجماعي ومحاولة إلغاء حق المواطنة بالولادة وحماية اللاجئين وطالبي اللجوء المنصوص عليها في القانون الدولي.

تبدو أميركا اليوم في مواجهة رؤية معمقة ومنهجية لتغيير تركيبتها  السكانية والإيديولوجية، وفي مقدم تلك الرؤية وقف تدفق مزيد من المهاجرين.

اليوم وبعد مرور عام على تولي ترمب سدة البيت الأبيض، يختلف ترمب الثاني، عنه في ولايته الأولى، لا سيما أنه أتيحت له سنوات للتخطيط ووضع الاستراتيجيات منذ خسارته في انتخابات 2020 التي اعتبر أنها جرى تزويرها.

توج ترمب ذلك التخطيط بمشروع 2025، وهو عبارة عن تفويض من ألف صفحة كتبه عدد من المسؤولين السابقين في إدارته الأولى، الذي أنشأته في البداية مؤسسة التراث المحافظة ومنظمات مماثلة. يهدف مشروع 2025 إلى تفكيك الحكومة الفدرالية جذرياً. وعلى رغم تظاهر ترمب بالجهل به، فإن عدد من واضعي المشروع يعملون في إدارة ترمب الحالية.

تشمل الأوامر التنفيذية والتدابير الأولية التي يتضمنها مشروع 2025 الحد من الهجرة والسماح لوكلاء الهجرة الفيدراليين بالاعتقال في المدارس والكنائس، وإغلاق تطبيق CBP One الذي كان يسمح للمهاجرين بالدخول بصورة قانونية لطلب اللجوء، وإلغاء البرامج الإنسانية الخاصة بالمهاجرين، وتوسيع نطاق الترحيل السريع، وترحيل المهاجرين إلى خليج غوانتانامو في كوبا وبنما، وسحب جميع التمويلات الفدرالية المصنفة كمدن “ملاذ”.

والثابت أن الولايات المتحدة تأتي في مقدمة الدول التي أسهمت في إرساء النظام الديمقراطي الليبرالي الذي أعقب الحرب، الذي تضمن حماية حقوق الإنسان، مما يعني أننا الآن أمام استحقاق علامة استفهام مثيرة: هل نظام الرئيس ترمب القائم على الشعبوية النفعية، يمضي بعيداً عبر التغريدات التحريضية ضد المهاجرين، وإلقاء اللوم على التنوع الاجتماعي، مما يهدد الصالح العام؟ وربما الأكثر أهمية هو: هل يمكن للولايات المتحدة أن تذهب قدماً في المستقبل من غير مهاجرين جدد؟

أثارت تجاوزات عناصر شرطة الهجرة في مينيابوليس عاصفة من الرفض داخل أميركا (أ ب)

عن تصور أميركا من غير مهاجرين

هل يمكن أن يتصور التاريخ المعاصر الولايات المتحدة من دون مهاجرين؟

هذا هو السؤال الذي طرحه الصحافي الاستقصائي جون لوكر من وكالة “أسويشتدبرس” في الـ20 من يناير (كانون الثاني) الماضي، مشيراً إلى ما سماه أكبر حملة ترحيل في تاريخ أميركا، يمكن أن تمنع تدفق مهاجرين جدد إلى الداخل الأميركي.

وعند لوكر أنه في عام 2026، وهو العام الذي تحتفل فيه الولايات المتحدة بالذكرى الـ250 لاستقلالها، يعيد الرئيس ترمب  تعريف البلاد، دافعاً إياها نحو نموذج مختلف تماماً عن النموذج الذي ميز تاريخها كدولة تأسست على أكتاف المهاجرين، وظلت كذلك، لكن سيد البيت الأبيض الحالي دشن عهداً جديداً لا مكان فيه للمهاجرين.

هل الأمر في حاجة إلى تفصيلات وأرقام؟

نعم ذلك كذلك، ففي عامه الأول في منصبه، فاق عدد المهاجرين  المغادرين للبلاد عدد الوافدين، وهذه هي المرة الأولى التي يحدث فيها هذا خلال الأعوام الـ50 الماضية التي تتوفر عنها سجلات.

والثابت أنه وفقاً لبيانات جمعتها مؤسسة بروكينغز، يتراوح صافي الهجرة بين 10 آلاف و25 ألف شخص، ومن المتوقع أن يستمر هذا الاتجاه حتى نهاية العام.

وإضافة إلى عمليات الترحيل الجماعي، تشير الأرقام الرسمية إلى ترحيل 605 آلاف شخص حتى ديسمبر (كانون الأول) المقبل، مع الأخذ في الاعتبار أنه من المتوقع أن تكون أرقام المرحلين أكثر من ذلك، والسبب هو حالة التشديد على الهجرة وبياناتها في ظل أوامر ترمب التنفيذية في شأن إغلاق الحدود، وإلغاء برامج اللاجئين واللجوء، عطفاً على حظر دخول مواطني بعض الدول، وتشديد أو تعليق طلبات الهجرة.

ما معنى ذلك؟

المعنى المباشر والواضح هو أن الولايات المتحدة تبتعد أكثر من الحلم الأميركي الذي كان، فهناك اليوم من المهاجرين من لا يفضلون عدم التوجه من الأصل إليها كدولة مهاجرين، وبعضهم الآخر يرى أن الرحيل الطوعي هو الحل الأنسب، مع ما يعنيه ذلك من التخلي عن الحياة التي بنوها في بلد اعتقدوا أنه سيرحب بهم.

والحقيقة أن الحملة المناهضة للمهاجرين التي انطلقت من البيت الأبيض في اليوم الأول من ولاية ترمب الثانية، قد جلبت الرعب إلى الشوارع، إذ يقوم عملاء إدارة الهجرة والجمارك ICE ودوريات الحدود، متخفين وراء الأقنعة، بمداهمات في أي مكان، تاركين وراءهم صوراً مروعة لمطارادات واعتقالات وحشية  واقتحامات للمنازل وتفريق للعائلات.

هل أضحت قضية الهجرة والمهاجرين، وتراً سياساً يعزف عليه بعضهم، ويغزل عليه بعضهم الآخر، سياسات الداخل الأميركي، على رغم الخطورة الكبرى التي يمكن أن يتسبب فيها ذلك للأمن القومي الأميركي في طول البلاد وعرضها دفعة واحدة؟

مطالبات بخروج شرطة الهجرة من من الشوارع ووقف مطاردة اللاجئين (رويترز)

الهجرة وتهديد الأمن القومي الأميركي

انطلق الرئيس ترمب في مفهومه لمعاداة الهجرة، من ركيزة الأمن القومي الأميركي، وكيف أن تدفق المهاجرين يمكن أن يصيب مستقبل الولايات المتحدة في مقتل.

لكن حساب الحصاد جاء منافياً ومجافياً لحساب البيدر، لا سيما بعد أن بلغت أعمال العنف التي مارستها السلطات ذروتها بمقتل المواطنة الأميركية رينيه غود، البالغة من العمر 37 سنة، في السابع من يناير (كانون الثاني) في مينيابوليس، أحدث مدينة شن فيها ترمب أكبر حملة لمكافحة الهجرة، إذ نشر 3 آلاف عنصر، مما أثار احتجاجات واسعة النطاق، باتت تقمع بشدة من السلطات.

ثم جاء مقتل أليكس بريتي، وهو ممرض أميركي يبلغ 37 سنة، في الـ24 من يناير، على يد عملاء ICE في مدينة مينيابوليس. وتعد هذه الحادثة الثانية من نوعها خلال أقل من شهر، وقد سارعت الإدارة الفيدرالية إلى وصف بريتي بـ”إرهابي داخل” قبل استكمال التحقيقات، مما أثار اتهامات بتسييس القضية.

في هذا السياق، أشارت دوريس ميستر، مديرة معهد سياسات الهجرة، إلى أن “إدارة ترمب أعادت تعريف الهجرة، إذ انتقلت من اعتبارها ظاهرة مفيدة للبلاد إلى اعتبارها تهديداً للأمن القومي الأميركي، واختصاماً من رفاهية المواطنين الأميركيين، مع استخدام للسلطة الإدارية بصورة غير مسبوقة”.

كانت قضية الهجرة حاسمة في فوز ترمب بولاية ثانية، وقد لاقت  الرواية التي تبناها الحزب الجمهوري، التي تحمل المهاجرين مسؤولية جميع مشكلات البلاد من الجريمة إلى البطالة، صدى لدى الناخبين، إلا أنه بعد مرور عام، يعتقد كثيرون أن أساليبه قد تجاوزت الحد. فبحسب استطلاع رأى أجرته وكالة “أسوشيتدبرس”  ونشر نهار الجمعة الـ16 من يناير (كانون الثاني) الماضي، انخفضت نسبة تأييد بين الجمهوريين خلال العام الماضي، من 88 في المئة في مارس (آذار) إلى 76 في المئة. أما بين عامة الشعب، فلا يؤيد تعامله مع هذه قضية الهجرة سوى 38 في المئة من البالغين.

لم يكن الأمر مجرد جزء أساس من الحملة الانتخابية، بل ظل أيضاً محوراً رئيساً لإدارته، فبحسب دراسة أجراها معهد سياسات الهجرة MPI، أصدر ترمب نحو 38 أمراً تنفيذياً في شأن قوانين الهجرة، ما يمثل 17 في المئة من إجمالي 225 أمراً تنفيذياً صدرت خلال عام. وعلى رغم صعوبة تتبع جميع القرارات التنفيذية، تشير التقديرات إلى أنه أصدر أكثر من 500 قرار خلال 12 شهراً، وللمقارنة صدر 472 قراراً تنفيذياً متعلقاً بالهجرة خلال السنوات الأربع من ولايته الأولى.

ما هي أهداف ترمب الحقيقية في هذا السياق؟

الواقع أن الرجل له هدفان: الأول هو إنهاء ما يسميه “غزواً” على الحدود، والثاني هو تنفيذ أكبر عملية ترحيل في التاريخ، بهدف معلن يتمثل في طرد مليون شخص سنوياً. ومع ذلك، حتى الأرقام الرسمية، التي تفوق تلك التي أوردها عدد من الخبراء والمراقبين المستقلين، لا تزال بعيدة كل البعد من هذا الهدف، مما يثير إحباط الرئيس.

لهذا السبب، استبدل ترمب في الأشهر الأخيرة رؤساء وكالات الهجرة وعين شخصيات أكثر تشدداً، مثل غريغوري بوفينو. وحتى  وقت قريب، كان بوفينو رئيساً لمكتب الجمارك وحماية الحدود في منطقة إل سنترو بولاية كاليفورنيا. وقد أدار عمليات الهجرة في شيكاغو ولوس أنجلوس وشارلوت ونيوأورليانز، والآن في مينيابوليس، مشجعاً العملاء على استخدام أساليب عنيفة ضد المتظاهرين، بما في ذلك الغاز المسيل للدموع ورذاذ الفلفل.

أميركا الكوربوراتية والاستغناء عن الهجرة

وفي سياق أزمة الهجرة والمهاجرين، يطرح تساؤل على مائدة النقاش: هل أميركا الكوربوراتورية، أي أميركا الشركات الهائلة، والمصانع التي لا تكف عن الدوران، يمكنها أن تستغني عن هؤلاء المهاجرين؟

أظهرت بيانات التعداد السكاني أن ما يقرب من واحد من كل خمسة عمال في الولايات المتحدة كان مهاجراً عام 2024، ويمثل هذا رقماً قياسياً في البيانات التي تعود لعقود مضت، بعد أن كانت النسبة أقل من 10 في المئة في عام 1994.

تعرضت عدد من تصرفات ترمب لتحديات قانونية، بما في ذلك دعوى قضائية في شأن برنامج الحماية الموقتة رفعتها نقابة عمال الخدمات الدولية SEIU.

والواقع أنه حتى لو لم ينجح البيت الأبيض في تكثيف الاعتقالات والترحيل، يقول المحللون إن حملته القمعية قد تؤثر في الاقتصاد على المدى القريب، لأنها تخيف أشخاصاً كثيرين من العمالة المهاجرة، وتدفعهم إلى الاختباء وتبطئ وصول الوافدين.

وبحسب البيانات الإحصائية، فقد تراجع نمو القوى العاملة، الذي كان يعتمد على المهاجرين بالفعل منذ يناير 2025، عندما تولى ترمب منصبه.

في هذا الصدد يحذر الخبير الاقتصادي جيوفاني بيري من جامعة  كاليفورنيا في ديفيس من أن صعوبة إيجاد العمال للشركات أمر سيحد من قدرتها على النمو، مما سيؤدي إلى تباطؤ الاقتصاد.

كما أن تقليص حجم القوى العاملة قد يؤدي إلى زيادة التضخم، من خلال إجبار الشركات على دفع مزيد لتوظيف الموظفين.

ويضيف البروفيسور بيري أنه إذا استمرت هذه السياسات، فقد يكون لها عواقب اقتصادية بعيدة المدى. ويشير إلى مثال اليابان، التي شهدت انكماشاً في اقتصادها نتيجة لكبح الهجرة وشيخوخة السكان.

ولعله بات من الواضح أن عمليات المداهمة غير الموثقة، قد أصبحت جزءاً من سياسة تريد حقاً تحويل الولايات المتحدة من أحد الأماكن التي يأتي إليها المهاجرون ويندمجون ويصبحون جزءاً من نجاح المجتمع إلى بلد مغلق، بدلاً من أن تكون تدفقات الهجرة محركاً للنمو، مما يعني أن الاقتصاد الأميركي مرشح لركود أكثر وبطء في النمو وتراجع في الديناميكية.

وفي قطاع بناء المنازل، أفادت الشركات في جميع أنحاء البلاد بتوقف بعض فرق العمل عن الحضور إلى العمل، مما سيؤدي إلى إبطاء البناء ورفع التكاليف في قطاع تعتبر فيه الأسعار مصدر قلق بالفعل كما يقول جيم توبين، رئيس الرابطة الوطنية لبناء المنازل، التي تمثل الشركات في هذا القطاع.

هل من قطاع صناعي بعينه في الداخل الأميركي، يمكن أن يكون صوته مسموعاً على نحو خاص في سياق قضايا الهجرة والمهاجرين، بل يمكنه تحويل مسار ترمب بصورة قسرية؟

حكماً نحن نتحدث عن المجمع الصناعي العسكري الأميركي، إذ  بدأ بدوره في التململ من نقص الأيدي العاملة، وبخاصة في ظل نقص واضح في كثير من أنواع الذخيرة، تلك التي جرى استخدامها في أكثر من موقع خارج أميركا، مرة في دعم أوكرانيا لمواجهة روسيا، ومرة أخرى في إسرائيل لمواجهة صواريخ  إيران الباليستية، مما جعل هناك الحاجة ملحة إلى مزيد من الإنتاج الحربي، وهذا بدوره لا يتم حصاده من غير دورات عمل وحاجة إلى العمال.

هل في المشهد فصل عنصري يخص المهاجرين؟

من المشاهد المتكررة لمطاردة واعتقال المهاجرين في شوارع أميركا (رويترز)​​​​​​​

السود والملونون وحديث العنصرية

هل ما يحدث في الداخل الأميركي اليوم من مواجهة للمهاجرين، بصورة أو بأخرى، هو فصل من فصول العنصرية؟

بحسب المحلل السياسي الأميركي كريستوفر ديلتس في تصريحاته لوكالة “بلومبيرغ”، فإن أشخاصاً مثل كريستي نويم وزيرة الأمن الداخلي، يستغلون وسائل التواصل الاجتماعي بصورة استراتيجية لبث الخوف، من خلال نشر صور لمداهمات إدارة الهجرة  والجمارك وعمليات الترحيل إلى معتقل غوانتانامو سيئ السمعة  في كوبا.

وسط هذا المشهد الصاخب تكمن رسالة صارخة: السود والملونون غير مرحب بهم في أميركا البيضاء.

من الصعب تجاهل هذه النقطة، التي سبقت الانتخابات التي صورت الهايتيين على أنهم آكلوا الكلاب، وفي الأوامر التنفيذية التي تلغي إعادة توطين اللاجئين.

ومن بين الحقائق التي لا يمكن تغافلها أو تجاهلها، أن هذه الإدارة  التي تظاهرت بتقليص تمويل برامج حماية التنوع والإنصاف  والشمول، وتصويرها للأشخاص الملونين على أنهم يفتقرون إلى  الجدارة، مهووسة بسياسة الهجرة تحديداً لأنها هي التي تحدد تركيبة الأمة الأميركية  – من هو هنا وبأي حق – أنها الأداة  المثالية لتفوق العرق الأبيض والفصل العنصري.

تثير هذه النقطة تحديداً حديث المراثي في الداخل الأميركي، ذلك أنه على رغم أن سياسات ترمب المتعلقة بالهجرة تهدف إلى أن ينظر إليها على أنها أكثر قسوة من سياسات أسلافه (وبعضها كذلك بالفعل)، إلا أنها ليست سوى أحدث تجسيد لتقليد أميركي يمتد لقرون: قوانين تهدف إلى استبعاد الاشخاص الملونين وتفضيل البيض.

ما الذي يتبقى في هذا الحديث؟

الوصول إلى نقطة مهمة للغاية، وهي أن غالبية الأميركيين لا  يوافقون على سياسات الرئيس ترمب الخاصة بالهجرة، فقد كشف تقرير صدر في التاسع من ديسمبر (كانون الأول) الماضي عن معهد أبحاث الدين العام PRRI عن انخفاض تأييد الأميركيين لنهج الرئيس ترمب في التعامل مع ملف الهجرة بمقدار خمس نقاط مئوية منذ مارس (آذار) 2025.

السؤال الأخطر: ماذا لو جرى استطلاع رأي جديد هذه الأيام بعد عمليتي اغتيال لمواطنين أميركيين، لا مهاجرين، في مينيابوليس، ناهيك بالاعتداء غير المبرر على كثيرين، بجانب حالة الهلع والذعر التي تعم ولاية مينيسوتا بأكملها؟

غالب الظن أن النتائج ستأتي بصورة سيئة وغير مسبوقة، مما يفتح الباب واسعاً أمام قراءات مبكرة في شأن انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، فيما صوت عضو الكونغرس الجمهوري الأشهر تيد كروز يكاد يملأ أرجاء البيت الأبيض، منذراً ومحذراً الرئيس بأن هناك أخطاراً حقيقية، يمكن أن تقود إلى فوز مؤازر للديمقراطيين بالغالبية العظمي في الشيوخ والنواب عما قريب، وساعتها سيكون قرار عزل الرئيس قاب قوسين أو أدنى.

هل هذه نهاية سردية بوتقة الانصهار، أم أن ترمب يمكن أن يعيد تغيير المسار؟

المزيد عن: أميركا والمهاجرين دونالد ترمب الهنود الحمر الهجرة الإيرلندية مجاعة البطاطا مدينة مينيابوليس الكنيسة الكاثوليكية خليج غوانتانامو إدارة الهجرة والجمارك السود والملونون

 

 

You may also like

Editor-in-Chief: Nabil El-bkaili

CANADAVOICE is a free website  officially registered in NS / Canada.

 We are talking about CANADA’S international relations and their repercussions on

peace in the world.

 We care about matters related to asylum ,  refugees , immigration and their role in the development of CANADA.

We care about the economic and Culture movement and living in CANADA and the economic activity and its development in NOVA  SCOTIA and all Canadian provinces.

 CANADA VOICE is THE VOICE OF CANADA to the world

Published By : 4381689 CANADA VOICE \ EPUBLISHING \ NEWS – MEDIA WEBSITE

Tegistry id 438173 NS-HALIFAX

1013-5565 Nora Bernard str B3K 5K9  NS – Halifax  Canada

1 902 2217137 –

Email: nelbkaili@yahoo.com 

 

Editor-in-Chief : Nabil El-bkaili
-
00:00
00:00
Update Required Flash plugin
-
00:00
00:00