X FILEثقافة و فنون محمد أبي سمرا يكتب عن: فادي أبو خليل راويًا سيرته الرثائية(1) by admin 7 January، 2026 written by admin 7 January، 2026 71 كان أهل فادي لأمه يتكتمون على سيرتهم العائلية المدن الالكترونية – بيروت / محمد أبي سمرا توفي الفنان المسرحي والممثل السينمائي والشاعر فادي أبو خليل مساء عيد الميلاد المنصرم في 25 كانون الأول 2025، ببيت أهله لوالده في بلدة اللويزة القريبة من بيروت، على سفح جبل الكنيْسة. وكان قد ولد في الأشرفية في الأول من نيسان 1958. ولما توفي كان قد مضى أكثر من عقدين على اختفائه الإرادي التام من دوائر الحياة الثقافية والفنية والصحافية، التي عايشها وكان حاضرًا فيها حينما كانت ناشطة في بيروت الثمانينات والتسعينات. في الشعر كتب فادي 3 مجموعات شعرية: “قصائد طويلة.. إني أتذكر”، “لا شيء تقريبًا”، و”فيديو”. وفي المسرح شارك ممثلًا في أعمال عدة، أولها “العائلة طوط”، وكتب “بوب كورن”، “راديو وشعر وحديث”، و”سوق سودا ما تنسى حبيبي”، ومثّل فيها. وفي السينما والتلفزيون مثّل في أعمال كثيرة، آخرها “خلص” للمخرج الراحل برهان علوية. بعد رحيله الأخير عن عالمنا، نستعيد هنا سيرة فادي أبو خليل، كما كان قد روى مقتصفاتها في العام 1989، بعد صدور مجموعته الشعرية الأولى “غيوم طويلة..”. ولادتان من نسب أمومي بعد أن انفصلت والدته عن والده، وأقامت في بيت أهلها بمبنى قديم في حي من أحياء الأشرفية، ولد فادي أبو خليل في اليوم الأول من نيسان 1958، ونشأ في حضانة أمه، بكنف جديه، وفي غياب أبيه. وهو روى أن الصورة الأولى المطبوعة في ذاكرته من طفولته، تعود إلى وقت سبق اكتسابه المقدرة على المشي: كنتُ لا أزال أحبو بعدُ، لما كان خالي، الذي يكبرني بـ12- 13 سنة، منهمكًا بضغط مقبض عفريت سيارة وضعه تحت خزانة خشبية ضخمة قديمة في ركن من صالون بيت جديّ، فأخذتْ الخزانة ترتفع بطيئًا بطيئًا، وشيئًا فشيئًا تميل وتميل. وفي لحظة سبقت انقلابها، ترك خالي مقبض العفريت راكضًا نحوي، فانتشلني وابتعد بي من حيث كنت قاعدًا على بلاط أرض الصالون، وأنقذني من أن أقضي مهروسًا تحت الخزانة التي انقلبت وتحطمت على الأرض، محدثةً دويًا هائلًا جمع بعض الجيران من أهل الحي. أتخيلُ لو أن فادي قرأ المشهد هذا عن احتمال موته أو مقتله طفلًا، لقال إن تصويره في فيلم سينمائي أفضل وأبلغ بأشواط من كتابته على هذا النحو. ذلك أن مخيلته، ذاكرته وذائقته أو حساسيته الفنية، بصرية ومشهدية، أكثر بكثير منها لغوية وحكائية. وهو حين يروي خبرًا عن حادثة، غالبًا ما يرويه رواية بصرية مشهدية. وبعد سنوات على هذه الحادثة، عبثًا حاول فادي إقناع أهله أنه يتذكرها، من دون أن يدرك سبب عدم تصديقهم إياه. قال لهم إن ضوء النهار كان باهرًا على بلاط أرض الصالون الفسيح قبيل سقوط الخزانة وتحطمها. أنا بدوري لا أدري لماذا تخيّلت المشهد بصريًا، ورأيت ضوء ذاك النهار القديم، والظلال القديمة، جامدة على بلاط الصالون القديم. جامدة بوضوحها كما في صورة فوتوغرافية بالأسود والأبيض . وأم فادي، في تعليلها عدم تذكر ابنها الحادثة، قالت له إنه كان في سن أصغر من أن تسجل ذاكرته الحوادث، ليعيها ويتذكرها. أما هو -عندما قرأ في شبابه كتاب “اعترافات قناع” الذي ذكر فيه يوكيو ميشيما أنه يتذكر النهار الذي ولد فيه وضوئه- فأخذ يفكر بحادثة الخزانة، واعتبرها مشهدًا آخر لولادته، وردّ تعليل أمه استحالة تذكره إياها إلى رعبها من ذكرها وتذكرها، بل إلى رغبتها بمحوها من ذاكرتها وإنكارها وقوعها. المشاهد الأخرى التالية التي يتذكرها فادي في بيت طفولته، يطغى فيها حضور أمه وغيابها في عملها خارج البيت، ودوام حضور جدته فيه، صامتةً منكبة بدأب على تشغيل مكنة الخياطة، من الصباح إلى المساء غالبًا، عازفةً عن أي شيء آخر سوى الاهتمام به: لا وقت ولا مزاج لديها للتسليات، لا تزور أحدًا، ولا أحد يزورها تقريبًا إلا نساء تخيط أثوابهن. وقد تكون منذ صباها تطبعت على الحزم والدأب والصمت وعدم الاعتناء بغير الضروري، كلامًا وعملًا ومسلكًا. فهي تربت يتيمة الأب ومع أم كانت تحصّل معيشتها من عملها في تنظيف البيوت. والأرجح أن الجدة اكتسبت من أمها ومن يتمها الأبوي، بعضًا من عصاميتها الدؤبة في عملها، فنشأت وكبرت امرأة جبروت وقسوة على النفس، لتنتقل من حال الفقر والعوز إلى حال الاكتفاء، ولتصير خيّاطة نساء من المجتمع المخملي في بيروت الأربعينات والخمسيتات. وهذا كله غيّب أو محا حضور زوجها، فجعله نكرةً في البيت. ولولا قوة شكيمتها، ما كان ليواظب على عملٍ. فهي من خططت وأصرت بشراسة على أن يتعلم قيادة السيارة، لتشتري له سيارة عمومية بما كانت تحصّله من الخياطة، كي يعمل عليها بين الأشرفية ووسط بيروت المديني. وأدى استمرارها في التخطيط لتوسيعها عمله هذا وإدارته، إلى تملُّكه سيارات عمومية عدة شغَّل عليها سائقين لحسابه الخاص. أهواء فنية وولادة من عدم كان أهل فادي لأمه يتكتمون على سيرتهم العائلية وعلى نسبهم العائلي الشديد التواضع ومحوهما، كإصرار جدته وأمه على العمل، وكحرص الجدة على الاكتفاء بذكر نسبها الماروني إلى الأشرفية، التي ربما صرفها تواضع أهلها عن ذكر مصدر وفادتهم إليها ووقته. أما هو فما كان ليهتم بذلك كله إلا على نحو عابر، بعدما تفتحت ميوله وأهواؤه الفنية في مطالع شبابه، وكانت قد مضت سنوات قليلة على انتقاله مع أمه من سكنهما في بيت أهلها، لتستقل وإياه في سكن بحي آخر في الأشرفية، فأخذ فادي يصرّ على أمه لتروي له سيرتها وسيرة أهلها، اللتين لم يبق منهما في ذاكرته إلا القليل القليل من الصور والمشاهد. فذاكرته بصرية وغير حكائية أصلًا. وفي نهايات السبعينات جعل فادي يفكر، يتخيل ويتصرف ويسلك، كأنه أبن ضال، بلا أصل ولا نسب ولا سيرة عائلية، بل ولد من عدم محض بوضفه كاننًا فنيًا وشخصية فنيةً. وهذا بعدما تمكّنت منه ميوله وأهواؤه الفنية والثقافية وامتلكت عليه شخصيته وكيانه، فيما هو يمارسها ويتدرب عليها ويتذوقها بجهد مضاعف وشغف محموم مع مجموعة أفراد من أمثاله. أفراد حملتهم مساراتهم وأقدارهم وتكوينهم الاجتماعي وأمزجتهم على أن ينسلخوا انسلاخًا متفاوتًا زمنيًا، وفي أسلوب ومقدار الانسلاخ، عن بيئاتهم الأهلية والعائلية، ويتمردوا تمردًا فرديًا، فنيًا وذاتيًا، على الحرب في مجتمع حرب السنتين (1975 – 1976) المسيحي، وبعدها. ومن ثم قادهم تمردهم ذاك، إلى الانضواء في دائرة وشبكة علاقات منكفئة، ضيقة وهامشية، في مناطقهم ومجتمعهم الأهلي المسيحي. وهذا ربما كمعادل لعدم انخراطهم في الحرب، أو لخروج المنخرطين فيها من معمعتها ومن أحزابها، إضافة إلى أن آلة الحرب النتظيمية والعسكرية في المجتمع المسيحي كانت تهمِّش المعترضين والمتمردين عليها وتقصيهم. الشيوعية وغواية الفوضى والصخب كان فادي لا يزال يقيم مع أمه في بيت أهلها، عندما أغوته في صباه مشاهد فوضى وصخب في بيت جيرانهم وحديقتهم التي كان سياج يفصلها عن حديقة بيت جديّه. وكان أولئك الجيران مسيحيين أرثوذوكس، ويعود أصلهم إلى لواء اسكندرون في تركيا، ومعروفون في الحي بأنهم شيوعيون. وبينما كان يهيمن صمت وهدوء وانكفاء على بيت جدّي فادي، كان بيت جيرانهم مسكونًا بفوضى وصراخ مشاجرات دائمة بين 7 أبناء، إضافة إلى جدتهم ووالديهم وأقارب لهم يزورونهم في نهارات السبت والأحد. وهذا ما جعل بيتهم يضج بصخب قبيلة، تقيم أحيانًا عشاءات جامعة تمتد طاولات موائدها من صالون البيت إلى وسط الحديقة. ولمناسبة عيد مار الياس كانوا يذبحون خروفًا يشاركهم في أكله جيران لهم من اسكندرون. وفي مقابل بيت الجيران المشرع الأبواب دائمًا، وانتشار رائحة شواء اللحم في حديقته، حيث يتبارى أولادهم في رفع أثقال الحديد وفي المصارعة الحرة بعد عشاءاتهم العامرة، كان باب بيت جدي فادي مقفلًا، وينعزل أهله أو يعتصمون في داخله. وفي ذكريات طفولته تحضر أشكال البلاط وألوانه في أرض صالون بيت جدته النظيف، الفسيح والساكن، إلى جانب حضور صور أو مشاهد الصخب في حديقة بيت الجيران، وتحضر معها أيضًا كلمات: الشواء والشيوعية والوسخ. وفي سمعه كان لكلمة الشيوعية رنين خاص يقترن بكلمة الوسخ التي ينقلب حرف السين فيها إلى شين في إيحاء الكلمة الصوتي. كأنما أغواه ما في حرفي الشين والعين في هذه الكلمات من أصداء تخيّل أنها توحي بالفوضى والصخب، فراح يتسلل من تحت أسلاك السياج الفاصل بين الحديقتين، ليصل إلى حديقة بيت الجيران، فيتفلت بصريًا من نظام بيت جدته الصارم والصامت، وبصريًا وعن قرب يتلذذ بما كان يشاهده في حديقتهم. ذاكرة بصرية وسينمائية لاحقًا تغذت ذاكرة فادي ومخيلته وحساسيته البصرية من شغفه بالسينما والمسرح، وبما فيهما أو يتطلبانه من أداء مشهدي جسماني. ومن ذلك تشبيهه دورانه المتواصل في طفولته على دراجته الهوائية بدواليبها الثلاثة على بلاط صالون بيت جدته الفسيح، بمشهد الطفلين اللذين يلهوان على دراجتين هوائيتين في فندق شتوي مهجور، صور فيه ستانلي كوبرك فيلمه “شايننغ = البريق” المرعب، والذي عُرض في العام 1980. وكان دوران فادي على دراجة طفولته، من فرص تفلّته من حضور جدته الطاغي في البيت، الذي ظلت الدراجة مهملة على تتخيتته، بعدما غادره مع أمه للإقامة في بيت مستقل بالأشرقية. وهو وصف شخصية جدته بـ”البرغمنيّة”، نسبةً إلى المخرج السينمائي إنغمار برغمن. ودليله على ذلك أنه عندما كان يحضر في أواخر السبعينات فيلم برغمن “صراخ وهمس”، استعاد من بداية مراهقته مشهد استمنائه ممددًا مساءً على سريره، لما فوجئ بجدته واقفة في باب غرفة النوم المفتوح. في البداية أبصرها على نحو شبحي تحدّق به في العتمة الخفيفة، ثم أضاءت فجأة مصباح الغرفة واقتربت منه بصمت، وقربت وجهها من وجهه، وثبّتت عينيها في عينيه، قبل أن تنصرف من دون أن تقول كلمة واحدة، فأحس حفيدها أن الضوء صار ثقيلًا ولزجًا في عينيه وعلى وجهه. في مشهده ذاك كان صبيًا في حوالي التاسعة. وظل شهورًا يكرر عملية استمنائه، محاولًا بلا جدوى، عبثًا وحتى الإرهاق، أن يستعيد لذته الجنسية التي كان يبلغها باستمنائه، قبل أن تدهمه جدته بنظرتها الجامدة تلك. وقبل أن يمارس العادة السرية، كان يلتذ لذة شبه جنسية حينما يخرج من البيت ويدور حوله حافي القدمين، من غير أن يبصره أحد. وهو بدأ يفعل ذلك، بعد تصفحه كتاب صور فوتوغرافية لقبيلة ريفية تمارس طقسًا راقصًا في العراء. لكنه لاحقًا فسّر اللذة التي أحس بها تتسرب من قدميه العاريتين على التراب، بمتعة خروجه عن نظام حياته البيتية. وهي تماثل متعته راكضًا من البيت إلى المدرسة. وحينما كان يقف أوقاتًا طويلة خلف زجاج نافذة البيت يراقب الحركة في الشارع، كان يتعجب عندما يرى أولادًا في سنِّه يقفون وحدهم في الشارع، ووحدهم يصعدون إلى سيارة سرفيس، ثم يشعر أنه محروم من الحرية، لأن كل شيء في حياته مقرر سلفًا: منذ بداية مراهقتي، كثيرًا ما سمعت جدتي وأمي تتجادلان في ما ترغبان أن أكون، محاميًا أو طبيبًا أو مهندسًا، وفي أسوأ الأحوال ضابطًا في الجيش أو طيارًا مدنيًا. أكون حاضرًا بينهم وتنظران إليّ شغوفتين، لكن من دون أن تسألانني، وكأنني غير موجود. أما المنعطفات الانتقالية في حياتي فكانت ولا تزال تحدث دائمًا على نحو فجائي وغير متوقع. من وجوه عالم الفن في بيروت الخمسينات ما يعرفه فادي أبو خليل عن والده، هو أنه كان نقيضًا صارخًا لما هي عليه التقاليد والقيم الأخلاقية والسلوكية في بيت أهل أمه: أهل والدي من بلدة اللويزة القريبة من بيروت، على سفح جبل الكنيْسة. لكن والدي أغوته المدينة منذ شبابه، فصار فيها ابن أهله الضال، المغيّب والغائب في عالم بيروت الليلي بساحة البرج ومحيطها في الأربعينات والخمسينات. لقد أدمن المقامرة وعشق النساء. لكن الزواج لم يثنه عن تلك الغواية وذاك الإدمان، فسارعت زوجته في انفصالها السريع عنه، وعادت إلى بيت أهلها. أما عمله فكان متقطعًا: افتتح ناديًا للقمار قرب سينما “غومون بالاس”، ثم آخر قرب من سينما “ريفولي” في وسط بيروت. أنشأ مجلة للشعر الزجلي سماها “الزنابق”. وكتب بعض روايات من الأدب الشعبي الرائج، منها واحدة عنوانها “فضيحة في بيروت”. والدة فادي الجميلة والطويلة مثله، استهواها أيضًا في صباها عالم الفن والصحافة الفنية في بيروت الخمسينات، فعملت فيه 3 سنوات، قبل أن تمنعها أمها وتنتزعها منه. لكنها بعد انفصالها عن زوجها، شاركت كممثلة في 3 – 4 أفلام سينمائية لبنانية، بعد شهرة حظيت بها أدوارها التمثيلية في البرنامج التلفزيوني “حكمت المحكمة” الشهير في أواسط الستينات اللبنانية. وفي واحد من أدوارها تلك، مثلت دور أم يصرّ زوجها على انتزاع طفلها منها وحرمانها من حضانته، تمامًا مثلما كان زوجها السابق مصرًا آنذاك على انتزاع ابنها الوحيد منها بواسطة المحاكم والدعاوى القضائية. بعد التمثيل عملت مدة قصيرة في الصحافة الفنية، قبل تمكّنها من الحصول على وظيفة ثابتة في شركة طيران الشرق الأوسط. لكنها لم تتوقف عن تدوين وكتابة خواطرها. ويرى ابنها فادي أن حلمًا أبديًا يتشبث بأمه. حلم شبيه بأحلام المراهقين المحبين الأبديين للفن. وهذا ما دفعها إلى تدوين معاناتها، كي تصل إلى الآخرين، فيعزيها وصولها إليهم. الخروج إلى ساحة البرج كان فادي قد بلغ 11 سنة من عمره، لما نزل للمرة الأولى من الأشرفية إلى ساحة البرج، بصحبة فتى من أبناء جيران أهل أمه: كان ذاك الفتى شيوعيًا كأهله وإخوته جميعًا، وكإخوته مفتونًا حتى الهوس بالمصارعة الحرة. وعلى الرغم من ضآلة جسمه كان أكثر شجاعة وقوة قلب مني، أنا الطويل المتناسق الجسم، لكنني أعاني من طراوة قلبي. هذا ما اكتشفته وخبرته مرات كثيرة اصطحبني فيها ذاك الفتى الشيوعي الذي، بحركته الجسمانية المنطلقة، المتوثبة المندفعة، كان يسبقني في المبادرة والفعل والإقدام، فأجاريه أحيانًا فيها، لكن بخوف ووجل جسمانيين، وبقلب ضعيف واجف. من المشاهد التي يتذكرها فادي بصحبة فتاه الشيوعي في ساحة البرج، قول الفتى له: أنظر، أنظر كيف شتم هذا الشاب الكتائبي ذلك الرجل الكهل، وها هو يهدده بالضرب. وهذا قبل أن يهجم فتاه المهووس بالمصارعة على الكتائبي ويلكمه في بطنه، ثم يتضاربان حتى إقدام رجال عابرين على الفصل بينهما، فيما فادي يقف بعيدًا منهما وجلًا خائفًا: لكنني أذكر أن المشهد أثارني على نحو ملتبس ومزدوج. كأنني كنت في وقت واحد أرغب باقتراف ذلك الفعل اللاأخلاقي، أهابه وأخافه، أرفضه وأحتقره. وقبل خروجه من الأشرفية إلى ساحة البرج، لم يكن فادي قد رأى والده والتقى به، إلا على نحو عابر لمرتين أو ثلاث، سبقت تعرفه الفعلي عليه وعلى عالمه المديني في تلك الساحة ومحيطها القريب. وربما تزامن ذلك مع انقطاعه عن الذهاب إلى المدرسة، حينما كان في السنة الثانية من المرحلة المتوسطة، بعد تنقله بين مدارس كثيرة رافقه فيها الفشل والرسوب: كنت كسولًا في المواد الدراسية كلها، سوى الرياضة والرسم. ولما تأكدوا في بيت أهل أمي من أنني خيبت آمالهم بي، راحوا يقولون: سوف يكون رسامًا مشهورًا. (يتبع حلقة ثانية وأخيرة) 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post المرحلة الثانية من خطة حصر السلاح إلى المجهول next post محمد أبي سمرا يكتب عن: فادي أبو خليل راويًا سيرته الرثائية(2- 2) You may also like اللبناني نبيل نحاس يحمل “اللاحدود” إلى بينالي البندقية 7 March، 2026 “دراكولا” برام ستوكر: ديكتاتور بقناع مصاص دماء 7 March، 2026 الأمل معقلنا الأخير عندما يلف الجنون العالم 7 March، 2026 (7 أيام من الحرب.) . تسلسل زمني لضربات... 7 March، 2026 “لغز البديل الرابع”.. خطة إيران للصمود في حرب... 7 March، 2026 الأكراد في إيران: تنظيماتهم وحراكهم السياسي والعسكري 7 March، 2026 رحيل أنطوان غندور رائد الدراما اللبنانية ما قبل... 7 March، 2026 “شعرية الترجمة” كما تتجلى في رؤية غاستون باشلار 7 March، 2026 “فن العمارة” الهيغلي: الروح والعقل في جعبة الكلاسيكية 6 March، 2026 الأكراد في إيران: تنظيماتهم وحراكهم السياسي والعسكري 6 March، 2026