الأحد, مارس 8, 2026
الأحد, مارس 8, 2026
Home » آلدوس هاكسلي “ينبعث” في ذكرى رحيله بصيغة فرنسية

آلدوس هاكسلي “ينبعث” في ذكرى رحيله بصيغة فرنسية

by admin

 

حول المكانة الاستثنائية لصاحب “عالم جديد شجاع” لدى الجيران الأوفياء

اندبندنت عربية / إبراهيم العريس باحث وكاتب

إذا كان للكاتب الإنجليزي آلدوس هاكسلي مكانة أساسية لا تضاهى لدى القراء والأوساط الأدبية بل الفكرية الفرنسية، فإن لهم عليه أيضاً دالة تجعلهم يحورون عنوان كتابه الرئيس على هواهم، بحيث يخيل للمهتمين بأن “عالماً جديداً شجاعاً” و”أفضل العوالم الممكنة” كتابان روائيان ينتمي كل منهما، وعلى طريقته، إلى نوع من الخيال العلمي هو “الديستوبيا“، مع أنهما كتاب واحد رأى الفرنسيون لأسباب غامضة أن يجعلوا له عنواناً لم يخطر أبداً في بال مؤلفه كعنوان في الأقل وحتى في عام 2013، حين احتفلت فرنسا بالذكرى الـ50 لرحيل هاكسلي بإصدار أربعة من كتبه الرئيسة ولا سيما روايته التي نتحدث عنها، في طبعات متعددة يشمل معظمها أعماله الكاملة، ظل هناك معلقون يتساءلون لماذا لم تترجم “عالم جديد شجاع” إلى الفرنسية، غير منتبهين إلى أنها هي نفسها التي صدرت في العنوان الفرنسي المبتكر “أفضل العوالم الممكنة”.

غير أن هذا يبقى أمراً بسيطاً مقارنة بالاهتمام الفرنسي الكبير بهاكسلي للمناسبة، واستذكار الصحافة الفرنسية حكاية موت الكاتب يوم الـ21 من نوفمبر (تشرين ثاني) عن 69 سنة، مشيرة إلى أن أحداً في العالم لم يبال بذلك الرحيل، لأن أعلام هذا العالم وناسه كانوا منشغلين بموت آخر أكثر أهمية بكثير، هو الذي نتج من اغتيال الرئيس الأميركي جون كينيدي في الوقت نفسه، وكأن الاحتفال الفرنسي جاء كنوع من التعويض عن ذلك الإهمال، غير المتعمد على أية حال.

الكتاتورية السعيدة

كل ذلك لم يعد يبدو مهماً، فبعد 50 سنة من الرحيلين المتزامنين، يبدو اليوم اغتيال كنيدي منسياً، فيما تعود ذكرى رحيل هاكسلي للذاكرة الفرنسية في الأقل، ولا سيما ذكرى روايته الكبرى التي صدرت هذه المرة مصحوبة بملحق مستقل عنوانه “العودة للعالم الجديد الشجاع”. فمع مرور السنوات، وبعد نحو قرن على صدور الرواية الكبيرة، التي غالباً ما تقارن برواية جورج أورويل “1984”، وقد صدرت قبل هذه الأخيرة بأكثر من عقد ونصف عقد، بات الملحق جزءاً أساسياً من العمل الأساس، لا غنى عنه في تفهم ما تنطح هاكسلي ليقوله. وهو تحديداً معاكس في ظاهره لما سيقوله أورويل في روايته الأساسية.

فبالنسبة إلى هاكسلي لا تنبني الدكتاتورية على تلك القواعد العنيفة والقسرية التي ستنبني عليها دكتاتورية “1984”، بل على توفير السلطة كل ما هو مريح ومسل في المجتمع الذي تحكمه. وهي النظرية المفاجئة التي رأى هاكسلي أنها لا تزال في حاجة إلى تطوير وتشريح، فجاء الملحق متوخياً تلك الغاية، ما جعله وكما أشرنا، نصاً لا غنى عنه لكل من يقرأ “عالم جديد شجاع” وممهداً لقراءة كتابين أساسيين تاليين للمؤلف نفسه هما “أزمنة مقبلة” (1948) و”الجزيرة” (1962)، وهما ينتميان بدورهما إلى عالم الدستوبيا، ولنتوقف هنا عند “عالم جديد شجاع”.

مشهد من فيلم مقتبس عن “عالم جديد شجاع” (موقع الفيلم)

من الحلم إلى الكابوس

تعتبر “عالم جديد شجاع” واحدة من الروايات التي تركت أثراً في القرن الـ20، وذلك لكونها توجه نقداً لاذعاً لفكرة “أفضل العوالم الممكنة” التي روجت لها الحداثة المتفائلة. وعلى رغم أن هاكسلي لا يستخدم العبارة مباشرة في الأصل الإنجليزي لعمله، فإن الرواية تقوم على تحليل عميق لفكرة المجتمع المثالي التكنولوجي، والادعاء بأن العلم قادر على بناء عالم “كامل” خال من الألم والصراع، لكن هذا الكمال الظاهري سرعان ما يتحول إلى دستوبيا خانقة تكشف عن حدود الحلم الإنساني حين يصبح فائضاً عن الحاجة إلى الحرية والمعنى.

والحقيقة أن هاكسلي يرسم صورة لأفضل العوالم الممكنة، كما تراها السلطة لا كما يريدها البشر. عالم بلا صراع، لكنه أيضاً بلا حرية، بلا ألم ولكن أيضاً بلا روح، بلا انحراف أو خطايا، لكنه خال من الإنسانية. وبهذا تذكرنا “عالم جديد شجاع” بأن السعادة التي تفرض قسراً ليست سعادة، وإن العالم الأفضل لن يكون أفضل إلا حين يحافظ على هشاشة الإنسان متضافرة مع كرامته وقدرته على الاختيار، مهما كانت اختياراته مؤلمة أو ناقصة.

وفي هذا السياق تلفتنا من دون أدنى ريب، تلك الصرخة التي يطلقها جون بطل الرواية في وجه محاوره مصطفى موند – الملقب انطلاقاً من مهنته، بمصمم العالم – معبراً عن حقه في أن يعاني وأن يخطئ وأن يحب وأن يبحث عن معنى، وأن يختار لنفسه بنفسه مهما كان اختياره مؤلماً، خاتماً حواره بالقول “أنا أطالب بحقي في أن أكون غير سعيد”، في إعلان حاسم بأن المعاناة جزء من التجربة الإنسانية وأن عالماً يخلو من الألم هو عالم مسطح لا عمق فيه.

صورة مبكرة للمستقبل

آلدوسهاكسلي الذي ولد وسط بيئة علمية بريطانية مرموقة، بدا منذ شبابه المبكر مطلعاً على العلوم البيولوجية والتطور وعلم النفس التجريبي. ولقد منحته هذه الخلفية قدرة خاصة على تخيل مستقبل يعتمد على العلم بوصفه سلطة شاملة، ولا سيما أن سنوات الـ20 والـ30 التي تحرك فيها فكرياً أبرزت صورة مميزة للتقدم العلمي، وكانت الحركات الاجتماعية والسياسية تعد بمجتمعات خالية من البؤس والفقر والحروب. بيد أنها لم تقنع هاكسلي الذي نظر إلى ما وراء البريق الخادع في رأيه، وشكك في وعود العلم، ولا سيما إن لم يكن هذا العلم مرتبطاً بقيم إنسانية وروحية عميقة.

والحال أن “العالم الجديد الشجاع” الذي تتحدث عنه الرواية، يقوم على منظومة اجتماعية تعلن بنفسها أنها قد بلغت غاية الكمال، فالأمراض اختفت لأن الهندسة الوراثية قد سيطرت على انفلات الطبيعة البشرية، والفقر تبخر لأن الإنتاج الصناعي بات عادلاً ومتساوياً ومخططاً بعناية، ولم تعد هناك حروب، لأن البشر مبرمجين اليوم على الرضى والقبول، كما اختفت الأحزان ما دام أن المجتمع يوفر للجميع مخدراً نفسياً يسمى “سوما” قادراً على أن يلغي كل المشاعر السلبية حال ظهورها. هو عالم يتظاهر بكونه “أفضل العوالم الممكنة”، لكنه يقوم في حقيقته على قمع كامل للحرية ومحاكاة ميكانيكية للسعادة، فكل فرد هنا يولد وفقاً لطبقة جينية معدة سلفاً. لا عائلات، لا علاقات حب حقيقية، لا فن ولا معاناة، وبالتالي لا تطور شخصياً ولا تجارب إنسانية أصيلة.

إطار سياسي اجتماعي

بقي أن نذكر أنه على رغم أن فكرة “أفضل العوالم الممكنة” تعود في الأصل للفيلسوف التنويري لايبنتز وفلسفته التفاؤلية، فإن هاكسلي يعيد صياغتها في إطار اجتماعي سياسي جديد: ليس العالم الذي نعيش فيه هو الأفضل بالضرورة، بل هو ذلك الذي يحاول التحكم بالإنسان بحجة تحسين حياته وقد يتحول بسرعة إلى الأسوأ. وفي هذا السياق لا تعود الرواية مجرد نقد للتكنولوجيا، بل تحذير من نزع الإنسانية عن الإنسان، تحت شعار العلم والتنظيم والتقدم.

المزيد عن: الخيال العلمياغتيال جون كينيديجورج أورويلآلدوس هاكسلي

 

You may also like

Editor-in-Chief: Nabil El-bkaili

CANADAVOICE is a free website  officially registered in NS / Canada.

 We are talking about CANADA’S international relations and their repercussions on

peace in the world.

 We care about matters related to asylum ,  refugees , immigration and their role in the development of CANADA.

We care about the economic and Culture movement and living in CANADA and the economic activity and its development in NOVA  SCOTIA and all Canadian provinces.

 CANADA VOICE is THE VOICE OF CANADA to the world

Published By : 4381689 CANADA VOICE \ EPUBLISHING \ NEWS – MEDIA WEBSITE

Tegistry id 438173 NS-HALIFAX

1013-5565 Nora Bernard str B3K 5K9  NS – Halifax  Canada

1 902 2217137 –

Email: nelbkaili@yahoo.com 

 

Editor-in-Chief : Nabil El-bkaili
-
00:00
00:00
Update Required Flash plugin
-
00:00
00:00