آرثر ميلر (1915 - 2005) (غيتي) ثقافة و فنون آرثر ميلر متأرجحا بين مصاعبه الشخصية ومجابهة المكارثية by admin 27 November، 2025 written by admin 27 November، 2025 128 ثلاثية من المسرحي الكبير لفضح “خديعة الحلم الأميركي” في غمرة “كارثة” زواجه من مارلين مونرو اندبندنت عربية / إبراهيم العريس باحث وكاتب لعل من أسوأ ما حدث للكاتب المسرحي الأميركي الكبير آرثر ميلر (1915 – 2005)، أن الجمهور العريض اهتم لدى رحيله بالحديث حيناً عن زواجه العابر والشقي من نجمة نجوم هوليوود أواسط القرن الـ20، مارلين مونرو، بين نهاية خمسينيات القرن الـ20 وبدايات الستينيات، أكثر مما اهتم بأعماله المسرحية التي يمكن لأي ناقد منصف أن يكتب مجلدات في الحديث عنها وعن الدور العظيم الذي لعبته ليس فقط في تاريخ المسرح الواقعي الأميركي خلال النصف الثاني من القرن الـ20، بل أكثر من ذلك في التاريخ الاجتماعي لهذه الأمة، كما في تاريخ “حلمها” الشهير، الذي ركز ميلر نفسه على تحليله ونقضه، وصولاً إلى نقده بعنف في أعماله الأولى، من دون أن ينساه في بقية ما أنتج طوال حياته التالية. ففي النهاية، وعلى الأرجح انطلاقاً مما وصفته لنا ابنته ريبيكا ميلر خلال دردشة لنا معها ومع زوجها الممثل الرائع دانيال دي لويس على متن طائرة نقلتنا يومها من المغرب إلى فرنسا، بأنها تعتبرها غلطة عمر والدها الكبير. ففي الحقيقة كان ذلك الزواج من مارلين “كارثة” قللت جماهيرياً في الأقل من صورة المبدع الكبير في نظر الجمهور العريض، فهذا الجمهور تناسى عند رحيل الكاتب الكبير في عام 2005 مكانته الأدبية والفكرية ليدور من حول حكاية النجمة وخداعها زوجها وإقامة علاقات عابرة عديدة فيما هي في حياته، وبخاصة مع النجم الفرنسي إيف مونتان، وصولاً إلى تسامحه هو معها، إلى حد أنه ختم علاقته بها بكتابة سيناريو “المنحرفون” مباشرة للشاشة شرط أن تقوم هي بالدور الأول فيه، وهو كما نعرف، أمر لم يكن قد أقدم على ما يماثله من قبل. صحيح أن ميلر طلق مارلين بعد انتهاء تصوير الفيلم، لكن “لعنة” زواجه منها ظلت تطارده حتى آخر أيام حياته. مشهد من “موت بائع متجول” على الخشبة (موقع العرض) وصولاً إلى مطاردة السحرة لكنه هو من ناحيته راح يطارد السحرة الذين كان قد مهد للاقتصاص الفكري منهم منذ ما قبل تجسدهم في الحياة الاجتماعية والسياسية والفنية، حتى عند بدايات العقد السادس من القرن الماضي، أي من نهايات الأربعينيات وحتى أواسط الخمسينيات، إذ جعل من مناوأة الماكارثية، المجسدة في الزمن الحديث لمطاردة السحرة دينه وديدنه كما يقول تعبير سحري في اللغة العربية. فمنذ عام 1949 تحديداً كتب ميلر مسرحيته الكبيرة الأولى “موت بائع متجول”، التي تنفرد بكونها المسرحية الأميركية الوحيدة التي فازت بأكبر ثلاث جوائز في هذا البلد مخصصة للكتابة المسرحية، وفي مقدمها جائزة بوليتزر بالطبع، كما شكلت أول إطلالة نقدية كبيرة منه، وكان بعد في الـ34 من عمره، على المجتمع الأميركي في انتقاد للحلم الأميركي نفسه. والحقيقة أنه لن يكون في وسعنا الحديث عن هذه المسرحية الأولى، من دون الانتقال للحديث عن مسرحيتي ميلر التاليتين لها، اللتين انضمتا إليها لتشكيل تلك الثلاثية التي تمكن الكاتب فيها من توجيه ضربات قاسمة، وبلغة تراجيدية مستقاة من الحياة التي يعرفها جيداً عبر رصده الحاد لها، إلى الممارسات الاجتماعية بل حتى السياسية الأميركية تغييباً للحلم الأميركي وكشفاً للمارسات المناوئة للمهاجرين، الإيطاليين خصوصاً في ذلك الحين. ونتحدث هنا بالطبع عن “ساحرات سالم” (1953)، ومن بعدها “مشهد من على الجسر” (1955). صحيح أن ميلر كتب عدداً كبيراً من المسرحيات الرائعة منذ ذلك الحين، مختتماً أعماله الكبرى قبل حين من رحيله بمذكرات لا تقل روعة عن مسرحياته عنونها بـ”منحنيات الزمن”، هذا صحيح، لكن أجزاء الثلاثية، حتى وإن كانت غير مترابطة في شخصياتها ومواضيعها كما من شأن الثلاثيات أن تكون عادة، تشكل مع ذلك في ترابطاتها، نظرة متكاملة لكل العيوب التي يرصدها ميلر في المجتمع الأميركي الذي “لم يتوقف يوماً عن خيانة أصحابه وخداعهم”. وذلك كله عبر نظرة أوصلت ميلر إلى الانتفاض على الماكارثية، بوصفها مطاردة معاصرة للسحرة، أي لكل من يحاول أن يقول كلاماً حراً في هذا البلد. ميلر وزوجته مارلين مونرو عاصفة زواج وطلاق (مجلة “لايف” الأميركية) مواضيع كاتب عادل ومهما يكن من أمر لاقت مسرحيات الثلاثية التي يبدو واضحاً أن كاتبها قد تأثر فيها أكثر ما تأثر بأستاذه الكبير، بحسب وصفه هو نفسه، الكاتب النرويجي الواقعي هنريك إبسن الذي يتشارك مع الروسي تشيخوف في ريادة هذا النوع من المسرح الاجتماعي عند بدايات القرن الـ20، ومن السهل اعتبار ميلر مكملهما في الجانب الآخر من العالم، وفي النصف الثاني من القرن. ومع ذلك لا شك أن لمسرحيات ميلر، ولا سيما أجزاء الثلاثية منها، خصوصية شديدة المحلية متنوعة المواضيع. فلدى ميلر ثمة تركيز على العلاقات بين الأجيال وبخاصة بين الأب وأبنائه، والصراع أو حتى القطيعة الحادة بين الفرد والمجتمع، والمجابهة الحادة، في معظم الأحيان، بين القوانين الأخلاقية والقوانين المؤسساتية. وفي منتهى كل هذه التناقضات والصراع لا يتردد النقاد والباحثون عن الحديث عن الطريق المسدود الذي يصل إليه مسرح ميلر في نهاية المطاف، طريق لا يمكن عبوره إلا وصولاً إلى الانتحار. كاتب مسرح الفاجعة ولعل من المنطقي هنا القول إن كل هذه العناصر كانت هي ما جعل ميلر يعتبر كاتب مسرح الفاجعة بامتياز، حتى ولو كان في نقده لأميركا وتناقضاتها يقف في خط خوض الصراع بدلاً من الركون إلى اليأس، في تعارض واضح مع ما هو معهود بالنسبة إلى المسرح التراجيدي ذي النزعة الأممية التي تقود إليها فجائعية مسرحه، بل وتسود حياته العملية والشخصية. صراعات وخطايا ففي نهاية الأمر كان ميلر مصارعاً حقيقياً، ويتبدى ذلك في مجابهته العنيدة للجنة السناتور ماكارثي الكئيبة التي اتهمته بالشيوعية، وهو بالمناسبة اتهام أطلقه ضده أمام اللجنة صديقه والمخرج المميز لمسرحياته الأولى والكبرى، إيليا كازان، مما خلق حالة عداء ونفور بينهما وجرح لم يندمل أبداً. فميلر عرف في نهاية الأمر كيف يجابه ذلك الاتهام مجابهة قوية بمواقف لم تلن لحظة حتى حين حكم بالسجن، فلم يستسلم ولم يهادن حين أبطلت المحكمة العليا ذلك السجن. وفي هذا السياق النضالي، سيكرر ميلر هذا الموقف عند آخر سنوات حياته، ولكن هذه المرة في تركيا حين كان يزورها ممثلاً لنادي القلم الذي كان في الماضي من مؤسسيه، فانسحب من اللقاء التركي بصخب عندما رصد ضروب القمع التي يمارسها النظام الإسلاموي الحاكم هناك. وكان ذلك بالتأكيد بنفس الطريقة التي انسحب بها من حياته مع مارلين مونرو بعدما أهداها سيناريو “المنحرفون” الذي سيكون وبالاً عليها على أية حال، إذ “انتحرت” بعد إنجازه عبر “ضربة نحس” طاولت يومها شريكيها في الفيلم الذي أخرجه جون هستون، كلارك غايبل الذي قضى بذبحة قلبية والتصوير لم ينته بعد، ومونتغمري كليفت الذي سيرحل بدوره بعد حين، بينما قضت النجمة “منتحرة” كما قيل ضحية لجريمة مافيوزية. لكن ميلر لم يشعر حينذاك أن له علاقة بالأمر فهي اختارت حياتها، وربما اختارت موتها أيضاً. ترى أفلم يؤمن آرثر ميلر طوال حياته بحرية اختيار الفرد لمصيره؟ المزيد عن: آرثر ميلرمارلين مونروالمكارثيةدانيال دي لويسإيف مونتان 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post أفراح تحت القصف… الحرب تفرض شروطها على أعراس جنوب لبنان next post حكايات الشخصيات في ليالي رواية “الجندي المجهول” You may also like اللبناني نبيل نحاس يحمل “اللاحدود” إلى بينالي البندقية 7 March، 2026 “دراكولا” برام ستوكر: ديكتاتور بقناع مصاص دماء 7 March، 2026 الأمل معقلنا الأخير عندما يلف الجنون العالم 7 March، 2026 رحيل أنطوان غندور رائد الدراما اللبنانية ما قبل... 7 March، 2026 “شعرية الترجمة” كما تتجلى في رؤية غاستون باشلار 7 March، 2026 “فن العمارة” الهيغلي: الروح والعقل في جعبة الكلاسيكية 6 March، 2026 مشروع “اقرأ داون تاون” يعيد الحياة إلى قلب... 5 March، 2026 “سونيتات” شكسبير في منأى من قناعه العقلي المعتاد 5 March، 2026 اليزابيث غيلبرت تكشف أهواءها في “مذكرات” تحصد نجاحا 5 March، 2026 محمود الزيباوي يكتب عن: صيد الحمير البرية في... 5 March، 2026