البنك المركزي في بيروت،31 يوليو 2023. (جوزيف عيد _ فرانس برس) عرب وعالم أموال مهرّبة ومصارف منهارة… لبنان على أعتاب معركة مالية فاصلة by admin 20 أغسطس، 2025 written by admin 20 أغسطس، 2025 120 العربي الجديد / أنديرا الشوفي في ظل الانهيار المالي غير المسبوق الذي يعيشه لبنان منذ عام 2019، تتوالى المحاولات، القضائية والسياسية لوقف التدهور ووضع حد للنزيف الاقتصادي. وفي هذا السياق، برزت مؤخراً خطوتان، إحداهما قضائية والأخرى سياسية – تشريعية، قد تشكلان، إذا تكاملتا، فرصة نادرة لفتح نافذة إصلاح حقيقية. الخطوة الأولى جاءت من القضاء، حين أصدر النائب العام المالي، القاضي ماهر شعيتو، قراراً استثنائياً يُلزم أشخاصاً طبيعيين ومعنويين – بينهم مصرفيون – بإعادة الأموال التي حُوّلت إلى الخارج خلال ذروة الأزمة المالية، وإيداعها في المصارف اللبنانية بالعملة ذاتها، خلال مهلة شهرين، وتحت إشراف النيابة العامة المالية. القرار، الذي استند إلى تحقيقات قضائية معمّقة، يهدف بالدرجة الأولى إلى وقف نزيف السيولة وإعادة ضخ جزء من الأموال التي أسهم خروجها في تعميق الانهيار وفقدان الثقة بالنظام المصرفي، فضلاً عن استنزاف احتياطي العملات الأجنبية في مصرف لبنان. ويستند شعيتو في خطوته هذه إلى الصلاحيات الممنوحة للنيابة العامة المالية بموجب المرسوم الاشتراعي رقم 150/1983، الذي يتيح لها التدخل في الجرائم المالية الكبرى، واتخاذ تدابير استثنائية عند تهديد الأمن الاقتصادي الوطني. ورغم غياب نص تشريعي صريح يلزم الأفراد أو الشركات بإعادة الأموال المهرّبة خلال الأزمات، فإن الإطار القانوني المتعلق بمكافحة الفساد وتبييض الأموال يمنح القضاء هامشاً واسعاً للتحرك عند تعرّض المصلحة العامة لخطر مباشر. ومن هنا، يمكن اعتبار قرار شعيتو مثالاً على “التدابير الاحترازية” التي يتخذها القضاء لمنع تفاقم الضرر، وكذلك على مبدأ “الرد العيني” الذي يهدف إلى إعادة الوضع إلى ما كان عليه قبل وقوع الخسارة. في المقابل، برزت على المستوى السياسي – التشريعي خطوة أخرى موازية، تمثلت في التوصل إلى توافق بين الحكومة اللبنانية ومصرف لبنان حول مشروع قانون إعادة هيكلة القطاع المصرفي. هذا المشروع، الذي وُصف بأنه “بوابة الإصلاحات المالية”، يهدف إلى إعادة تنظيم القطاع، ومعالجة الفجوة المالية التي تُقدَّر بأكثر من 70 مليار دولار، وإعادة توزيع الخسائر بين الدولة والمصارف والمودعين. القراران في سياق واحد إذا كان قرار القاضي شعيتو يمثل تدخلاً عاجلاً لإعادة الأموال المهرّبة إلى الداخل، فإن مشروع إعادة الهيكلة يشكل المسار الإداري والتشريعي طويل الأمد لإصلاح المنظومة المصرفية. كلا المسارين يلتقيان في هدف واحد: استعادة الثقة المفقودة بين المودع والمصرف. لكن التحديات أمام هذا المسار المزدوج ليست بسيطة. فغياب الشفافية في كشف الحسابات الحقيقية للمصارف، واستمرار التدخلات السياسية في القرارات المالية، وعدم حسم مسألة توزيع الخسائر بين الأطراف المعنية، قد تحوّل هذه الخطوات إلى مجرد أدوات لتجميل الأزمة بدل معالجتها جذرياً. الأخطر من ذلك، أن أي تلكؤ في تنفيذ القرار القضائي أو أي مماطلة في إقرار قانون إعادة الهيكلة قد يفرغ هذه الإجراءات من مضمونها، ويعيد المشهد إلى دائرة المراوحة التي اعتادها اللبنانيون في ملفات الإصلاح. مضمون التوافق على إعادة الهيكلة وفق الصيغة التي جرى التوصل إليها، ينص مشروع إعادة الهيكلة على إنشاء “هيئة إعادة الهيكلة” تضم غرفتين: غرفة تأديبية: تختص بالمخالفات المهنية والإدارية، وتضم ممثلين عن مصرف لبنان ومؤسسة ضمان الودائع ورئيس لجنة الرقابة. وغرفة هيكلية تنفيذية: تتولى اتخاذ القرارات الكبرى، مثل إغلاق المصارف أو دمجها أو إعادة رسملتها، وتضم حاكم مصرف لبنان ونوابه، قاضياً، ممثلاً عن وزارة المالية، وممثلاً عن مؤسسة ضمان الودائع، فيما يحضر رئيس لجنة الرقابة بصفة تقريرية فقط. هذه التركيبة تعكس تسوية دقيقة بين نفوذ الحكومة وسلطة المصرف المركزي، لكنها لا تضمن بالضرورة استقلالية الهيئة عن التجاذبات السياسية، بل قد تفتح الباب أمام تقاسم النفوذ على القرارات المصرفية الحساسة. شروط نجاح الإصلاح المزدوج لكي تحقق الخطوتان، القرار القضائي والتوافق على إعادة الهيكلة، نتائج ملموسة، لا بد من توافر جملة شروط أساسية: 1- تنفيذ القرار القضائي بحزم، مع نشر أسماء الجهات المُلزَمة بإعادة الأموال، وتحديد المبالغ بدقة، لضمان الشفافية ومنع أي استثناءات. 2- إقرار قانون إعادة الهيكلة بسرعة، ضمن جدول زمني محدد، مع نشر تقارير مالية دقيقة عن وضع كل مصرف على حدة. 3- تحديد المسؤوليات بوضوح في الفجوة المالية، بحيث تتحمل الدولة والمصارف والمودعون الكبار أعباءها بنسب عادلة، مع حماية صغار المودعين من أي اقتطاعات جائرة. 4- ضمان استقلالية هيئة إعادة الهيكلة عن النفوذ السياسي والمصرفي، لتفادي تحويلها إلى أداة لتصفية الحسابات أو حماية المصالح الضيقة. 5- إقرار قانون الكابيتال كونترول ينظم العلاقة بين المودع والمصرف، ويمنع استنسابية السحب والتحويل، وهو ما يشكل أساساً لأي إصلاح مصرفي جدي. رسالة إلى الداخل والخارج يحمل القرار القضائي والتوافق السياسي – المالي معاً رسالة إلى الداخل اللبناني وإلى المجتمع الدولي: أن هناك إرادة، ولو متأخرة، للتحرك باتجاه إصلاح مالي جدي. فالمجتمع الدولي، وعلى رأسه صندوق النقد الدولي، كان ولا يزال يشترط إعادة هيكلة القطاع المصرفي، واستعادة الأموال المحوّلة بطرق غير مشروعة أو استنسابية، لتكون جزءاً أساسياً من أي خطة تعافٍ. لكن الرسائل وحدها لا تكفي. فالتاريخ الحديث للبنان مليء بالمشاريع الإصلاحية التي بقيت حبراً على ورق بسبب غياب الإرادة السياسية والقدرة على التنفيذ. ومن هنا، فإن هذه الخطوات، إذا لم تُترجم إلى نتائج ملموسة، قد تنضم إلى لائحة طويلة من الوعود غير المنجزة. قد لا يكون القرار القضائي ولا التوافق على إعادة هيكلة المصارف عصًا سحرية لإنهاء الأزمة المالية التي تضرب لبنان منذ أكثر من أربع سنوات، لكنهما يمثلان، إذا طُبّقا بجدية وشفافية، فرصة نادرة لكسر حلقة الجمود. فالإنقاذ الحقيقي يبدأ حين تتضافر الإرادة القضائية مع الإرادة التشريعية في مواجهة المصالح النافذة، وعندما تُعاد أموال المودعين لا بالشعارات، بل بالأرقام والحسابات الفعلية. الطريق طويل، والعقبات كثيرة، لكن التجربة أثبتت أن غياب القرارات الجريئة يفتح الباب أمام انهيار أعمق. وفي بلد أنهكته الأزمات، قد يكون هذا التكامل بين القضاء والسياسة المالية هو الخيط الرفيع الذي يمكن التمسك به قبل فوات الأوان. المزيد عن: اقتصاد لبنانالمصارف اللبنانيةأزمة اقتصادية 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post محمود الزيباوي يكتب عن: تماثيل مهشّمة من واحة تيماء الأثرية next post «ويبنز»… فيلم أغسطس الذي أرعب العالم بحكايته You may also like هل يصدر لبنان مذكرة توقيف بحق نعيم قاسم؟ 10 مارس، 2026 كواليس دعم روسيا لإيران في حربها مع أميركا... 10 مارس، 2026 التطورات الميدانية تقلب موازين حرب “زئير الأسد” 10 مارس، 2026 زعيم” كومله” الكردي: ترمب اتخذ قرارا شجاعا ونرحب... 10 مارس، 2026 تقرير: لبنان طلب إجراء مفاوضات مباشرة مع إسرائيل 10 مارس، 2026 الأحواز: الهوية والنفط والصراع على الأرض 10 مارس، 2026 أستراليا تمنح اللجوء لـ5 لاعبات من منتخب إيران... 10 مارس، 2026 هل يشكّل حصار أو احتلال جزيرة (خارك/ خرج)... 10 مارس، 2026 قوات “دلتا” تتأهب.. كيف سيكون شكل الهجوم البري... 10 مارس، 2026 الجيش السوري: «حزب الله» أطلق قذائف تجاه نقاط... 10 مارس، 2026