إريك فروم (1900 – 1980) (ويكيبيديا) ثقافة و فنون إريك فروم يقتفي أثر اللاتيني أوفيد في “فن الحب” ويغري بارت بالتدخل by admin 17 February، 2026 written by admin 17 February، 2026 39 عندما يغوص المفكر الأكثر جدية بين أقطاب مدرسة فرانكفورت في ما هو غير متوقع اندبندنت عربية / إبراهيم العريس باحث وكاتب في حديث سابق في هذا المكان نفسه قبل ما يقارب عام، سبق لنا الحديث عن الفيلسوف الألماني إريك فروم، أحد أبرز الأعضاء في الجماعة الفكرية التي تحلقت عشية ولادة النازية في ألمانيا من حول مدرسة فرانكفورت، وذلك من خلال كتابه المعروف “مهمة فرويد” الذي لم يكن سوى محاولة لإعادة مؤسس التحليل النفسي إلى مكانته العلمية الحقيقية بالنظر إلى أن السنوات الطويلة (نحو نصف قرن) التي كانت قد انقضت في ذلك الحين، منذ تأسيس فرويد نظرياته في التحليل النفسي والتي امتلأت بالاكتشافات العلمية والأفكار التجديدية بشكل كان من شأنه أن يسمح لفرويد بأن يعيش إعادة نظر متواصلة في عديد من التأكيدات، بدلاً من أن يجمد فكره عند زمن سابق كانت له أفكاره. وكان ذلك في الحقيقة ما انتفض عليه فروم المولود في فرانكفورت الألمانية ليموت في لوكارنو بسويسرا. لقد انتفض ضد تقديس فرويد بكل جرأة من دون أن يحاول ولو في صفحة من صفحات “مهمة فرويد” أن يحد من قيمة معلمه الفكرية، وهو الذي لم يقبل أبداً أن يوصف بالفيلسوف، بل اعتبر نفسه على الدوام عالم تحليل نفسي وعالم اجتماع، ولم يقصر لحظة في إعلان انتمائه إلى فرويدية اعتبرها دائماً في حاجة إلى تطوير متواصل، ولكن من منطلق فرويدي أمين لأفكار المعلم لا لجمودية تلك الأفكار، وهذا التواضع العلمي هو الذي مكن فروم من أن يكتسب قراء كثراً، لأفكاره تلك، التي ربما كانت الأكثر تعبيراً عن هموم الناس في قرن ارتبكت فيه الأمور والأفكار بما فيها، كما أكد بنفسه مرات عديدة، أفكار معلميه الكبيرين اللذين “علمانا معاً أن الفكر الجامد يتحول إلى دوغما سرعان ما تخرج عن الزمن وتطور الأفكار في زمن يستشري تبدل الأفكار وتفسير تلك الأفكار فيه بشكل لا يتوقف”. على حبل مشدود الحقيقة أن كتاب “مهمة فرويد” الذي ينسف تقديس فرويد إنما من دون المساس الجذري بأفكار المعلم، لم يكن الكتاب الوحيد لإريك فروم الذي يتصدى لتلك المهمة الواقفة دائماً على حبل مشدود، فرويدياً في الأقل. فهناك أيضاً كتابه الأكثر شهرة بكثير، “فن الحب” الذي تصدى لـ”المهمة” نفسها، ولكن بصورة أكثر مداورة، وربما الأكثر شعبوية، في لغة اليوم في الأقل، والحقيقة أن كثراً من الذين تعرفوا على فروم باكراً بوصفه الأكثر جدية وميلاً إلى الاكتئاب بين فلاسفة فرانكفورت، دهشوا حين اكتشفوا لاحقاً كتابه “فن الحب” معتبرينه، في أقل تعديل، كتاباً غير متوقع. وانطلاقاً من التعرف على ذلك الكتاب لا شك أن كثراً من القراء قد أقبلوا على استعادة الكتاب الكلاسيكي اللاتيني في “فن الحب” للشاعر أوفيد ليكتشفوا كيف أن إريك فروم يتجاوز هنا “سخرية” سلفه اللاتيني الكبير، بل حتى ما يحكى عن “ابتذاليته” ليغوص في الموضوع نفسه من منظور فلسفي، وربما يكون في وسعنا هنا أن نذكر، على سبيل المقارنة بما حدث لاحقاً في القرن الـ 20 حين أدى ظهور كتاب المفكر التونسي الطاهر لبيب “فن الغزل عند العرب” بالفرنسية أولاً قبل ترجمته إلى العربية، إلى استعادة كتابات الأندلسي ابن حزم حول الموضوع نفسه، ليكتشفوا أن ما كان سرداً تبسيطياً ومفيداً عند ابن حزم، تحول عند الطاهر لبيب إلى نص فلسفي تاريخي، يأخذ الأمر بخالص الجدية، ولا شك هنا أن في وسط لعبة المقارنة بين أوفيد – إريك فروم من ناحية، وابن حزم – الطاهر لبيب من ناحية ثانية، سيقف عند سبعينيات القرن الـ20 يجمع عناصر الكتب الأربعة معاً ودائماً من موقع ثقافي خالص، هو “مقاطع من خطاب الحب” للفرنسي رولان بارت. ممارسة تتطلب معرفة لقد اكتشف القراء كتاب فروم الذي يمكن اعتباره الأكثر تفلسفاً، وليس بالمعنى السلبي للكلمة، على أية حال، للمرة الأولى عام 1956، بوصفه محاولة فلسفية – نفسية جادة لإنقاذ الحب من الابتذال العاطفي الذي طبع الثقافة الحديثة، فبينما يتعامل معظم الناس مع الحب كحالة وجدانية عفوية أو كضربة حظ، يصر فروم على أنه فن بالمعنى الكامل للكلمة: ممارسة تتطلب معرفة، وانضباطاً، ومسؤولية، مثل الموسيقى أو الرسم. وينطلق فروم من تشخيص قاسٍ للإنسان المعاصر، الذي يعيش في مجتمع رأسمالي قائم على الاستهلاك والتشيُّؤ. في هذا العالم، لا يحب الفرد الآخر لذاته، بل بوصفه “منتجاً” مرغوباً فيه. تتحول العلاقات إلى تبادل منافع، ويغدو السؤال الأساس: هل أنا مرغوب؟ بدل: هل أستطيع أن أحب؟ ومن هنا يرى فروم أن أزمة الحب ليست أزمة عاطفة، بل أزمة إنسانية شاملة. ويقسم الكتاب إلى أقسام أساسية، يبدؤها بتحليل طبيعة الحب، فالحب عند فروم ليس اندماج شخصين هاربين من وحدتهما، بل علاقة بين ذاتين مستقلتين تحافظ كل منهما على فرديتها. الحب الحقيقي يقوم على أربعة عناصر: الاهتمام، المسؤولية، الاحترام، والمعرفة. من دون هذه الركائز يتحول الحب إلى تملك أو تبعية أو وهم رومانسي، وبعد أن يؤكد فلسفياً طبعاً هذا الأمر، ينتقل فروم إلى تصنيف أنماط الحب: الحب الأخوي، حب الأم، الحب الإيروتيكي، حب الذات، وحب الله، وهو يؤكد أن هذه الأنواع ليست منفصلة، بل وجوه مختلفة لقدرة واحدة، ومن أهم أفكاره أن حب الذات ليس أنانية، بل شرط ضروري لحب الآخرين، فمن يعجز عن احترام نفسه لن يستطيع احترام غيره. سؤال جوهري غير أن الجزء الأكثر حدة في الكتاب هو نقده الرومانسية السائدة. ففروم يرى أن الثقافة الحديثة تركز على الوقوع في الحب بدل الاستمرار فيه. نبحث عن الشريك المناسب كما نبحث عن وظيفة جيدة، ثم نتصور أن المهمة انتهت، لكن الحب، في نظره، عملية مستمرة من العطاء الواعي، تتطلب شجاعة وصبراً وتواضعاً. سياسياً وفكرياً، يرتبط هذا التصور بنزعة فروم الإنسانية الاشتراكية، فهو يرى أن الحب لا يمكن أن يزدهر في مجتمع قائم على المنافسة والاغتراب. لا بد من بنية اجتماعية تشجع التضامن لا العزلة، والمشاركة لا الاستهلاك، وبصورة عامة يرى فروم هنا، أن ما يمنح “فن الحب” قيمته المستمرة هو أنه لا يقدم وصفات سريعة لوضعية يمكن اعتبار تيمتها الأساسية واحدة من أصعب التيمات في العلاقات الإنسانية، وأكثرها تعقيداً، بل يدعو إلى تحول داخلي جذري. إنه كتاب يطالب القارئ بأن يعيد التفكير في ذاته قبل أن يعيد التفكير في علاقاته، وبذلك يقف على النقيض من أوفيد: فبينما قدم الأخير الحب كلعبة مهارات، يراه فروم اختباراً أخلاقياً للإنسان. في النهاية، يبدو فروم معنياً بسؤال أبعد من العشق: كيف يمكن للإنسان أن يظل إنساناً في عالم يفقد إنسانيته؟ ويأتي الحب، في هذا السياق، لا كترف عاطفي، بل كفعل مقاومة وجودية. سيرة مفكر جوال بقي أن نذكر هنا أن ريك فروم (1900 – 1980) فيلسوف وعالم نفس اجتماعي ألماني – أميركي، يعتبر كما أشرنا، واحداً من أبرز ممثلي مدرسة فرانكفورت ذات التوجه الإنساني النقدي. ولد في فرانكفورت، ودرس في شبابه المبكر علم الاجتماع والتحليل النفسي، متأثراً بأفكار فرويد وماركس معاً، لكنه سرعان ما طور موقفاً نقدياً منهما، ساعياً إلى مزج التحليل النفسي بالفكر الاجتماعي. وهو كما حال معظم المفكرين والفلاسفة الأساسيين في “مدرسة العلوم الاجتماعية”، المعروفة بـ”مدرسة فرانكفورت” حتى بعد انتقالها إلى أميركا كما نعرف، هاجر إلى الولايات المتحدة هرباً من النازية في الثلاثينيات، ودرس في جامعات عدة، منها “كولومبيا ” و”ييل”. اشتهر بكتبه التي جعلت الفكر النفسي في متناول الجمهور الواسع، مثل “الخوف من الحرية”، و”فن الحب”، و”أن تكون أو لا تكون”، إذ ركز على أزمة الإنسان الحديث، والاغتراب، والنزعة الاستهلاكية ودائماً من منطلق يتوخى الجمع بين فكر كارل مارس وأفكار سيغموند فرويد، أستاذيه الكبيرين، كما كان يؤكد دائماً. ولقد تميز فروم بنزعته الإنسانية، إذ رأى أن جوهر الإنسان يكمن في قدرته على الحب والإبداع والمسؤولية، لا في الغرائز وحدها، وكان أيضاً ناقداً حاداً للرأسمالية الحديثة وللأنظمة الشمولية، داعياً إلى مجتمع أكثر عدلاً وإنسانية. ورحل عن عالمنا في سويسرا عام 1980، تاركاً إرثاً فكرياً يجمع بين علم النفس والفلسفة والنقد الاجتماعي. المزيد عن: إريك فروم فن الحب أوفيد مدرسة فرانكفورت فرويد الحب الإيروتيكي 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post مَن أعضاء الوفد الإيراني إلى جنيف ولماذا بينهم خبراء اقتصاديون؟ next post الأنا تسكن المنظر الطبيعي في لوحات مارون الحكيم You may also like اللبناني نبيل نحاس يحمل “اللاحدود” إلى بينالي البندقية 7 March، 2026 “دراكولا” برام ستوكر: ديكتاتور بقناع مصاص دماء 7 March، 2026 الأمل معقلنا الأخير عندما يلف الجنون العالم 7 March، 2026 رحيل أنطوان غندور رائد الدراما اللبنانية ما قبل... 7 March، 2026 “شعرية الترجمة” كما تتجلى في رؤية غاستون باشلار 7 March، 2026 “فن العمارة” الهيغلي: الروح والعقل في جعبة الكلاسيكية 6 March، 2026 مشروع “اقرأ داون تاون” يعيد الحياة إلى قلب... 5 March، 2026 “سونيتات” شكسبير في منأى من قناعه العقلي المعتاد 5 March، 2026 اليزابيث غيلبرت تكشف أهواءها في “مذكرات” تحصد نجاحا 5 March، 2026 محمود الزيباوي يكتب عن: صيد الحمير البرية في... 5 March، 2026