ثقافة و فنونعربي أولاد أحمد شاعر الالتزام ممزوجاً بحقائق النفس ومأساة الوجود by admin 22 أبريل، 2021 written by admin 22 أبريل، 2021 177 تونس تحتفل به في ذكرى رحيله الخامسة وقصائده دخلت الذاكرة الجماعية اندبندنت عربية / محمد الغزي لا شك في أن الأحداث السياسية والاجتماعية التي شهدتها تونس عام 2011، قد وشمت ذاكرة أدبها وتركت في جسده أثراً لا يمكن محوه أو التهوين من شأنه، غير أن الأدباء اختلفوا في تعاطيهم مع هذه الأحداث اختلافا بيناً، أغلبهم عاد إلى الأدب الملتزم ينفخ الروح في جسده الميت متدبراً حججاً شتى لتبرير استعادته، ونقصد بالأدب الملتزم الأدب الذي يستخدم لغة متعدية تحيل على الخارج النصي، ومنه تستمد شرعيتها وشعريتها، فإذا كان الأغلب الأعم من الكتاب والشعراء ارتدوا إلى هذا الأدب تحمساً واستئناساً بأشكال جاهزة للتعبير عن احتفائهم بالانتفاضة وتمجيدهم لرموزها، فإن القليل منهم قد سعى إلى أن يحول حدث الثورة إلى سؤال فني وإلى هاجس جمالي. أغلب القصائد التي كتبت عقب هذه الأحداث كانت انفلاتاً تلقائياً للمشاعر، وتعبيراً مباشراً عن حماسة طارئة. لقد نسي شعراؤها في غمرة حماستهم أن الشعر ليس الانفعال وإنما هو تحويل الانفعال إلى شكل، أي إلى طريقة في القول مخصوصة، أي إلى كتابة على غير مثال سابق، فالفن مثل الحياة لا يتجلى على هيئة واحدة مرتين، كل تجل يأتي في شكل جديد ويذهب في شكل قديم. من الشعراء الذين خرجوا على هذا النمط من الشعر الذي يتكئ على اللغة المتعدية الشاعر الصغير أولاد أحمد الذي تحل ذكرى رحيله الخامسة (2016) هذا الشهر، فكانت أناشيده أقرب القصائد إلى وجدان الجماعة تفصح عن رفضها لواقع قديم وتشوفها لواقع مختلف. قصائد محمد الصغير أولاد أحمد، بدت على انخراطها في تيار الشعر الملتزم ذات نبرة مخصوصة، فيها غضب وتوتر، وفيها أيضا تهكم وسخرية. صحيح أنها كانت شديدة الانهماك في الواقع، لكنها لم تكن تعبيراً عن حقائق الوقائع وحسب، بل كانت تعبيراً عن حقائق الواقع وقد امتزجت بحقائق النفس. نقد الخلل كان الإحساس بالخلل ينتاب كل شيء، إيقاعاً متواتراً في قصائد الصغير أولاد أحمد، لهذا تحولت الكتابة عنده إلى طريقة نقد للحياة ومحاولة لتقويم ما اختل من أمرها، فالشعر هنا ذو طبيعة “وظيفية”، فهو لا يكتفي بتأويل العالم وإنما يسعى إلى الفعل فيه، يلجم فوضاه ويعيد إليه توازنه المفقود. ديوان “تفاصيل” (صفحة الشاعر على فيسبوك) هذه الطبيعة الوظيفية للشعر تقتضي الإبانة حتى يكون هذا الشعر قادراً على “إنهاض النفوس” إلى الفعل، على حد عبارة القرطاجني. والإبانة هي قرينة الوظيفة التعبيرية للشعر حيث تصبح اللغة وسيطاً شفافاً تبيّن عما تحمله وتخبر عنه، بسبب من هذا توقى هذا الشعر الاستعارات البعيدة والرموز الغامضة، واستدعى الصور المألوفة التي تفرض على المتقبل أن يحملها على ظاهرها فلا يعدل بها عنه. لكن ينبغي أن نسارع إلى القول إن هذه الوظيفة المرجعية لا تنفي عن هذا الشعر وظيفته الإنشائية، وهي الوظيفة التي تؤمن له أدبيته وتخرجه مخرجاً فنياً، وبعبارة أخرى نقول إن علاقة هذا الشعر بالواقع ليست علاقة كنائية أي علاقة تجاور وإرداف، وإنما هي علاقة استعارية، أي علاقة تفاعل وحوار. ديوان آخر (صفحة الشاعر) النص الكنائي يظل على علاقة وطيدة بالمرجع موصولاً به وصل تماس وترابط، أما النص الاستعاري فإنه ينفصل عن المرجع ليؤسس كيانه المستقل وهويته الخاصة، لكن أهم ما يمكن ملاحظته أن القصيدة التونسية قد جنحت مع الصغير أولاد أحمد إلى أسلوب السخرية، وهي سخرية لاذعة، سوداء، فيها قسوة ومرارة، وفيها جرأة وتحد. في قصائد هذا الشاعر طاولته سياط السخرية وهي سخرية حكيمة عاقلة، لم يعرفها الشعر التونسي الذي هو في الأغلب الأعم شعر صارم رصين. وتتجلى هذه السخرية أقوى ما تتجلى في قصيدته “الوصية”: “إن وطنيتي/ ما أثقل إن في بداية هذه الجملة الرومانية/ محكوم عليك أن تنصب اسمها وترفع خبرها/ حتى وأنت تأكل/ حتى وأنت تقلع ضرسا/ حتى وأنت تصيح في الصحراء…”. لغة خاصة ما برح الشاعر يولي الأداة كل عنايته ويعمل على خلق لغته المخصوصة، مستدركاً على تيار أدبي جعل الشعر، الذي هو في الأصل مفارق للواقع، مطابقاً له. مدونة أولاد أحمد أثبتت أن النص الشعري خطاب مستقل بنفسه غير مفتقر لغيره، له خصائصه المتميزة وآلياته الفاعلة وطرائقه في إنشاء الكلام مختلفة. ولا شك في أن الأحداث التي عرفتها تونس قد دفعت التونسيين إلى إعادة اكتشاف قصائد الصغير أولاد أحمد، بخاصة وأن الانتفاضة التونسية كانت في حاجة إلى صوت شعري يعبر عنها ويتغنى بقيمها. هكذا توج أولاد أحمد شاعر الثورة التونسية بلامنازع، وأصبحت قصائده تتردد في المنابر ووسائل الإعلام، فماهي هذه القصائد التي انتخبها التونسيون من مدونة محمد الصغير أولاد أحمد واحتفظت بها الذاكرة الجماعية؟ ديوان شعري (صفحة الشاعر) لعل أهم القصائد التي ترددت على الألسن من مدوّنته هي القصائد التي جرت مجرى الأناشيد في صياغة إيقاعها وتوزيع مقاطعها وأساليب كلامها، والنشيد قصيد الجماعة تخلع عليه، من أثر ترديد بعد ترديد، ضرباً من القداسة، فترتله كما ترتل صلاة، وتؤديه كما تؤدي شعيرة، ولعلنا نذهب إلى أن الصغير أولاد أحمد قد دخل من خلال النشيد الذاكرة الجماعية في تونس: “نحب البلاد كما لا يحب البلاد أحدْ/ صباحا مساء، وقبل الصباح، وبعد المساء ويوم الأحد/ ولو قتلونا كما قتلونا/ ولو شردونا كما شردونا/ لعدنا غزاة لهذا البلد”.هذه القصيدة تنتمي إلى مجموعة أولاد أحمد الأولى “نشيد الأيام الستة”، وأعيد اكتشافها بعد أحداث 2011 لتصبح بمثابة نشيد الثورة التونسية ترددها الألسن في المناسبات الوطنية، كما احتفظت الذاكرة الجماعية بأبياته في الاحتفاء بالمرأة التونسية: “كتبتُ… كتبت فلم يبق حرفُ/ وصفت وصفت فلم يبق وصفُ/ أقول إذن باختصار وأمضي/ نساء بلادي نساء ونصفُ”. هكذا اختُزل أولاد أحمد في عدد محدود من القصائد، تماماً مثلما اختزل الشابي في الذاكرة الجماعية التونسية في بيتين من الشعر هما: “إذا الشعب يوما أراد الحياة/ فلا بد أن يستجيب القدر/ ولابد لليل أن ينجلي/ ولا بد للقيد أن ينكسر”. وهذا الاختزال أساء للشاعرين لأنه حجب عدداً كبيراً من النصوص أولى بالاهتمام والعناية، فلأولاد أحمد قصائد أخرى أكثر نضجاً على المستوى الفني والجمالي لم تحظ بالاهتمام، مع أنها تمثل كتابة فريدة لتاريخ الروح التونسية. فقصائده مثل “الوصية” و”هذا أنا” لم تكن مجرد وعاء لمعنى نثري سابق في الوجود، كما أنها لم تكن مجرد مرآة تعكس العالم الموضوعي أو تعيد استنساخه أو تحاكيه، بل كانت قصائد مركبة تجدل خيوطها صوراً ورموزاً عديدة متداخلة. هذه القصائد تنهض على المفارقات، وعلاقات التماثل والتقابل، والحوار المستمر بين الصفات والخصائص النوعية المختلفة، وقد أسهم حوارها مع قصائد أخرى عربية واجنبية في تطوير نزعتها الدرامية، وذلك بما انطوت عليه من جدل بين أطراف متقابلة متفاعلة، مثل الحاضر والماضي، والذات والآخر، والأسطورة والتاريخ. وهذه القصائد هي التي تمثل في الواقع أولاد أحمد وتفصح عن عميق أسئلته، لكنها لم تحظ بالعناية التي تستحق فظلت متكتمة على نفسها وعلى أسئلتها. المزيد عن: شاعر تونسي/شعر/الإلتزام/الوجود/الإنتفاضة/المأساة البشرية/تونس 17 comments 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post نجلة القذافي تخرج من قائمة الاتحاد الأوروبي السوداء next post ميرال الطحاوي تتأمل البعد الصحراوي في المتخيل العربي You may also like أميركي يكتب التاريخ “الحقيقي” للاشتراكية: الأبطال بشر أيضا! 11 مارس، 2026 عبده وازن يكتب عن: عندما يمثل العربي “الآخر”... 11 مارس، 2026 لطفية الدليمي الكاتبة الطليعية في السرد والنقد والترجمة 11 مارس، 2026 جنون العنف في رواية بارغيس “البرتقال الآلي” وفيلم... 11 مارس، 2026 دراما “القافر”… إنسانية الفقد والهوية في قرية عمانية 11 مارس، 2026 محمود الزيباوي يكتب عن: ذبح الطرائد في لوحتين... 11 مارس، 2026 شوقي بزيع يكتب عن: أي دور للكتّاب والمبدعين... 11 مارس، 2026 لطفية الدليمي الشاهدة على تحوُّلات زمن عراقي عاصف 11 مارس، 2026 المقدسي وليد الخالدي «حافظ الذاكرة الفلسطينية» يسلم الروح... 11 مارس، 2026 سلمى مرشاق رحلت بعد 5 سنوات من نكبة... 11 مارس، 2026 Leave a Comment Save my name, email, and website in this browser for the next time I comment. Δ