Saturday, March 7, 2026
Saturday, March 7, 2026
Home » إريك فروم يقتفي أثر اللاتيني أوفيد في “فن الحب” ويغري بارت بالتدخل

إريك فروم يقتفي أثر اللاتيني أوفيد في “فن الحب” ويغري بارت بالتدخل

by admin

عندما يغوص المفكر الأكثر جدية بين أقطاب مدرسة فرانكفورت في ما هو غير متوقع

اندبندنت عربية / إبراهيم العريس باحث وكاتب

في حديث سابق في هذا المكان نفسه قبل ما يقارب عام، سبق لنا الحديث عن الفيلسوف الألماني إريك فروم، أحد أبرز الأعضاء في الجماعة الفكرية التي تحلقت عشية ولادة النازية في ألمانيا من حول مدرسة فرانكفورت، وذلك من خلال كتابه المعروف “مهمة فرويد” الذي لم يكن سوى محاولة لإعادة مؤسس التحليل النفسي إلى مكانته العلمية الحقيقية بالنظر إلى أن السنوات الطويلة (نحو نصف قرن) التي كانت قد انقضت في ذلك الحين، منذ تأسيس فرويد نظرياته في التحليل النفسي والتي امتلأت بالاكتشافات العلمية والأفكار التجديدية بشكل كان من شأنه أن يسمح لفرويد بأن يعيش إعادة نظر متواصلة في عديد من التأكيدات، بدلاً من أن يجمد فكره عند زمن سابق كانت له أفكاره. وكان ذلك في الحقيقة ما انتفض عليه فروم المولود في فرانكفورت الألمانية ليموت في لوكارنو بسويسرا. لقد انتفض ضد تقديس فرويد بكل جرأة من دون أن يحاول ولو في صفحة من صفحات “مهمة فرويد” أن يحد من قيمة معلمه الفكرية، وهو الذي لم يقبل أبداً أن يوصف بالفيلسوف، بل اعتبر نفسه على الدوام عالم تحليل نفسي وعالم اجتماع، ولم يقصر لحظة في إعلان انتمائه إلى فرويدية اعتبرها دائماً في حاجة إلى تطوير متواصل، ولكن من منطلق فرويدي أمين لأفكار المعلم لا لجمودية تلك الأفكار، وهذا التواضع العلمي هو الذي مكن فروم من أن يكتسب قراء كثراً، لأفكاره تلك، التي ربما كانت الأكثر تعبيراً عن هموم الناس في قرن ارتبكت فيه الأمور والأفكار بما فيها، كما أكد بنفسه مرات عديدة، أفكار معلميه الكبيرين اللذين “علمانا معاً أن الفكر الجامد يتحول إلى دوغما سرعان ما تخرج عن الزمن وتطور الأفكار في زمن يستشري تبدل الأفكار وتفسير تلك الأفكار فيه بشكل لا يتوقف”.

على حبل مشدود

الحقيقة أن كتاب “مهمة فرويد” الذي ينسف تقديس فرويد إنما من دون المساس الجذري بأفكار المعلم، لم يكن الكتاب الوحيد لإريك فروم الذي يتصدى لتلك المهمة الواقفة دائماً على حبل مشدود، فرويدياً في الأقل. فهناك أيضاً كتابه الأكثر شهرة بكثير، “فن الحب” الذي تصدى لـ”المهمة” نفسها، ولكن بصورة أكثر مداورة، وربما الأكثر شعبوية، في لغة اليوم في الأقل، والحقيقة أن كثراً من الذين تعرفوا على فروم باكراً بوصفه الأكثر جدية وميلاً إلى الاكتئاب بين فلاسفة فرانكفورت، دهشوا حين اكتشفوا لاحقاً كتابه “فن الحب” معتبرينه، في أقل تعديل، كتاباً غير متوقع. وانطلاقاً من التعرف على ذلك الكتاب لا شك أن كثراً من القراء قد أقبلوا على استعادة الكتاب الكلاسيكي اللاتيني في “فن الحب” للشاعر أوفيد ليكتشفوا كيف أن إريك فروم يتجاوز هنا “سخرية” سلفه اللاتيني الكبير، بل حتى ما يحكى عن “ابتذاليته” ليغوص في الموضوع نفسه من منظور فلسفي، وربما يكون في وسعنا هنا أن نذكر، على سبيل المقارنة بما حدث لاحقاً في القرن الـ 20 حين أدى ظهور كتاب المفكر التونسي الطاهر لبيب “فن الغزل عند العرب” بالفرنسية أولاً قبل ترجمته إلى العربية، إلى استعادة كتابات الأندلسي ابن حزم حول الموضوع نفسه، ليكتشفوا أن ما كان سرداً تبسيطياً ومفيداً عند ابن حزم، تحول عند الطاهر لبيب إلى نص فلسفي تاريخي، يأخذ الأمر بخالص الجدية، ولا شك هنا أن في وسط لعبة المقارنة بين أوفيد – إريك فروم من ناحية، وابن حزم – الطاهر لبيب من ناحية ثانية، سيقف عند سبعينيات القرن الـ20 يجمع عناصر الكتب الأربعة معاً ودائماً من موقع ثقافي خالص، هو “مقاطع من خطاب الحب” للفرنسي رولان بارت.

ممارسة تتطلب معرفة

لقد اكتشف القراء كتاب فروم الذي يمكن اعتباره الأكثر تفلسفاً، وليس بالمعنى السلبي للكلمة، على أية حال، للمرة الأولى عام 1956، بوصفه محاولة فلسفية – نفسية جادة لإنقاذ الحب من الابتذال العاطفي الذي طبع الثقافة الحديثة، فبينما يتعامل معظم الناس مع الحب كحالة وجدانية عفوية أو كضربة حظ، يصر فروم على أنه فن بالمعنى الكامل للكلمة: ممارسة تتطلب معرفة، وانضباطاً، ومسؤولية، مثل الموسيقى أو الرسم. وينطلق فروم من تشخيص قاسٍ للإنسان المعاصر، الذي يعيش في مجتمع رأسمالي قائم على الاستهلاك والتشيُّؤ. في هذا العالم، لا يحب الفرد الآخر لذاته، بل بوصفه “منتجاً” مرغوباً فيه. تتحول العلاقات إلى تبادل منافع، ويغدو السؤال الأساس: هل أنا مرغوب؟ بدل: هل أستطيع أن أحب؟ ومن هنا يرى فروم أن أزمة الحب ليست أزمة عاطفة، بل أزمة إنسانية شاملة. ويقسم الكتاب إلى أقسام أساسية، يبدؤها بتحليل طبيعة الحب، فالحب عند فروم ليس اندماج شخصين هاربين من وحدتهما، بل علاقة بين ذاتين مستقلتين تحافظ كل منهما على فرديتها. الحب الحقيقي يقوم على أربعة عناصر: الاهتمام، المسؤولية، الاحترام، والمعرفة. من دون هذه الركائز يتحول الحب إلى تملك أو تبعية أو وهم رومانسي، وبعد أن يؤكد فلسفياً طبعاً هذا الأمر، ينتقل فروم إلى تصنيف أنماط الحب: الحب الأخوي، حب الأم، الحب الإيروتيكي، حب الذات، وحب الله، وهو يؤكد أن هذه الأنواع ليست منفصلة، بل وجوه مختلفة لقدرة واحدة، ومن أهم أفكاره أن حب الذات ليس أنانية، بل شرط ضروري لحب الآخرين، فمن يعجز عن احترام نفسه لن يستطيع احترام غيره.

سؤال جوهري

غير أن الجزء الأكثر حدة في الكتاب هو نقده الرومانسية السائدة. ففروم يرى أن الثقافة الحديثة تركز على الوقوع في الحب بدل الاستمرار فيه. نبحث عن الشريك المناسب كما نبحث عن وظيفة جيدة، ثم نتصور أن المهمة انتهت، لكن الحب، في نظره، عملية مستمرة من العطاء الواعي، تتطلب شجاعة وصبراً وتواضعاً. سياسياً وفكرياً، يرتبط هذا التصور بنزعة فروم الإنسانية الاشتراكية، فهو يرى أن الحب لا يمكن أن يزدهر في مجتمع قائم على المنافسة والاغتراب. لا بد من بنية اجتماعية تشجع التضامن لا العزلة، والمشاركة لا الاستهلاك، وبصورة عامة يرى فروم هنا، أن ما يمنح “فن الحب” قيمته المستمرة هو أنه لا يقدم وصفات سريعة لوضعية يمكن اعتبار تيمتها الأساسية واحدة من أصعب التيمات في العلاقات الإنسانية، وأكثرها تعقيداً، بل يدعو إلى تحول داخلي جذري. إنه كتاب يطالب القارئ بأن يعيد التفكير في ذاته قبل أن يعيد التفكير في علاقاته، وبذلك يقف على النقيض من أوفيد: فبينما قدم الأخير الحب كلعبة مهارات، يراه فروم اختباراً أخلاقياً للإنسان. في النهاية، يبدو فروم معنياً بسؤال أبعد من العشق: كيف يمكن للإنسان أن يظل إنساناً في عالم يفقد إنسانيته؟ ويأتي الحب، في هذا السياق، لا كترف عاطفي، بل كفعل مقاومة وجودية.

سيرة مفكر جوال

بقي أن نذكر هنا أن ريك فروم (1900 – 1980) فيلسوف وعالم نفس اجتماعي ألماني – أميركي، يعتبر كما أشرنا، واحداً من أبرز ممثلي مدرسة فرانكفورت ذات التوجه الإنساني النقدي. ولد في فرانكفورت، ودرس في شبابه المبكر علم الاجتماع والتحليل النفسي، متأثراً بأفكار فرويد وماركس معاً، لكنه سرعان ما طور موقفاً نقدياً منهما، ساعياً إلى مزج التحليل النفسي بالفكر الاجتماعي. وهو كما حال معظم المفكرين والفلاسفة الأساسيين في “مدرسة العلوم الاجتماعية”، المعروفة بـ”مدرسة فرانكفورت” حتى بعد انتقالها إلى أميركا كما نعرف، هاجر إلى الولايات المتحدة هرباً من النازية في الثلاثينيات، ودرس في جامعات عدة، منها “كولومبيا ” و”ييل”. اشتهر بكتبه التي جعلت الفكر النفسي في متناول الجمهور الواسع، مثل “الخوف من الحرية”، و”فن الحب”، و”أن تكون أو لا تكون”، إذ ركز على أزمة الإنسان الحديث، والاغتراب، والنزعة الاستهلاكية ودائماً من منطلق يتوخى الجمع بين فكر كارل مارس وأفكار سيغموند فرويد، أستاذيه الكبيرين، كما كان يؤكد دائماً. ولقد تميز فروم بنزعته الإنسانية، إذ رأى أن جوهر الإنسان يكمن في قدرته على الحب والإبداع والمسؤولية، لا في الغرائز وحدها، وكان أيضاً ناقداً حاداً للرأسمالية الحديثة وللأنظمة الشمولية، داعياً إلى مجتمع أكثر عدلاً وإنسانية. ورحل عن عالمنا في سويسرا عام 1980، تاركاً إرثاً فكرياً يجمع بين علم النفس والفلسفة والنقد الاجتماعي.

المزيد عن: إريك فروم فن الحب أوفيد مدرسة فرانكفورت فرويد الحب الإيروتيكي

You may also like

Editor-in-Chief: Nabil El-bkaili

CANADAVOICE is a free website  officially registered in NS / Canada.

 We are talking about CANADA’S international relations and their repercussions on

peace in the world.

 We care about matters related to asylum ,  refugees , immigration and their role in the development of CANADA.

We care about the economic and Culture movement and living in CANADA and the economic activity and its development in NOVA  SCOTIA and all Canadian provinces.

 CANADA VOICE is THE VOICE OF CANADA to the world

Published By : 4381689 CANADA VOICE \ EPUBLISHING \ NEWS – MEDIA WEBSITE

Tegistry id 438173 NS-HALIFAX

1013-5565 Nora Bernard str B3K 5K9  NS – Halifax  Canada

1 902 2217137 –

Email: nelbkaili@yahoo.com 

 

Editor-in-Chief : Nabil El-bkaili
-
00:00
00:00
Update Required Flash plugin
-
00:00
00:00