ثقافة و فنونعربي “إيبيريا” لإيزاك ألبينيز من الأندلس إلى شبه الجزيرة بأكملها by admin 16 مايو، 2021 written by admin 16 مايو، 2021 213 روح محلية من مبدع عاش تجربة الحداثة والغربة حتى النهاية اندبندنت عربية / إبراهيم العريس باحث وكاتب لعل الأكثر مدعاة للدهشة في المسار الإبداعي للموسيقي الإسباني إيزاك ألبينيز هي تلك “الجدلية” التي قامت بين إحساسه بوطنه الإسباني وتعبيره عن ذلك الإحساس، إذ نجده يقترب بموسيقاه من الجزيرة الإيبيرية بمقدار ما كان مقيماً خارجها، وبالتالي يبتعد عن تلك الحساسيات المحلية عندما يكون مقيماً داخل تلك المنطقة الثرية من العالم، لا سيما في الأندلس. ومن المؤكد أن الدليل الأكبر على هذا هو العمل الكبير الأخير الذي أنجزه قبل فترة يسيرة من رحيله، حين كان مقيماً في الجانب الفرنسي من الحدود مع إسبانيا. وهذا العمل الذي يعتبر الأغنى والأكثر نضوجاً بين مجمل إنجازات ألبينيز الفنية، يعتبر في الوقت نفسه من أكثر أعماله دنواً من التراث الموسيقي الإسباني ذي الوجوه المتعددة. ونتحدث هنا طبعاً عن مجموعته الختامية “إيبيريا” التي كتبها للبيانو بين 1905 و1909 أي العام نفسه الذي رحل في شهره الخامس بعد أشهر قليلة من تدوينه النوتات الأخيرة للمقطوعة الـ12 التي تختتم المجموعة. إنجازات “فرنسية” على الرغم من أن تلك المجموعة تحمل اسم “إيبيريا” الذي يعني شبه الجزيرة “الإسبانية” ككل، فإن ألبينيز كرّس المقطوعات التي تتألف منها، ويستغرق عزفها قرابة الساعة ونصف الساعة، للمنطقة الأندلسية من إسبانيا. ولقد باشر الموسيقي كتابتها وهو مريض في باريس لتقدم تباعاً من قبل العازفة بلانش سيلفا بدءاً من ربيع عام 1906 في قاعة “بليال” الباريسية، ويتتابع تقديمها بعد ذلك في باريس باستثناء المجموعة الثانية منها، والتي قدمت للمرة الأولى في مدينة سان – جان – دي لوس. وتتألف المجموعة من ثلاثة أقسام، أو “كتب”، ينقسم كل واحد منها إلى ثلاث قطع موسيقية تحمل كل منها اسم مدينة أو منطقة أندلسية أو خصيصة من الخصائص العائدة إلى منطقة معينة من تلك المناطق. وهكذا نجدنا تباعاً أمام تنويعات موسيقية تكاد تكون مألوفة إلى حد مدهش في المناطق التي تحمل أسماءها أو ما يشير إليها: “بويرتو” قادش و”كوربوس كريستي” إشبيلية بعد التمهيد في الكتاب الأول، ثم “رودينيا” في إقليم مالاغا (حيث الرقصة مستوحاة هنا من الفلامنغو)، و”المرية”، ثم “تريانو” المستوحاة من الفلامنغو الإشبيلي في الكتاب الثاني، وفي الكتاب الثالث يطالعنا تباعاً “الفايسين” المستوحى من حي الغجر في غرناطة، وبعد ذلك “البولو” التي تحيل إلى حي شعبي في مدريد ولكن كذلك إلى رقصة أندلسية، ومن ثم إلى “لابابييس” المحيلة المشيرة إلى حي مدريدي شعبي آخر ولكن أيضاً إلى إيقاع تانغو معروف في الأندلس، أما في الكتاب الرابع والأخير فنجدنا أولاً مع موسيقى من مدينة مالاغا ثم قطعة تنتمي إلى خيريس، وأخيراً كخاتمة لذلك كله مع قطعة معنونة “إيريتانيا” على اسم نزل في مدينة إشبيلية كان له شأن في صبا الموسيقي. حيوية الإبداع وفي هذه القطع الموسيقية التي يهدي ألبينيز كل “كتاب” منها إلى سيدة من اللاتي عرفهن، وبالكاد يحس المستمع إليها طعم المرض الذي كان يتآكل الفنان في سنوات عمره القصير الأخيرة، حرص الموسيقي على أن يرسم خيوطاً جوهرية لما يمكننا اعتباره وصيته الفنية، بقدر ما كان نوعاً من التكملة والاستطراد لتلك المقطوعات الرائعة التي كان أنجزها قبل “إيبيريا” بنحو عقد ونصف العقد من السنين، لتطلق شهرته الفنية في إسبانيا قبل أن تعم تلك الشهرة أوروبا بأسرها. فهو كتب موسيقى “المتتالية الإسبانية” بين 1883 و1894، ما يعني أن بدايات كتابته الموسيقية هنا تزامنت مع بدايات انطلاقته. ولكن بقدر ما راح في تلك القطع الأولى يستلهم كباراً من الموسيقيين الأوروبيين، ويحاول التقاط الحس الشعبي دامجاً إياه بحداثة موسيقية أجنبية لاحت فيها ملامح الموسيقى الروسية، التي كان من الواضح تأثره العميق بها (بورودين ورمسكي – كورساكوف بين آخرين)، سوف تكون الأولوية في قطع “إيبيريا” التي ختم بها حياته، للاستلهامات المحلية الأندلسية الخالصة، بما في ذلك تلك الموسيقى الشرقية التي لم تبرح خياله لحظة حتى، ولا في تلك الأعمال البالغة الحداثة التي أنتجها خلال مرحلته “الأوروبية” الخالصة، والتي شهدت إنتاجه أعمالاً أوبرالية منحته قسطاً من عالمية كان يتطلع إليها أول أمره. ويمكننا القول طبعاً إن تلك العالمية ستعود وتندمج خفية في موسيقى مرحلته الأخيرة، لتضحي جزءاً يكاد يكون خفياً من القطع الـ12 التي تؤلف “إيبيريا” وتعطيها نكهة شرقية لا لبس فيها. ما يبحث عنه الفنان مهما يكن، وعلى الرغم من تلك الروح الأندلسية الشرقية التي طبعت المجموعة الأخيرة التي وضعها ألبينيز عن أندلسه، فإنه عُرف دائماً بكونه من أكثر الموسيقيين الإسبان المعاصرين له أوروبية. بمعنى أن تكوينه الفني ومزاجه الشخصي، ناهيك عن التفاته الدائم ناحية أوروبا، كلها أمور كان من شأنها أن تجعل ألبينيز واحداً من أكثر الفنانين الإسبان ابتعاداً عن الروح الشرقية ورومانسيتها الحالمة وإيقاعاتها المدهشة. لكن الرجل، بعد جولة أوروبية طويلة، وبعد ارتحال لافت في عقلانية وسط أوروبا وشمالها، عاد ذات يوم ليكتشف أن ما يبحث عنه حقاً، في الفن وتحديداً في الموسيقى، كان دائماً موجوداً هناك، في الأرض الأندلسية. ومنذ تلك اللحظة صارت ألحانه، المكتوبة في معظها كقطع للبيانو، مطبوعة بالشرق أكثر من أي موسيقى أوروبية أخرى، بل جاءت في ذلك متقدمة كثيراً على المقطوعات ذات الروح الشرقية (أو بالأصح الاستشراقية) التي كان يؤلفها في أزمان متقاربة، موسيقيون مثل إدفارد غريغ، وسميتانا والروسي الكبير ريمسكي – كورساكوف. فلئن كانت موسيقى هؤلاء، انطبعت بروح “شرقية” متصورة فضلاً عن الرومانسية الأوروبية التي صاغت، في نهاية الأمر، شرقاً خاصاً بها، فإن موسيقى ألبينيز، خصوصاً تلك التي كتبها بعد سن النضج، وبعد عودته إلى إسبانيا من ترحاله الأوروبي، جاءت وارثة للموسيقى الإسبانية التي كانت بدورها وريثة الإيقاعات – والألحان الأندلسية العربية القديمة. فنان منذ الطفولة ولد ألبينيز عام 1860 في مدينة كامبرودون الإسبانية، وكان في الرابعة من عمره حين كشف باكراً عن حس موسيقي رهيف، وبدأ يعزف على البيانو ثم نجده وقد اضطر للهرب من البيت، وكان في الثالثة عشرة حين أراد أبوه منعه من احتراف العمل الموسيقي، وعاش متنقلاً يعمل عازفاً للبيانو حتى يؤمن عيشه. وإذ تكرر هربه مرتين لم يجد أبوه مفراً من الرضوخ لمشيئته، فوافقه على اختياره المصيري، بل ساعده على الالتحاق بكونسرفاتوار لايبتزغ في ألمانيا حيث شرع يدرس الموسيقى. بعد ذلك حين نفدت نقوده، التحق بمعهد بروكسل (بلجيكا) الموسيقي بفضل منحة حكومية ملكية قُدمت له. وفي عام 1883، كان في الـ23 حين أنهى دروسه وعاد ليقيم في إسبانيا حيث بدأ يدرس الموسيقى، أولاً في معاهد برشلونة، ثم في مدريد. وسنجده بدءاً من عام 1890 قد عاش تحولاً أساسياً في حياته جعله يأخذ التأليف الموسيقي على محمل الجد، خصوصاً أنه كان في تلك الآونة بدأ يخضع لنفوذ المؤلف الكبير فيليبي بدريل، الذي كان يعتبر الأب الشرعي للموسيقى الوطنية الإسبانية. وفي عام 1893 توجه ألبينيز إلى باريس حيث اختلط بعدد من كبار الموسيقيين الذين كانوا قد بدأوا الاهتمام بالموسيقى الشعبية ومنهم فنسان دندي وبول دوكا، وبفضل ذلك الاختلاط تعمق اهتمام ألبينيز بالحس الشعبي، وذلك بالتوازي مع إصابته بمرض “برايت” الذي سيصيبه بعد ذلك بالشلل ثم يقضي عليه، إذ ارتحل عن عالمنا في ربيع 1909، وكان لا يزال في الـ49 من عمره. مبدع حتى اللحظات الأخيرة مهما يكن، فإن أهمية ألبينيز، الذي جرب أنواع الكتابة الموسيقية كلها بما فيها الأغاني الأوبرالية، تكمن في مقطوعات البيانو الشهيرة التي كتبها، والتي استخدمت في غالبيتها ألحاناً وتقاسيم وإيقاعات مستقاة من الحس الأندلسي. أما عمله الأشهر فيبقى مجموعة “إيبيريا” التي وكما أشرنا ألّف مقطوعاتها المختلفة بين عامي 1906 و1909، أي ظل يكتبها حتى أيامه الأخيرة، وتتألف من 12 قطعة، ويرى كثير من المؤرخين والنقاد أنها من أكثر الأعمال الموسيقية تعبيراً عن الروح الأندلسية. المزيد عن: إيزاك آلبينيز/موسيقى/إسبانيا/الأندلس/الجزيرة الإيبيرية/إيبيريا/بلانش سيلفا 25 comments 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post سعيد يقطين يسأل: هل يوحد الكسكس المغرب العربي؟ next post كواليس تعثر جهود الوساطة بين إسرائيل وغزة You may also like السينما الإيرانية الجديدة ولدت من قلب الرقابة 10 مارس، 2026 فاطمة أيديمير تروي دراما الاغتراب في أوروبا 10 مارس، 2026 أدورنو يحتج على تشييء الفنون وابتذالية الفكر الاحتجاجي 10 مارس، 2026 “البحث عن الإمبراطور” رواية استشرفت سقوط الاتحاد السوفياتي 9 مارس، 2026 الحرب على سرير التحليل النفسي والثقافي 9 مارس، 2026 “ثلاثمئة حكاية” لفرانكو ساكيتي: وقائع إيطالية في زمن... 9 مارس، 2026 زيارة رمضانية إلى دوستويفسكي عن الجوع الاختياري 9 مارس، 2026 ندى حطيط تكتب عن: الذكاء الاصطناعي يكشف عن... 9 مارس، 2026 “ميشال ستروغوف” لجول فيرن… اكتشاف أدبي للعولمة 8 مارس، 2026 اللبناني نبيل نحاس يحمل “اللاحدود” إلى بينالي البندقية 7 مارس، 2026 Leave a Comment Save my name, email, and website in this browser for the next time I comment. Δ