من مشاهد العملية الإرهابية في طوكيو 1995 (أ ف ب) ثقافة و فنون موراكامي يتوغل في ظاهرة الإرهاب الياباني وتداعياتها by admin 6 November، 2025 written by admin 6 November، 2025 60 لماذا محيت فصول عديدة من الترجمات الإنجليزية والفرنسية لكتاب “اندرغراوند”؟ اندبندنت عربية / إبراهيم العريس باحث وكاتب “ها أنا أقترح عليكم أن تتخيلوا: نحن هنا يوم الإثنين في الـ20 من مارس (آذار) 1995. لقد استيقظتم عند الصباح في الساعة المعتادة، إنه يوم رائع من أيام الربيع. تغتسلون باكراً إذاً، ترتدون ثيابكم. تتناولون الإفطار وتأخذون المترو بعد خروجكم، من المتوقع أن يكون اليوم شبيهاً بأيامكم المعتادة شبهاً كبيراً، ولكن فقط حتى اللحظة التي يقوم فيها رجل يضع قناعاً قماشياً أبيض اللون على أسفل وجهه، بخبط طرف مظلته بأرضية العربة خبطات متتالية، غايته منه أن يفتح ثغرات معينة فيها مطلقاً غازات سائلة من تلك الثقوب. لا يتنبه أحد في البداية إلى أن مادة السيرين التي تنبعث من نقاط متعددة تفوق بقوتها القاتلة 500 ضعف مفعول سم السيانور، وبالتالي سيسفر الأمر على الفور عن قتل 12 شخصاً، وجرح ما يزيد على 5 آلاف. يقيناً إن الركاب الذين أصيبوا لم يكونوا يعرفون شيئاً عن تلك الغازات، ولا عن دافع ذلك العمل الإرهابي، ولا حتى يتذكرون شيئاً عن طائفة أوم شينريكيو التي اعترفت باقتراف تلك الجريمة الجماعية، كل ما في الأمر أنهم وجدوا أنفسهم في قلب تلك العملية التي لا يعرفون حتى اليوم كيف، ولماذا اقترفت”. بهذه العبارات قدم هاروكي موراكامي، في عام 1997، أي بعد عامين من الحادثة، للكتاب الذي وضعه عنه بعنوان “اندرغراوند”. ولئن كان موراكامي واحداً من أشهر روائيي اليابان المعاصرين، ومن أكثرهم ترجمة إلى لغات العالم، ومبيعاً في بلاده، فإن كثراً سارعوا إلى قراءة الكتاب حين صدوره إلى حد أنه، في أصله الياباني وحده، قد باع أكثر من 275 ألف نسخة في الشهر التالي لذلك الصدور، لكن هذا الكتاب لم يكن رواية ولا بالتالي واحداً من تلك الكتب التي تذكر مرة كل عام في الأقل، تمهيداً لترشيح هذا الكاتب لنيل جائزة نوبل الأدبية، كما حدث مرة أخرى هذا العام. هاروكي موراكامي (غيتي) بين التحقيق والدراسة “اندرغراوند” كان رد فعل صاحب “كافكا على الشاطئ” وغيرها من الروايات الموراكامية التي باتت علامة على المعاصرة الأدبية في يابان اليوم، لكن موراكامي لم يطالب قراءه بقراءته كرواية بالطبع، بل أراد منه أن يكون معبراً عما استشعر به هو إزاء ذلك العمل الإرهابي الذي طاول مباشرة كل تلك الجمهرة من الناس العاديين، ولكنه طاول بصورة غير مباشرة عشرات ملايين اليابانيين، وهو كتبه ضمن إطار يسعى من خلاله ليس إلى دراسة العملية، بل تحديداً إلى دراسة تفاعل الشعب الياباني وردود فعل الناس العاديين ليقول لنا كيف عاشوا ذلك الإرهاب الذي كان معظمهم يتخيل أنه لا يحدث عادة إلا للآخرين. لكنه حدث لديهم، وفي قدس أقداس حياتهم اليومية وهم متوجهون إلى أعمالهم المعتادة عبر وسيلة النقل المفضلة لديهم، المترو المسمى في أنحاء عديدة من العالم، اندرغراوند – ومن هنا بالطبع عنوان الكتاب، حتى ولو أن التعبير يعني أموراً أخرى كثيرة يمكن تلمسها في ثنايا الكتاب -، وعلى يد مجموعة من “المجانين” الذي لم يكن أحد قد سمع بهم صبيحة يوم الـ20 من مارس، ولا عن زعيمهم المدعو آزاهارا، الذي سيفرد له الكتاب صفحات عديدة تحاول في المقام الأول أن تفهم شخصيته ودوافعه، لتنتهي بالكاتب إلى الاعتراف بأنه لم يفهم شيئاً من ذلك. ترجمة إنجليزية لكتاب “اندرغراوند” (أمازون) نسف لليومي ولم يكن موراكامي الوحيد الذي لم تمكنه صفحات كتابه البالغة نحو 500 صفحة من فهم أي شيء يتعلق بتلك الأسئلة الجوهرية التي يطرحها الكتاب، فالحقيقة أن فصولاً عديدة فيه، تصل إلى أكثر من 66 فصلاً متفاوته في عدد صفحاتها، وتضم حوارات حول ما حدث، أجراها الكاتب حيناً مع الضحايا الباقين على قيد الحياة، وحيناً مع أقرباء وأصدقاء القتلى، ومرات مع أناس لا علاقة لهم مباشرة بالأمر كله، ولكن في أحيان كثيرة، مع أفراد من الطائفة المجرمة نفسها، تلك الفصول لم تتمكن من جلاء كل الغموض، ولا حتى بالنسبة إلى موراكامي نفسه الذي سيعترف لاحقاً بأنه إنما أراد من الكتاب، وبصورة أساس، أن يكون مدخله لفهم المجتمع الياباني فهماً سوسيولوجياً، بعد أن كان قد غاب تسع سنوات في المهجر ليجد البلد غداة العملية الإرهابية، متغيراً بصورة جذرية، ولكن ليس من جراء العملية “فهذه أتت في ذروة تغيرات ذهنية واجتماعية وحتى سياسية جعلت اليابان الجديدة غير اليابان التي يعرفها”. صحيح أنه افترض وهو يضع أسس الكتاب، أن تلك اللحظة المفصلية التي مثلتها الحادثة الإرهابية، يمكنها أن تكثف إدراكه لتلك التغيرات، لكنه عاد من “المغامرة” كلها خائب المسعى، وذلك بالتحديد إلى أن أياً من الذين حاورهم حول الموضوع سواء كانوا من الضحايا أم المراقبين العاديين أم من المثقفين الضليعين، وصولاً بالطبع إلى المجرمين أفراد طائفة الأوم أنفسهم، لم يبد عليه أنه يفهم أي شيء عما حدث، ولا حتى سمات الاستثناء في ما حدث، ولكن من المؤكد أن هذه النتيجة نفسها لم تكن بالشيء اليسير بالنسبة إلى الكاتب الذي من بعد صدور كتابه بفترة من الزمن لا بأس بطولها، وبعد أن تكشفت له استحالة فهمه، لم يتورع في طبعات لاحقة من الكتاب، عن إضافة ملحق له عنونه “كابوس” شرح فيه كيف أن العجز عن استخلاص نتائج حاسمة في “اندرغراوند”، كان إنجازه الكبير في المجال السوسيولوجي الذي سعى إليه، لأن هذا العجز نفسه كان واضحاً في دلالاته. الكاتب يفسر في تقديمه للتفسيرات التي ألحقها موراكامي بنصه، يكتب قائلاً “في بداية كل حوار أجريته من أجل الكتاب، كنت أطلب من كل محاور أن يحدثني بعض الشيء عن ماضيه، مكان ولادته ودراسته وعائلته وعمله، ولا سيما عمله. لقد أردت أن أحدد لكل شخص وجهاً يخرجه من عاديته، عبر جعله في نقطة المركز مما يقول وأقوله عنه، لم أكن أريد أن يكون كتابي مجموعة من أصوات لا كثافة فيها. وربما تأتي هذا لدي من ناحية مهنتي كراو في كتبي. في النهاية لم أكن مهتماً بالحكاية نفسها، بقدر اهتمامي بالبعد الإنساني الملموس لدى كل محاور من محاوري”. وفي هذا السياق، قد يكون في إمكاننا الإشارة هنا، إلى أنه في مقابل نسبية النجاح المتوسطة، التي حققها الكاتب في ما كان يتطلع إلى تحقيقه من خلال “اندرغراوند”، استخلص هو نفسه في نهاية الأمر أن ثمة ما لم يكن متوقعاً من العملية كلها، ففي النهاية إذا كان من غير الممكن استخلاص نتائج من الكتاب تتعلق بالإرهاب نفسه، وتمكنه من التغلغل عميقاً في حياة اليابانيين، مخرجاً إياهم من عادات حياتهم اليومية، فإن النتائج المباشرة كانت تلك التي تمثلت في انعكاس روحية الكتاب على ما تلا ذلك من روايات أصدرها موراكامي في السنوات الأولى من القرن الجديد، أي العقدين التاليين لوقوع العملية وصدور الكتاب الموراكامي عنها، بما فيه ملحقه الذي من غرائب الأمور أنه وعلى أهميته الفائقة، لم يرد كاملاً، وأحياناً على الإطلاق، في الترجمات التي تحققت للكتاب، ومنها بصورة خاصة الترجمة الإنجليزية وتلك الفرنسية التي استغرب كثر أنها، على أهميتها ولا سيما بالنسبة إلى فرنسا التي ستعرف من الأعمال الإرهابية ما يوازي حدث الاندرغراوند، وفي ظروف مشابهة. وهو أمر يعني أن “اندرغراوند” بدا في النهاية أشبه “بالاسكتشات” التمهيدية التي كان الفرنسي الكبير خلال النصف الثاني من القرن الـ19 إميل زولا يخطها كنوع من التمهيد لكتابة رواياته المقبلة، وبخاصة منها مجموعة “آل روغون – ماكار”، كما سيقول موراكامي بنفسه على أية حال. المزيد عن: هاروكي موراكاميالإرهاب اليابانيرواية اندرغراوندمترو طوكيوغاز السيرينطائفة أوم شينريكيو 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post عبده وازن يكتب عن: “اختراعات” المتنبي وغرائبه كما يكشفها “عيون العجائب” next post البطل الهيغلي في روايتي تولستوي ودوستويفسكي You may also like اللبناني نبيل نحاس يحمل “اللاحدود” إلى بينالي البندقية 7 March، 2026 “دراكولا” برام ستوكر: ديكتاتور بقناع مصاص دماء 7 March، 2026 الأمل معقلنا الأخير عندما يلف الجنون العالم 7 March، 2026 رحيل أنطوان غندور رائد الدراما اللبنانية ما قبل... 7 March، 2026 “شعرية الترجمة” كما تتجلى في رؤية غاستون باشلار 7 March، 2026 “فن العمارة” الهيغلي: الروح والعقل في جعبة الكلاسيكية 6 March، 2026 مشروع “اقرأ داون تاون” يعيد الحياة إلى قلب... 5 March، 2026 “سونيتات” شكسبير في منأى من قناعه العقلي المعتاد 5 March، 2026 اليزابيث غيلبرت تكشف أهواءها في “مذكرات” تحصد نجاحا 5 March، 2026 محمود الزيباوي يكتب عن: صيد الحمير البرية في... 5 March، 2026