الثلاثاء, مارس 10, 2026
الثلاثاء, مارس 10, 2026
Home » كيف تقوم الصورة بإعادة خلق المكان؟

كيف تقوم الصورة بإعادة خلق المكان؟

by admin

 

صار رواية مرئية أكثر من كونه واقعاً محسوساً تشكله الزوايا والإضاءة والفلاتر

اندبندنت عربية / منى عبد الفتاح @munaabdelfattah

في زمن الصورة الفورية، حيث تنتقل المشاهد عبر الشاشات بسرعة الضوء وتُستهلك في لحظات، لم يعد المكان يُقاس بخريطته الجغرافية أو يُعرف بإرثه التاريخي والمادي. لقد انزاحت دلالات المكان عن أصلها، وأصبحت تُعاد صياغته ضمن إطار بصري مكثف، تصنعه عدسة المصور وتحركه خوارزميات الانتشار في منصات التواصل الاجتماعي. هكذا، صار المكان رواية مرئية أكثر من كونه واقعاً محسوساً، تشكله الزوايا والإضاءة والفلاتر كما تشكله النوايا، وتُروى قصته بما يُنتج منه من صور، لا بما يجري فيه فعلياً.

وعلى رغم أن هذه التحولات لا تخلو من جوانب إيجابية، حيث مكنت الصورة الرقمية من إحياء أماكن منسية، وفتحت أعين العالم على زوايا لم تكن تُرى من قبل، فمدينة هامشية قد تتحول إلى وجهة عالمية، وحارة قديمة تُبعث في الذاكرة بصورة شاعرية تمنحها رمزية جديدة. لكن الوجه الآخر لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي يكشف عن إشكاليات أعمق. يتعلق الجانب المظلم، بتحول صور المكان إلى أداة لإنتاج واقع مشوه، أو استغلالها لتكثيف المعاناة في مناطق الحروب والكوارث الطبيعية، وتجميد الأماكن في لحظة دمار، من دون اعتبار لتعقيداتها الإنسانية. هنا، يتجاوز التصوير حدود التوثيق، ليسهم أحياناً في تطبيع البؤس، أو إنتاج تصورات سطحية تُختزل فيها الجغرافيا في لقطة صادمة أو صورة مثيرة للشفقة.

ومع دخول الذكاء الاصطناعي إلى مشهد التصوير، لم تعد الصورة محض تمثيل، بل صارت بناء مُصمماً بدقة لخلق عوالم مرئية بديلة. من صور توليدية لمدن مستقبلية، إلى إعادة تشكيل ملامح الحاضر، أصبح للمكان واقع افتراضي ينافس واقعه المادي. وفي هذا التداخل المعقد، تظل الصورة فعلاً ثقافياً وسياسياً بامتياز، تعيد تشكيل الوعي بالمكان، لا كما هو حقيقة، بل كما يُراد لنا أن نراه.

مكنت الصورة الرقمية من إحياء أماكن منسية (pixabay)

 

تلاعب بصري

يُعد التلاعب بالصور ممارسة قديمة تعود جذورها إلى بدايات التصوير الفوتوغرافي، ولم تكن صور الأماكن بمنأى عن هذا التزييف الذي طاول الرموز والمعالم لأغراض سياسية ودعائية. من أوائل الأمثلة التاريخية البارزة، الصورة الرمزية للرئيس الأميركي أبراهام لينكولن عام 1860، وجرى تركيبها من وجه لينكولن وجسد السياسي الجنوبي جون كالهون، لتمنحه هيئة أكثر مهابة. مع تطور تقنيات الطباعة، أصبح التلاعب بالصور أداة مركزية في الحروب الدعائية، كما فعل جوزيف ستالين حين أمر بحذف خصومه السياسيين من الصور الرسمية، في محو متعمد لتفاصيل المكان والتاريخ.

في العصر الحديث، استمر هذا التلاعب بأماكن رمزية لكنه اتخذ طابعاً تقنياً أكثر تطوراً. عام 1982، قامت مجلة “ناشيونال جيوغرافيك” بتحريك الأهرامات في صورة التقطها المصور غوردون جالين لتتناسب مع غلاف المجلة، وهو ما أثار موجة انتقادات واسعة، واضطرت المجلة لاحقاً للاعتذار. وبنفس المنطق التزييفي، ظهر عام 2008 تلاعب بصري خطير من قبل الإعلام الإيراني في صورة تُظهر إطلاق أربعة صواريخ في صحراء إيرانية، بينما تبين الصورة الأصلية أن ثلاثة فقط أطلقت، وتمت إزالة شاحنة الإطلاق وإضافة دخان لإضفاء مشهد درامي مهيب. انتشرت الصورة المعدلة على نطاق عالمي، ما تسبب في ضجة إعلامية ضخمة أثرت في مصداقية وسائل الإعلام الكبرى.

بعد اندلاع الحرب السورية، استخدمت جهات إعلامية مقربة من النظام السابق صوراً معدلة لمدينة حلب ودمشق تُظهر مشاهد “إعادة الإعمار” بأبنية حديثة وحدائق خضراء، على رغم أن الواقع في تلك اللحظات كان لا يزال يرزح تحت الركام.

كما شهدت تغطية الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي استخداماً كثيفاً للصور من قبل مختلف الأطراف. في بعض الحالات، جرى إعادة تدوير صور من أماكن وأزمنة مختلفة وتقديمها على أنها آنية. استخدم الإعلام الإسرائيلي، مثلاً، صوراً لغزة تظهرها كمكان يعج بالبناء العصري والفنادق، لإظهار أنها ليست “محاصرة”، في حين استخدم الإعلام العربي صور الدمار المفرط، أحياناً قديمة، لتأكيد الرواية الإنسانية.

ولم تخلُ الحرب في السودان من التلاعب بصور الأماكن في إطار المعركة الإعلامية بين قوات الجيش وقوات “الدعم السريع”، حيث جرى توظيف الصور كأداة للدعاية لتشكيل الانطباعات وكسب التعاطف المحلي والدولي. ومنها خرائط بصرية عدة مصممة لتُظهر تقدم أو انسحاب أحد الطرفين في مدن مثل أم درمان وبحري ونيالا. كما نُشرت صور لمستشفيات أو مدارس قيل إنها “تعمل بصورة طبيعية” أو “تحت سيطرة قوات إنسانية”، لكن في بعض الأحيان تبين أن الصور من الأرشيف أو من مدن أخرى، أو جرى تعديلها بصرياً لإزالة مشاهد الدمار أو تواجد المسلحين.

الصور التي يجري تداولها بشكل واسع عبر وسائل الإعلام تصبح جزءاً من الذاكرة الجماعية (pixabay)

 

انكماش المكان

أحد أبرز من ألقى الضوء على كيفية التلاعب بالصورة وتأثيرها في فهمنا للأماكن والواقع، هي الناقدة والكاتبة الأميركية سوزان سونتاغ، التي كتبت بشكل موسع عن هذه العلاقة في كتابها “عن التصوير”، الذي نُشر عام 1977.

تضمنت أفكار سونتاغ التأثير الجوهري للصورة في الواقع، حيث ركزت على كيف أن التصوير الفوتوغرافي لا يعكس الواقع ببساطة، بل يشكل فهمنا له، وذلك بأن الصور تخلق واقعاً بديلاً وتساعد في بناء مفاهيمنا عن الأماكن والأشخاص. كما تؤكد أن الصور يمكن أن تكون أدوات للتمثيل الاجتماعي والسياسي. بمعنى أن الصور التي تلتقط للأماكن، سواء كانت مدناً أو مناطق مهجورة أو مناطق في حالة حرب، تقدم تمثيلات معينة قد تؤثر في الرأي العام حولها. فمثلاً، الصور التي تلتقط في مناطق الحروب أو الفقر يمكن أن تُستخدم لإيصال رسائل سياسية محددة، حيث تسهم في تصنيف الأماكن كـ “مناطق صراع” أو “مناطق متخلفة”.

وتعتقد سونتاغ أن الصور التي يجري تداولها بشكل واسع عبر وسائل الإعلام تصبح جزءاً من الذاكرة الجماعية، وتسهم في تشكيل المفاهيم الجماعية للأماكن، إذ إن الصورة المتداولة لمكان ما يمكن أن تحول هذا المكان إلى شيء ذا طابع أو هوية معينة. ومن ناحية أخرى يمكن للصور أن تشبع الرغبات البشرية في معرفة أماكن لم نزرها أبداً، بل بالإمكان استعارة معانٍ من تلك الأماكن البعيدة.

وعن الصور كأدوات “إعادة خلق” المكان، فإن الكاتب والرسام البريطاني جون بيرغر في كتابه “وسائل الرؤية”، يعتقد أن الصور تعيد بناء الأماكن لا كما هي، بل كما نراها أو نريد رؤيتها. فمثلاً صورة مدينة البندقية في كتيبات السفر ليست هي البندقية كما يعيشها سكانها، بل “بندقية رومانسية” مخصصة للمستهلك السائح.

أما المنظر الاجتماعي والجغرافي البريطاني- الأميركي ديفيد هارفي، ففي عمله “الجغرافيا ما بعد الحداثية”، يرى أن الصور تعمل على ضغط الزمان والمكان، وتخلق ما يسمى بـ “انكماش الزمان والمكان”، حيث يُقدم المكان كسلعة معدة للاستهلاك لا كواقع معقد.

أما الصور كأداة “تزييف” وتشويه الحقائق الجغرافية، فإن إدوارد سعيد في كتابه “الاستشراق”، تناول كيف صورت أماكن مثل “الشرق” بعيون “استعمارية” جعلته يبدو متخلفاً أو غريباً. الصور التي تنتج من أماكن مثل الشرق الأوسط أو أفريقيا غالباً ما تبرز الفقر والعنف أو الغرابة الثقافية، في تغييب متعمد للتعددية والحداثة.

تحولت وسائل التواصل الاجتماعي إلى منصات لترويج صور مثالية لأماكن مختارة بعناية (pixabay)

 

علاقات مكانية

في العصر الرقمي، طُرحت أسئلة حول دور الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة والتقنيات الحديثة في تأثير الصور في فهم ماهية المكان، وكيف أن هذه الصور من خلال المكان، يمكن أن تُستخدم لأغراض سياسية.

تناول المفكر الأميركي بنيامين براتون في بحوثه بمجال الذكاء الاصطناعي التركيبي، تأثير الصور في تشكيل الفهم للأماكن، خصوصاً في سياق التطور الرقمي والإعلامي، من خلال التكنولوجيا والجغرافيا السياسية للصور.

ناقش براتون من خلال أبرز أعماله “البنية الطبقية في البرمجيات والسيادة”، كيف أن الصور والمعلومات تتداخل مع الأنظمة الرقمية الحديثة، وكيف تسهم الصور الرقمية في تشكيل الواقعين الجغرافي والسياسي. وقدم تحليلاً معمقاً حول كيفية تأثير الصور في الطريقة التي ندرك بها الأماكن في عصر الإنترنت والتكنولوجيا الرقمية. وتحدث عن “الطبقة التكنولوجية” كإطار يدمج التكنولوجيا الرقمية مع السياسة والاقتصاد. وشرح كيف أن الصور المنتجة والمتداولة عبر الإنترنت، مثل صور الأقمار الاصطناعية والخرائط الرقمية، تعيد تشكيل فهمنا للأماكن على مستوى عالمي. كما بين كيف أن الصور في العصر الرقمي أصبحت جزءاً من نظام شامل يؤثر في سلوكيات الدول والمجتمعات. ويركز براتون على كيف أن الصور لا تُستخدم فقط لتوثيق الأماكن، ولكن أيضاً تُستخدم للتلاعب بها. وذكر “مع تقدم التكنولوجيا، أصبح من الممكن إعادة خلق الأماكن بأبعاد جديدة باستخدام الصور الرقمية، مما يجعل من الصعب التمييز بين الواقع والتصورات المعاد تشكيلها”. ويرى براتون أن الذكاء الاصطناعي يُؤثر في إدراكنا للأماكن من خلال الصور التي يجري توليدها ومعالجتها، إذ أشار إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يعيد تشكيل فهمنا الجغرافي من خلال إنشاء صور للأماكن قد تكون خيالية أو معدة لتخدم أهدافاً سياسية أو اقتصادية.

وتتفق الفنانة الألمانية هيتو ستيرل، مع رؤية براتون، فقد تناولت في أعمالها ومنها “كيف لا تُرى؟”، تأثير التكنولوجيا الحديثة على تصوراتنا للأماكن، تحدثت فيه عن كيف يمكن للصورة الرقمية أن تعيد تشكيل أماكن معينة عبر تقنيات التلاعب بالصور، مما يجعل الأماكن تبدو غير مرئية أو مختفية.

أما أستاذة علوم الإعلام الأميركية، شانون ماتيرن، فتعمل على تحليل التأثيرات الثقافية والبيئية للتكنولوجيا في إدراكنا للأماكن. في كتابها “من الطين إلى الشفرة: خمسة آلاف عام من وسائط المدينة والبيانات”، تناقش تاريخ الوسائط الحضرية عبر العصور، وكيف أن الصور والبيانات التي تُنتج باستخدام التكنولوجيا الحديثة تعيد تشكيل العلاقات المكانية، وتسهم في تغيير كيفية فهمنا للأماكن في سياق الثورة الرقمية.

تصور أحادي

تحولت وسائل التواصل الاجتماعي إلى منصات لترويج صور مثالية لأماكن مختارة بعناية، سواء كانت شواطئ أو مدناً أو أحياء سكنية راقية، ثم تنشر الصور بعد تعديلها باستخدام فلاتر رقمية أو توليدها بالكامل بتقنيات الذكاء الاصطناعي، هذه العملية تصنع واقعاً بديلاً. ونتيجة لذلك تتأثر قرارات كثير من المتابعين في السفر والهجرة أو ارتيادها، بناءً على “أماكن مثالية” لم توجد قط بهذا الشكل. هنا، وسائل التواصل تُصبح حقلاً لإعادة خلق المكان بشكل تخييلي يُفسد العلاقة بين الإنسان ومكانه الأصلي.

غالباً ما تُستخدم وسائل التواصل الاجتماعي كمنصة استراتيجية لنشر صور لأماكن في سياق سياسي أو دعائي، حيث تنشط الحملات المنظمة لنشر صور دمار أو قمع أو ترف مبالغ فيه، بهدف خلق تصور أحادي عن أماكن معينة. أحياناً، تكون هذه الصور حقيقية لكن خارج سياقها، وأحياناً أخرى تُعدل أو تُنشأ باستخدام الذكاء الاصطناعي لتدعيم رواية سياسية أو إعلامية ما. النتيجة أن صورة المكان تتحول إلى أداة دعائية لا تعكس الواقع المركب، بل تُستخدم لتوجيه الرأي العام أو لصناعة تأييد دولي أو محلي. هكذا، يُفسد التلاعب البصري عبر وسائل التواصل الإدراك السياسي والجغرافي، ويخلق وعياً مشوهاً بالمكان.

كذلك، تلعب وسائل التواصل دوراً غير مباشر في توسيع شبكات المراقبة، من خلال مشاركة الصور والفيديوهات التي تُجمع تلقائياً من الكاميرات العامة أو من حسابات المستخدمين أنفسهم. يُعاد نشر هذه المواد في وسائل التواصل الاجتماعي، ويُضاف إليها تحليلات بالذكاء الاصطناعي تتعقب حركة الأشخاص وتُراقب أنماط التنقل في المدن. يُستخدم هذا الكم الهائل من الصور لتغذية أنظمة رقابية تتدخل في الحياة اليومية وتقيد الخصوصية. بمرور الوقت، سيبدأ الناس في تغيير سلوكهم في الأماكن العامة خوفاً من الظهور أو التعقب.

كل ذلك يظهر كيف أن وسائل التواصل الاجتماعي لم تعد مرآة للمكان، بل أصبحت مصنعاً لإنتاج صورته، وتحديد دلالته وسياقه ومصيره. في كل حالة، تكون النتيجة واحدة، إفساد العلاقة الأصيلة بين الإنسان والمكان، وتحويله إلى صورة معدلة.

المزيد عن: الصور الفوتوغرافيةوسائل التواصلالذاكرة الجماعيةالفلاترالإضاءةالأماكن السياحيةالأماكن الأثريةالأماكن التاريخيةالحروبالكوارث الطبيعيةغزةالسودانأبراهام لينكولن

 

You may also like

Editor-in-Chief: Nabil El-bkaili

CANADAVOICE is a free website  officially registered in NS / Canada.

 We are talking about CANADA’S international relations and their repercussions on

peace in the world.

 We care about matters related to asylum ,  refugees , immigration and their role in the development of CANADA.

We care about the economic and Culture movement and living in CANADA and the economic activity and its development in NOVA  SCOTIA and all Canadian provinces.

 CANADA VOICE is THE VOICE OF CANADA to the world

Published By : 4381689 CANADA VOICE \ EPUBLISHING \ NEWS – MEDIA WEBSITE

Tegistry id 438173 NS-HALIFAX

1013-5565 Nora Bernard str B3K 5K9  NS – Halifax  Canada

1 902 2217137 –

Email: nelbkaili@yahoo.com 

 

Editor-in-Chief : Nabil El-bkaili
-
00:00
00:00
Update Required Flash plugin
-
00:00
00:00