الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس (مؤسسة هابرماس) ثقافة و فنون يورغن هابرماس رائد النظرية النقدية في زمن الاضطراب by admin 16 مارس، 2026 written by admin 16 مارس، 2026 18 الفيلسوف الألماني الراحل عن 96 سنة ترك إرثا كبيرا في الفلسفة السياسية والاجتماعية اندبندنت عربية / مارلين كنعان أستاذة الفلسفة والحضارات، كاتبة وباحثة @MARLKANAAN تخسر أوروبا، برحيل يورغن هابرماس، مفكراً مثقفاً جمع بين التحليل الفلسفي الدقيق والانخراط النقدي في الشأن العام، بعدما أصبحت كتاباته جزءاً من الحوار حول العقل والديمقراطية والحداثة في زمن اتسم بأزمات سياسية وأخلاقية متلاحقة. ولد هابرماس عام 1929 في سياق تاريخي بالغ الاضطراب. فقد نشأ في ظل النظام النازي، وعاش في طفولته ومراهقته تجربة الحرب العالمية الثانية وانهيار ألمانيا عام 1945. وتركت هذه الأحداث بصمتها على تكوينه الفكري، إذ كان جيله من أوائل الأجيال الألمانية التي واجهت ضرورة التفكير في المسؤولية التاريخية والأخلاقية للمجتمع الألماني بعد النازية. وبدأ اهتمامه بالقضايا العامة وفظائع النازية من خلال متابعته البث الإذاعي لمحاكمات نورمبرغ التي عقدتها قوات الحلفاء وطالت قادة ومسؤولي الحزب النازي. فبدأ بالاطلاع على أسس ومكونات الحداثة الغربية وتاريخها، وكان أثناء تلك الفترة معجباً بالفيلسوف الوجودي جان بول سارتر الذي ذاع صيته في تلك الفترة من تاريخ أوروبا لتمسكه بالحرية واستماتته في الدفاع عنها. هكذا تشكلت لدى الشاب قناعة مبكرة بأن الدفاع عن الديمقراطية والعقلانية النقدية ليس مجرد مسألة نظرية، بقدر ما هو شرط أساس لمنع عودة الاستبداد. لذا كانت المهمة الفكرية التي تصدى لها هابرماس تكمن في إمكانية بناء مجتمع ديمقراطي حقيقي بعد التجربة النازية التي كشفت هشاشة العقل السياسي الحديث. ولأن مشروع هابرماس لم ينطلق من التأمل النظري البحت، بل من محاولة فهم الشروط التي تجعل الديمقراطية الحقيقية ممكنة، فإنه ظل طوال مسيرته الفكرية منشغلاً بسؤال بناء هذا المجتمع القائم على العقل والحوار، لا على القوة والعنف. رائد الفكر الفلسفي التداولي (مؤسسة هابرماس) بدأ هابرماس حياته الجامعية عام 1949 دارساً الفلسفة والتاريخ والاقتصاد وعلم النفس والأدب الألماني في عدة جامعات ألمانية وسويسرية كغوتينغن وزوريخ وبون، مناقشاً عام 1954 أطروحة دكتوراه تناولت فكر الفيلسوف الألماني فريدريش شلينغ، بينت اهتمامه بتاريخ الفلسفة الألمانية الكلاسيكية وبالعلاقة بين العقل والحرية. لكن التحول الحاسم في مسيرته الفكرية جاء عند انضمامه في منتصف الخمسينيات إلى معهد البحوث الاجتماعية في فرانكفورت، حيث عمل مساعداً لتيودور أدورنو أحد أبرز رواد مدرسة فرانكفورت التي ارتبط اسمها أيضاً بأسماء ماكس هوركهايمر وهربرت ماكوزه وإريك فروم، واشتهرت بـ”النظرية النقدية” التي دمجت الماركسية بالفرويدية في مقاربتها للرأسمالية والفاشية والعقلانية الأداتية في المجتمع الغربي. فقد سعت هذه المدرسة الفلسفية إلى الكشف عن كل صور الهيمنة التي تنتجها المجتمعات الصناعية الحديثة، مبينة كيف يمكن للعقل أن يتحول إلى أداة للسيطرة عندما يختزل في بعده التقني ويتخفى خلف قناع المؤسسات الحديثة. مصير الحداثة “معرفة وفائدة” بالفرنسية (دار غاليمار) لكن هابرماس لم يكتفِ بمواصلة هذا التقليد النقدي. فبينما اتسمت كتابات الرعيل الأول من مفكري مدرسة فرانكفورت بنبرة تشاؤمية إزاء مصير الحداثة التي اعتبرها هابرماس “مشروعاً لم ينجز بعد”، حاول الفيلسوف إعادة التفكير في مفهوم العقل نفسه، ساعياً إلى إنقاذه من انحرافاته، معيداً صياغة مشروع “النظرية النقدية” في ضوء التحولات الفلسفية الجذرية خلال القرن الـ20، أو ما عرف بـ”المنعطف اللغوي”، أي نقل الاهتمام الفلسفي من دراسة الوعي والذات والميتافيزيقا إلى تحليل اللغة والتعبير والبنى الدلالية والتواصل، بحيث أصبحت اللغة هي الأساس لفهم الواقع والفعل والمعرفة. وسمح هذا التحول لهابرماس بتطوير مشروعه الفلسفي الجامع بين النظرية الاجتماعية والتحليل اللغوي والفلسفة الأخلاقية والسياسية دون الدخول في قطيعة مع الحداثة. ذلك أن مسعاه النقدي تمثل في تقويم الحداثة والعقلانية من خلال تأسيس معايير أخلاقية تقوم بضبط عمليات العقلنة وتحركاتها المؤسسة على اعتبارات التواصل والاعتراف بالآخر المختلف. ظهر هذا التوجه بوضوح في كتابه الشهير “التحول البنيوي للفضاء العمومي” الذي نشره عام 1962. في هذا الكتاب، قدم هابرماس تحليلاً تاريخياً لنشوء المجال العام البرجوازي في أوروبا الحديثة، أي ذلك الفضاء الذي التقى فيه المواطنون لمناقشة الشؤون العامة خارج سلطة الدولة ومنطق السوق، كالصالونات الأدبية والصحف والمقاهي التي ظهرت خلال القرن الـ18. ورأى هابرماس أن هذا الفضاء العام كان في بدايته مجالاً للنقاش الحر القائم على قوة الحجة، قبل أن يتعرض لاحقاً للتشويه تحت ضغط وسائل الإعلام الجماهيرية وهيمنة المصالح الاقتصادية والسياسية. ولعب هذا الفضاء دوراً حاسماً في نشوء الديمقراطية الحديثة وأصبح مفهوماً مهماً من مفاهيم الفلسفة السياسية المعاصرة، وأداة تحليلية لفهم العلاقة القائمة بين الإعلام والديمقراطية والمجتمع المدني. فاستخدم في مجالات متعددة كعلم الاجتماع السياسي ودراسات الإعلام والثقافة. كتاب مترجم إلى العربية (دار الحوار) لكن المشروع الفلسفي الأعمق لهابرماس تبلور في كتاب “نظرية الفعل التواصلي” الصادر في مجلدين عام 1981، والذي يعد من أهم الأعمال الفلسفية التي نشرت خلال النصف الثاني من القرن الـ20. في هذا الكتاب، حاول هابرماس إعادة بناء مفهوم العقلانية على أساس مختلف عن “العقلانية الأداتية” التي سادت في الحداثة الغربية. ففي نظره، اختزلت المجتمعات الحديثة العقل في قدرته على السيطرة التقنية على العالم، أي في ما سماه “العقل الأداتي”. غير أن هذا العقل على رغم نجاحه في تطوير العلوم والتكنولوجيا، أدى في الوقت عينه إلى ظهور صور جديدة من الهيمنة والاغتراب داخل المجتمعات الصناعية الحديثة. العقلانية التواصلية في مواجهة هذا “العقل الأداتي”، اقترح هابرماس تصوراً أو بديلاً مفاهيمياً، أطلق عليه اسم “العقلانية التواصلية”. ومن أجل صياغة هذه “العقلانية” الجديدة اضطر إلى إعادة النظر في مسألة الحقيقة، التي لم تعد في رأيه معطىً جوهرياً سابقاً على الوجود الإنساني، بل نتاجاً للتداول العمومي ولقدرة البشر على التفاهم عبر اللغة والحوار والإجماع. في هذا الإطار، نظر هابرماس إلى اللغة كوسيلة لتحقيق هذا التفاهم، جاعلاً منها فضاءً أخلاقياً وسياسياً في آن واحد، لأنها تتيح للأفراد اختبار صحة أفكارهم في النقاش والحوار العقلاني مع الآخرين. هكذا رأى أن التواصل اللغوي يشكل الأساس الحقيقي للحياة الاجتماعية ولإمكان قيام مجتمع ديمقراطي. انطلاقاً من هذه الفكرة بالذات، طور هابرماس نظرية “أخلاقيات النقاش”، التي ترى أن شرعية القواعد الأخلاقية لا تتأتى من السلطة أو التقاليد، بل من إمكانية القبول بنقاش عقلاني حر بين جميع المعنيين بهذه القواعد. وكان لهذه النظرية أثرها العميق في الفكر السياسي المعاصر، لا سيما في تطوير مفهوم “الديمقراطية التداولية”. “النظرية والتطبيق” بالفرنسية (دار بايو) في هذه الديمقراطية لا تقوم شرعية القرارات السياسية على الانتخابات أو تمثيل المصالح فحسب، بل على النقاش الذي يسبق اتخاذ القرار. فالديمقراطية عند هابرماس هي قبل كل شيء عملية تواصلية تقوم على مشاركة المواطنين في النقاشات العامة. المثقفون العموميون إلى جانب نشاطه البحثي ومسيرته الأكاديمية، برز هابرماس كأحد أهم “المثقفين العموميين” في ألمانيا وأوروبا، إذ انخرط منذ ستينيات القرن الـ20 في أبرز النقاشات السياسية والفكرية التي شهدتها القارة. فقد تناول في كتاباته ومقالاته ومداخلاته قضايا الحركة الطلابية، وعلق على أحداث مايو 1968 في فرنسا، وشارك بفاعلية في الجدل الدائر حول الذاكرة التاريخية الألمانية ومسؤولياتها، فضلاً عن إسهاماته في النقاش المتعلق بمستقبل الاتحاد الأوروبي ومسارات تطوره. أما في ثمانينيات القرن الـ20، فقد لعب دوراً مركزياً في ما عرف بـ”سجال المؤرخين” الألمان، حين واجه إرنست نولته الذي نظر إلى جرائم النازية كعمل دفاعي ضد “مخاطر” الشيوعية واليهودية العالمية، وكرد فعل طبيعي على تهديد وجودي طال ألمانيا، مدرجاً هذه الجرائم ضمن سياق تاريخي أوسع، واصفاً نشأة دولة إسرائيل بالدولة “غير الطبيعية”، والتي تحولت مع الوقت إلى دولة فاشية ترتكب بحق الفلسطينيين إبادة جماعية. ورفض هابرماس بشدة هذه المحاولة للتقليل من فظاعة الجرائم النازية أو “تطبيعها” في الذاكرة التاريخية الألمانية، مؤكداً ضرورة الحفاظ على الوعي النقدي بالماضي، منحازاً ومدافعاً في سقطة فكرية عن قيام الدولة اليهودية. وكان لهابرماس موقف نقدي من الطريقة التي جرت بها إعادة توحيد ألمانيا بعد سقوط جدار برلين عام 1989، معتبراً أن عملية التوحيد تمت بسرعة وتحت هيمنة المنطق الاقتصادي، دون نقاش ديمقراطي واسع حول شكل الدولة الجديدة. خلال العقود الأخيرة من حياته أصبح هابرماس أحد أبرز المدافعين عن المشروع الأوروبي. فقد رأى في الاتحاد الأوروبي تجربة تاريخية فريدة لتجاوز القومية السياسية التي كانت سبباً في الحروب الأوروبية الكبرى. من هذا المنطلق دعا إلى تطوير الاتحاد الأوروبي في اتجاه اتحاد سياسي ديمقراطي أكثر تكاملاً، طارحاً مفهوم “الوطنية الدستورية” القائم على انتماء المواطنين إلى القيم والمؤسسات الديمقراطية المشتركة، لا على الانتماء العرقي أو القومي الضيق. وشكل هذا المفهوم محاولة للإجابة عن سؤال أساس ما زال يطرح في المجتمعات الحديثة، كيف يمكن بناء تضامن سياسي في مجتمعات تتسم بتعدد الهويات والثقافات؟ على الصعيد الأكاديمي، شغل هابرماس مناصب مهمة، إذ درس في جامعة هايدلبرغ ثم في جامعة فرانكفورت، قبل أن يتولى إدارة معهد ماكس بلانك للعلوم الاجتماعية. وعلى رغم تقاعده الرسمي خلال التسعينيات، فقد ظل حاضراً بقوة في النقاشات الفكرية والسياسية، مواصلاً نشر مقالاته وكتبه مبدياً رأيه في كل النقاشات العامة، حاصداً عدداً من الجوائز التقديرية. ترك هابرماس نتاجاً فكرياً ضخماً ضم عشرات الكتب والدراسات التي جمعت بين تقاليد فكرية متنوعة، مثل الفلسفة الكانطية والنظرية النقدية والبراغماتية الأميركية، واللسانيات ونظريات اللغة الحديثة. بغيابه يخسر الفكر الأوروبي المعاصر واحداً من آخر المفكرين الذين يمكن إطلاق صفة “الفيلسوف” عليهم من دون تحفظ أو مبالغة، ولو دافع عن تصور للفلسفة كفكر “قابل للخطأ” في زمن ما بعد الميتافيزيقا، أي في زمن لم يعد فيه ممكناً الادعاء بتشييد أنظمة فكرية مكتملة ومغلقة، علماً أنه لم يتخل قط عن طموحه الفلسفي في الوصول إلى الحقيقة التي لا تطلب في نظره ضمن بناء نسقي صارم، بل عبر مسار مفتوح من البحث والنقد والاستعداد الدائم للاعتراف بالخطأ والقيام بالمراجعة الذاتية دون التخلي عن العقل أو إعلان نهايته. فهابرماس يرى أن العقلانية ليست امتلاك مبادئ ثابتة أو يقينيات نهائية، بقدر ما هي قبل كل شيء القدرة الدائمة على إعادة التفكير في شروط التفكر نفسه وتوسيع أفقه. ومن هذا المنظور، يتخذ العقل عنده معناه الأعمق حين يفهم كممارسة تواصلية تنفتح على الحوار وتغتني داخل الفضاء الديمقراطي حيث تتواجه الحجج وتتفاعل الذوات العاقلة. سيظل اسم هابرماس بالتأكيد مرتبطاً بفكرة أن العقل لا يحيا إلا في الحوار، وأن المجتمع الديمقراطي لا يستقيم إلا عندما تنتصر قوة الحجة على حجة القوة. المزيد عن: فيلسوف ألماني الفلسفة الاوروبية الحداثة الفكر السياسسي التداولية زمن الإضطراب النظرية النقدية مدرسة فرانكفورت 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post ياسين عدنان يفتح السجال حول الاستشراق الجديد بالنقد والتوثيق next post ماهلر حذف ثلث مغناته “أنشودة النحيب” ثم ندم You may also like الأوسكار 98: “بوغونيا” يحصد الجائزة الكبرى و”صوت هند... 16 مارس، 2026 “مفجر البارثينون” رواية يونانية تفكك قداسة الماضي 16 مارس، 2026 تولستوي ينصر الإنسان ضد آلة الحرب في “حاجي... 16 مارس، 2026 ماهلر حذف ثلث مغناته “أنشودة النحيب” ثم ندم 16 مارس، 2026 ياسين عدنان يفتح السجال حول الاستشراق الجديد بالنقد... 16 مارس، 2026 كتب شهر مارس: حكايات هوليوود والهوية والخيانة 16 مارس، 2026 “العربية السعيدة” رحلة الإنجليزي برترام توماس في الربع... 16 مارس، 2026 “سا أوزير” حكاية عن الماوراء سبقت دانتي والمعري 13 مارس، 2026 كوجو الغاني وتوني الكندي صديقان في البحث عن... 13 مارس، 2026 “حامل الشمعدان” لبرونو: مسرحية هزلية لفيلسوف جدي 13 مارس، 2026