الروائية المغربية الفرنكوفونية نصيرة تامر (دار فيرديه) ثقافة و فنون نصيرة تامر تبحث بالفرنسية عن لغتها الام في ” آلو الساحة” by admin 31 أغسطس، 2025 written by admin 31 أغسطس، 2025 83 رواية تفكك الشروخ الاجتماعية والطبقية واللغوية والجغرافية التي تعتري حياة المهاجرين وأبنائهم اندبندنت عربية / لنا عبد الرحمن في روايتها الأولى “آلو الساحة”، (منشورات فيردييه، باريس 2025)، تحاول الكاتبة الفرنكوفونية نصيرة تامر أن تستعيد اللغة العربية المغربية الدارجة بوصفها لغة الآباء، لغة البيت التي لم تتقنها في صغرها، ثم غدت مع مرور الزمن علامة على الانفصال والقطيعة، أكثر منها وسيلة للتواصل. كتابة الأصل الرواية التي تندرج ضمن سياق “رواية السيرة الذاتية”، ليست مجرد محاولة شخصية لتعلّم لغة تعيش في الذاكرة، بل هي تفكيك واسع للشروخ الاجتماعية والطبقية واللغوية والجغرافية التي تميز حياة المهاجرين وأبنائهم في فرنسا. تتخذ الرواية من “التاكسي-فون”، أكشاك الهاتف التي كانت منتشرة في أحياء المهاجرين، رمزاً مركزياً يعبّر عن ثنائية الانفصال والوصل. ففي هذه الأمكنة، حيث تجرى المكالمات مع الوطن البعيد، يتقاطع المحلي مع العالمي، وتتشابك الأصوات عبر الأسلاك الهاتفية بين قارات مختلفة. من خلال هذه الصورة، تبنى الرواية كشبكة من الاتصالات، رسائل ومكالمات ومحاولات للتعلّم عبر برنامج “تاندم” للتبادل اللغوي، حين تلتقي الراوية شابة مغربية تدرس السينما في كندا، وتبدأ معها تجربة لتعلّم العربية مقابل أن تعلمها الفرنسية. هكذا تتخذ اللغة هيئة مرآة تكشف عن هشاشة العلاقة بالهوية، كما تتيح في الوقت نفسه تماساً جديداً مع جذور لم تعُد بديهية كما كانت من قبل. رواية “آلو الساحة” (دار فيرديه) ليس عبثاً أن تختار الكاتبة رمزية الهاتف، وكلمة “آلو” ضمن عنوان روايتها. فالهاتف هو الأداة التي تسهل التواصل مع البعيد، ولكنه أيضاً أداة للجهر بالغياب. المكالمات الهاتفية في الرواية متوترة، تحمل دائماً شحنة مزدوجة، قرباً وافتراقاً، حضوراً وغياباً. لذا يصبح الهاتف صورة للعلاقة مع اللغة نفسها، وسيلة للوصل، لكنها في الوقت ذاته دليل على الفراق عن الأصل. شروخ وانكسارات يتكرر في الرواية حضور كلمة “شروخ” بمعانٍ عدة، طبقية بين جيل المهاجرين العمال وأبنائهم الصاعدين في سلم التعليم ولغوية بين الفرنسية التي تغلب على الحياة اليومية والدارجة المغربية التي ظلت محصورة في فضاء البيت، وشروخ جغرافية تفصل بين لوهافر وباريس والدار البيضاء وتورونتو. لكن هذه الشروخ ليست موضوعاً للتشكي وحسب، بل هي مادة جمالية للكتابة. وتقول الكاتبة في أحد الحوارات “لقد كتبت انطلاقاً من البعد الجغرافي والعاطفي الذي عشته مع أسرتي، وحمل فجوة كبيرة بين جيلين”. هذا الاعتراف يكشف كيف تحول الانفصال ذاته إلى دافع إبداعي، وإلى شكل من أشكال المصالحة مع الذات. لغة الظل تصف تامر علاقتها بلهجتها الأصلية بأنها علاقة ملتبسة، فهذه اللغة، وإن كانت لغة الأهل، لم تنتقل إليها كاملة، وظلت مرتبطة في وعيها بمرارة العجز عن الفهم. وتقول في افتتاح روايتها “لطالما اقترن عندي العربي بالمرّ”، لكنها في الوقت ذاته تكشف عن أن الدارجة المغربية ليست لغة بسيطة يمكن استعادتها بسهولة، بل هي لغة هجينة، “كيميرية”، تتقاطع فيها العربية والأمازيغية والإسبانية والفرنسية. بهذا المعنى، فإن صعوبة تعلمها ليست ناتجة من إهمال شخصي، بل من طبيعة اللغة نفسها، ومن وضعها في الحقل اللغوي المغربي، كأنها ظل، لا تحظى باعتراف أكاديمي كامل. من هنا يتحول السرد إلى تأمل في السياسة اللغوية المفروضة، بالتوازي مع الحكاية الشخصية. إنها محاولة للإجابة عن سؤال، ما معنى أن يرث الإنسان لغة غير مكتملة، وأن يظل في حال بحث دائم عن أصل يظل مراوغاً، ومن الصعب الإمساك به تماماً؟ ولا تكتفي نصيرة تامر بسرد تجربة ذاتية، بل تضيء على واقع اجتماعي كامل. جاء والدها إلى فرنسا في أوائل السبعينيات بعد عمله في الدار البيضاء، هو وأمثاله يمثلون جيلاً من المهاجرين العمال الأمّيين الذين حملوا لغتهم وثقافتهم معهم، لكن أبناءهم كبروا في فضاء فرنسي يفرض لغته وقوانينه. الراوية، بوصفها الابنة الخامسة في أسرة من ستة أبناء، تكبر في حي شعبي في لوهافر، ثم تتطور عبر التعليم، وتصل إلى دراسة القانون والعمل كمحامية، لتواجه عالماً بعيداً كل البعد من أصولها. وهنا يطل السؤال الطبقي بقوة، كيف يمكن للابنة الآتية من بيئة مهاجرة أن تكتسب “الأكواد” الخفية للجامعة والعمل والمؤسسات الفرنسية؟ وكيف يمكنها أن تحافظ على جذورها في الوقت نفسه؟ اختفاء وظهور في أحد المقاطع اللافتة، تروي الكاتبة كيف اضطرت إلى الاستقالة من عملها في المحاماة لتتابع دراستها، لكنها وجدت نفسها في وضع أشبه بالاختفاء، وتقول “كان ذلك في آن واحد محفزاً وعنيفاً، لأنني لم أكن أملك الشيفرات. كنت أتحرك في عالم بعيد جداً من بيئتي الأصلية”. ويتحول الإحساس بالاختفاء إلى عنصر روائي دال مع بطلة الرواية التي لا تبحث عن اعتراف خارجي فقط، بل عن طريقة للوجود داخل عالمين متباينين. وهنا يمكن قراءة النص كما لو أنه حكاية عن المحو وإعادة الظهور وعن الغياب الذي يتحول إلى شرط للكتابة، في موازاة البحث عن مكان للذات. يميل أسلوب نصيرة تامر إلى الشاعرية، مع جمل قصيرة ومكثفة ومحملة بالصور. وفي كثير من المقاطع السردية تتحول الرواية أحياناً إلى دفتر تأملات في اللغة نفسها، وفي جسد المتكلمة وهي تنطق كلمات غريبة عنها، لكنها تنتمي إليها في العمق. إضافة إلى ذلك، تُبنى الرواية على تقنية المونتاج، مقاطع سردية وحوارات افتراضية وشذرات شعرية وملاحظات عن اللغة. وهذا التنوع في الأسلوب يعكس طبيعة التجربة نفسها، تجربة متشظية غير خطّية، مفتوحة على احتمالات لا نهائية. بين “المكان” و”آلو الساحة” من اللافت أن عنوان الرواية يحيل ضمناً إلى كتاب آني آرنو الشهير “لا بلاس” (La Place) الذي ترجم إلى العربية بعنوان “المكان”، كما أن كليهما ينطلق من السيرة العائلية ومن محاولة الكتابة عن المسافة الطبقية واللغوية بين جيلين. لكن بينما تكتب آرنو عن انتقالها من بيئة عمالية فرنسية إلى الطبقة المتعلمة، تكتب تامر عن انتقال مضاعف من بيئة مهاجرة مغربية إلى عالم فرنسي نخبوي، مع فجوة لغوية وثقافية أشد تعقيداً. يمكن إدراج “آلو الساحة” ضمن ما يمكن تسميته “أدب الجذور” أو “كتابة الأصل”، إنه نمط من السرد يضع صراع اللغة في قلب العملية الإبداعية، بوصفها وسيطاً أساساً لفهم الهوية الفردية والجماعية. وفي هذا السياق لا تعامل اللغة باعتبارها أداة تواصل وحسب، بل كحقل رمزي يستبطن الذاكرة الاجتماعية والتاريخية للعائلة وللجماعة المهاجرة. من هنا لا تبدو محاولة الراوية لتعلّم الدارجة المغربية مجرد اكتساب لمهارة لسانية، بل هي مسعى لإعادة بناء نسب رمزي مقطوع، واستعادة سردية الانتماء المفقود. وعليه يمكن النظر إلى الرواية باعتبارها مشروعاً ذاتياً، يشتبك مع قضايا الهجنة اللغوية والسياسات الثقافية المرتبطة بالهجرة وآليات انتقال الذاكرة بين الأجيال. هكذا يتجاوز النص حدوده كحكاية شخصية، ليتحول إلى دراسة سردية في علاقة اللغة بالهوية والتاريخ الاجتماعي. تكتب نصيرة تامر من موقع التمزق، لا لتؤكد هشاشته، بل لتحوله إلى رؤية سردية قادرة على إنتاج المعنى. لذا يبدو مسعاها لتعلم لغة والديها متجاوزاً حدود المعرفة اللغوية، ليغدو بحثاً عن صيغة جديدة للوجود في فضاء مزدوج، حيث الانفصال قد يتحول إلى إمكان وصل. وتكشف الرواية أيضاً عن الانكسارات التي تصوغ تجربة المهاجرين، لكنها في الوقت ذاته تفتح أفق الترميم وإعادة البناء عبر الجهر بالحديث عن الفقدان وما ينطوي عليه من حرمان، وعن الوعد الكامن في اللغة باعتبارها فضاء لإعادة التملك، حتى إن ظل هذا الوعد في حال تأجيل دائم. المزيد عن: روائية مغربيةالفرنكوفونيةاللغة الامروايةالضواحيباريسالطبقيةالمجتمع 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post حلم “فرانكشتاين” المكسيكي يخيب في مهرجان البندقية next post محاربة الفساد في الجزائر… ضغط دولي وحماية وطنية You may also like “ميشال ستروغوف” لجول فيرن… اكتشاف أدبي للعولمة 8 مارس، 2026 اللبناني نبيل نحاس يحمل “اللاحدود” إلى بينالي البندقية 7 مارس، 2026 “دراكولا” برام ستوكر: ديكتاتور بقناع مصاص دماء 7 مارس، 2026 الأمل معقلنا الأخير عندما يلف الجنون العالم 7 مارس، 2026 رحيل أنطوان غندور رائد الدراما اللبنانية ما قبل... 7 مارس، 2026 “شعرية الترجمة” كما تتجلى في رؤية غاستون باشلار 7 مارس، 2026 “فن العمارة” الهيغلي: الروح والعقل في جعبة الكلاسيكية 6 مارس، 2026 مشروع “اقرأ داون تاون” يعيد الحياة إلى قلب... 5 مارس، 2026 “سونيتات” شكسبير في منأى من قناعه العقلي المعتاد 5 مارس، 2026 اليزابيث غيلبرت تكشف أهواءها في “مذكرات” تحصد نجاحا 5 مارس، 2026