هنري دي مونفرد (1879 – 1974) (غيتي) ثقافة و فنون أفّاق فرنسي يكتب عن “مقبرة الفيلة” بعد ليفنغستون وكيبلنغ by admin 4 أبريل، 2025 written by admin 4 أبريل، 2025 14 هنري دي مونفرد على خطى ريمبو في البحر الأحمر مروراً بتلك المقبرة الغامضة اندبندنت عربية / إبراهيم العريس باحث وكاتب من ناحية مبدئية يمكن القول استناداً إلى ما هو متداول حول هذا الموضوع، إن مقبرة الفيلة هي المكان الذي تذهب إليه الفيلة الأفريقية لتموت من تلقاء نفسها، وفقاً لاعتقاد أوروبي ظهر في القرن التاسع عشر ولكن تم دحضه منذ ذلك الحين من قبل علماء الحيوان. يومها وبناءً على اكتشاف عشوائي لمجموعات من الهياكل العظمية وبعض أوجه التشابه بين سلوك الفيلة وسلوك البشر، والتي غذاها الانجذاب إلى العاج، أثر هذا الاعتقاد على الخيال والثقافة الشعبية وأذهل العديد من صائدي العاج من منتصف القرن التاسع عشر إلى منتصف القرن العشرين. ومهما يكن لا بد من الإشارة إلى أن مصطلح مقبرة الفيلة يُستخدم أحياناً مجازياً للإشارة إلى انحدار أو التخلص من الأشخاص أو الأشياء الذين لم تعد لهم قيمة. ومن المحتمل أن أصل هذه الأسطورة، التي ربما يكون المستكشف ديفيد ليفينغستون أول من أشار إليها بالفعل، نشأت من اكتشاف هياكل عظمية مجمعة معاً في أماكن ترتادها الفيلة العجوزة. فافترض الباحث إنريكو برول أن الاكتشافات الحفرية لأعداد كبيرة من الحفريات، شجعت هذا الاعتقاد مع أن من المرجح أن تلك الفيلة كانت ضحايا للصيادين لأن أنيابها العاجية اختفت. ولتفسير هذه التجمعات، يقترح بعض الباحثين أن الأفيال المتقدمة في السن لديها ظروف بدنية واحتياجات غذائية محددة تجعلها تتجمع في مواقع مناسبة. إنهم يبحثون عن قرب برك المياه أو المستنقعات حيث يكون الطعام أكثر وفرة أو أكثر ليونة للمضغ من أجل أضراسهم البالية. والمهم هنا أن الحكاية خلقت أسطورة كان الإنجليزي روديارد كيبلنغ من أوائل من استخدموها في الأدب، لكن الأشهر بين الذين عالجوها كان الفرنسي الأفّاق هنري دي مونفرد. حكاية مغامر فرنسي فهذا الأخير– والذي سنعود إلى سيرته بعد سطور- بعد أن تم تحريره من معسكر سجن إيطالي كان يحتجزه فيه الإنجليز، وجد نفسه يهيمن على مسكن واسع يملكه رجل فرنسي. بيد أن ليس ثمة لما هو واضح في الأمر: لا وضع مونفرد، ولا شخصيته، ولا أنشطته. كل ما في الأمر أنه استغل الفرصة لتصفية حساباته مع فرنسا الحرة، التي لم تسامحه على علاقاته بحكومة فيشي. في النهاية تبدو القصة مثيرة للاهتمام ولكن متحيزة، ولا تخلو من الفكاهة، بل الفكاهة التي تجعل المرء يرتجف. نُشرت قصة مونفرد في عام 1973، بعد مرور 30 عاماً على الأحداث وقبل عام واحد من وفاة الراوي. والحقيقة أن السؤال هنا، وبعيداً من مقبرة الفيلة التي أعارها مونفرد عنوان نص كتبه حول تلك المقبرة بدا لكثر مثل “ويسترن أفريقي”، هل هناك من يتذكر، اليوم، هنري دي مونفرد؟ قليل من الناس طبعاً، وبخاصة في المناطق العربية المتاخمة لشمال البحر الأحمر، حيث يروي لنا دي مونفرد، في عدد كبير من النصوص التي كتبها لاحقاً، بعض أغرب المغامرات والأحداث التي جابهها خلال حياته المديدة. ولقد كان ما يرويه، ولا سيما خلال النصف الثاني من حياته، من الغرابة بحيث أن الكثيرين كانوا يميلون إلى عدم تصديقه، أو على الأقل، النظر إلى حكاياته على أنها حافلة بالمبالغات حتى ولو كانت لها جذور واقعية. إحدى طبعات “مقبرة الفيلة” (أمازون) على خطى آرثر ريمبو ولكن كان هناك، على الأقل، شخص آمن بهنري مونفرد، ومال إلى تصديقه، فكان أن شجعه على تدوين كل ما يرويه. وهذا الشخص لم يكن غير جوزف كيسيل الذي كان بدوره مغامراً كبيراً، وكاتباً ذا شعبية وشهرة. وعلى هذا النحو، وبخاصة بدفع من كيسيل ولدت تلك الكتب والنصوص التي بلغ عددها أكثر من ثلاثين كتاباً، لو راجعناها اليوم لعشنا ذلك الحلم الذي كان يعيشه كل أوروبي مثقف أو نصف مثقف منذ الزمن الذي اشتهرت فيه حكاية الشاعر آرثر ريمبو، الذي إلى كونه شاعراً كبيراً بل من أكبر شعراء الفرنسية على مر العصور، عرف كذلك بحياة مغامرات، أمضاها بين عدن والحبشة والسودان وإريتريا (أي في نفس المنطقة المتاخمة للبحر الأحمر) ولم يكن خلالها شاعراً بقدر ما كان مهرب أسلحة، وربما تاجر عبيد أيضاً. والحال أن حياة رامبو الأفاقة كانت هي المثال الأعلى الذي اتخذه دي مونفرد لحياته، وجعله، حين بلغ الثانية والثلاثين من عمره “يستجيب لنداء البحر”، أو بالأحرى لنداء حياة المغامرات، فتوجه إلى نفس المنطقة التي عاش ريمبو وغامر فيها، فكانت واحدة من أغرب المغامرات، إن نحن صدقنا كل، أو حتى بعض، ما يرويه هنري دي مونفرد في كتبه، التي منذ وضعها، لم تكف عن أن الصدور في طبعات متلاحقة. ومن خلال تلك النصوص، تظهر لهنري دي مونفرد صور عديدة. فالرجل الذي عاش أكثر من خمسة وتسعين سنة، عرف كيف يكون على التوالي سائقاً، ومهندساً وتاجراً وبحاراً ومهرب أسلحة ثم مهرب مخدرات، وصياد لؤلؤ، ثم صناعياً مرموقاً (بعد استقراره نهائياً في فرنسا، طبعاً) وصحافياً ومزارعاً ومحاضراً، ثم أخيراً كاتباً. أحداث يومية ومهما يكن، حين كان هنري دي مونفرد يعيش مغامراته خلال الربع الأول من القرن العشرين، لم يكن كاتباً بعد، بل حتى لم يكن مأثوراً عنه أنه يسجل ملاحظات يومية، استخدمها لاحقاً في كتبه المتأخرة، حتى وإن كان قد اكتشف له، بعد موته نص هو التدوين اليومي على ظهر سفينة مغامراته التي تنقل فيها، في مناطق البحر الأحمر، وفيه كان يسجل ما يحدث له يوماً بيوم، وكان النص مرفقاً بالعديد من الصور. والحال أن اكتشاف هذا النص أعطى صدقية لمعظم ما رواه هنري دي مونفرد في كتبه، ولكن بخاصة في محاضراته التي كان يلقيها بعد عودته النهائية، وأثارت أحلام الكثير من الشبان الفرنسيين في فترة ما قبل الحرب العالمية الثانية. ولد هنري دي مونفرد عام 1879، وعاش طفولة وصبا لا يُعرف عنهما الكثير، وتقلب في العديد من المهن الصغيرة، حتى انتهى به الأمر لأن يصبح بحاراً، وهكذا وصل إلى منطقة البحر الأحمر على متن سفينة، وقرر أن يبقى هناك، وأن يعيش حياة تسير على منوال حياة آرثر ريمبو التي كان قد أطلع عليها. وهو منذ تلك اللحظة، ودائماً كما روى لاحقاً في نصوصه وكتبه، لم يتوقف عن حياة المغامرات التي اختارها لنفسه. حيث نراه مرة وهو يتاجر بالسلاح مع الحبشة وإريتريا، فتكون خسائره أكثر من خسائر ريمبو، ويتعرض للموت في كل مرة طالب فيها المشترين بأن يدفعوا له ثمن ما اشتروه. وهو إذ ييأس من تجارة السلاح، يتوجه إلى تجارة “الحشيش” وكله (كما يروي لنا في كتابه “رحلة الحشيش”) آملاً في أن يتمكن من ضرب الاحتكار الإنجليزي في ذلك المضمار، إذ كان الإنجليز يحتكرون بيع الحشيش في… مصر. ثم نراه وهو يصارع ضد شركائه حين يحاولون سلبه الحمولة ويبدأ بمطاردتهم (كما يروي لنا في كتاب “مطاردة قايبان”) في شوارع بورسعيد وغيرها من المدن المصرية. هذه المغامرات وغيرها يرويها هنري دي مونفرد في كتب تحمل عناوين مثيرة مثل “الطريق المحظور” و”مغامرات البحر” و”الرجل الذي خرج من الماء” و”أسرار البحر الأحمر” و”المأساة الإثيوبية” و”من هرر إلى كينيا” و”مقبرة الفيلة” و”الثعبان الأحمر”. ترى، مع عناوين من هذا الطراز، كيف كان بإمكان القارئ الفرنسي أن يقاوم كل ذلك السحر الذي طبع كتابات خاطبت المخيلة بلغة بسيطة ونقلت القارئ والمستمع إلى عالم أحلام، أين منه ألف ليلة وليلة؟ رحل هنري دي مونفرد عن عالمنا أواخر عام 1974 مكللاً بالمجد وقد آلى على نفسه خلال سنوات عمره الأخيرة أن ينصرف إلى الزراعة، فجعل لنفسه مزرعة أحاط نفسه فيها بشتى أنواع الحيوانات الأليفة ثم أخذ يكتب ويكتب بكثافة، وكأنه يريد أن يترك وراءه عالماً كاملاً أو لعله كان يريد أن يحقق ما لم يفعله آرثر ريمبو: تحويل حياة مغامرات بأسرها إلى نصوص. ومن اللافت هنا أن قارئ نصوص دي مونفرد، وبخاصة الأخيرة منها سيخيل له أنه يقرأ عما حدث لريمبو، في تلك المنطقة نفسها قبل عامين من وصول دي مونفرد إليها! المزيد عن: هنري دي مونفردالفيلة الأفريقيةالمستكشف ديفيد ليفينغستونروديارد كيبلنغصائدو العاجآرثر ريمبو 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post “اندبندنت عربية” تنشر وثيقة سودانية للأمم المتحدة لإنهاء الحرب next post Carney says Canada will match U.S. auto tariffs You may also like أنستاس الكرملي رائد البحث في العربية وأخواتها الساميات 4 أبريل، 2025 مرصد كتب “المجلة”… جولة على أحدث إصدارات دور... 3 أبريل، 2025 رحيل فاضل الربيعي: مشاكسة التاريخ والجغرافيا 3 أبريل، 2025 شوقي بزيع يكتب عن: العباس بن الأحنف صرخة... 3 أبريل، 2025 محمود الزيباوي يكتب عن: مجمرة من موقع مليحة... 3 أبريل، 2025 هولدرلين… كما في يوم عيد 3 أبريل، 2025 بوح “فرويدي” لكافكا في رسالة لم تصل إلى... 2 أبريل، 2025 في يوم الشعر العالمي… تطورت أشكال القصيدة لكن... 20 مارس، 2025 كسر “الإله” أدونيس 20 مارس، 2025 نوام الإسرائيلية المعتدلة متهمة بالخيانة في فيلم “بئسَ... 20 مارس، 2025