الخميس, مارس 12, 2026
الخميس, مارس 12, 2026
Home » قصة تذبذب “الإخوان” بين عداوة الغرب والارتباط به

قصة تذبذب “الإخوان” بين عداوة الغرب والارتباط به

by admin

 

يتصاعد في السنوات الأخيرة تحرك دولي أكثر صرامة ضد تنظيم الجماعة وفروعه العابرة للحدود

اندبندنت عربية / مصطفى الأنصاري كاتب وصحافي @mustfaalansari

يتصاعد في السنوات الأخيرة تحرك دولي أكثر صرامة ضد تنظيم جماعة الإخوان المسلمين وفروعه العابرة للحدود، مع تزايد القناعة لدى عدد من الحكومات بأن شبكاته الأيديولوجية والتنظيمية لعبت دوراً في تغذية التطرف وعدم الاستقرار في عدة مناطق. وفي هذا السياق اتخذت الولايات المتحدة في عهد الرئيس دونالد ترمب خطوات تصنيف متتالية استهدفت بعض فروع التنظيم، إذ صنفت واشنطن في يناير (كانون الثاني) 2026 فروع الجماعة في مصر والأردن ولبنان منظمات إرهابية، في إطار سياسة قالت الإدارة الأميركية إنها تهدف إلى “إحباط العنف وأنشطة زعزعة الاستقرار المرتبطة بفروع الجماعة”.

وسعت هذه الخطوات أخيراً مع إعلان الإدارة الأميركية تصنيف فرع جماعة الإخوان في السودان تنظيماً إرهابياً، في خطوة وُصفت بأنها امتداد لحملة أوسع تستهدف شبكات التنظيم في المنطقة. ويشير مسؤولون أميركيون إلى أن هذه الإجراءات تستند إلى اتهامات لبعض الفروع بتقديم دعم أو غطاء سياسي لتنظيمات متطرفة مثل “حماس”، أو انتهاك حقوق الإنسان في السودان، وهو ما دفع واشنطن إلى فرض عقوبات وتجميد أصول وقيود قانونية على أنشطتها.

العالم العربي الأكثر تضرراً

لقيت هذه التحركات ترحيباً واضحاً من دول عربية وإسلامية، في مقدمتها السعودية ومصر، اللتان اعتبرتا أن مواجهة أيديولوجيا التنظيم ضرورة لحماية الاستقرار الإقليمي. ويعود ذلك، في نظر كثير من الحكومات العربية، إلى أن الدول الإسلامية كانت الأكثر تضرراً من نشاط الجماعة منذ تأسيسها في مصر عام 1928 على يد حسن البنا، قبل أن تتحول إلى شبكة تنظيمية عابرة للحدود امتدت إلى عدد من الدول، وأثارت منذ عقود جدلاً واسعاً حول دورها السياسي والأمني وإعادة إنتاج الإرهاب والتطرف في المنطقة.

من جهتها رفضت جماعة الإخوان المسلمين المصرية “بشكل قاطع” هذا التصنيف وقالت إنها ستسلك السبل القانونية للطعن فيه.

أميركا تصنف “إخوان السودان” منظمة إرهابية (أ ف ب)

 

في حينه قال صلاح عبد الحق، القائم بأعمال المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين في مصر: “ننفي جميع الادعاءات التي تفيد بأن جماعة الإخوان المسلمين المصرية قد وجهت أو مولت أو قدمت دعماً مادياً للإرهاب أو شاركت فيه”. وأضاف أن هذا التصنيف لا يستند إلى أدلة موثوقة، ويعكس ضغوطاً خارجية على الولايات المتحدة.

عن مبررات تصنيف الفرع السوداني أخيراً، قال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إن السبب يعود إلى دورها في تقويض جهود إنهاء النزاع وتصعيد العنف ضد المدنيين، مشيراً إلى أن التنظيم “يستخدم العنف المفرط ضد المدنيين لتقويض الجهود المبذولة لحل النزاع في السودان والترويج لأيديولوجيته الإسلامية العنيفة”. وأضاف أن مقاتلي الجماعة “نفذوا عمليات إعدام جماعية للمدنيين، ويتلقى كثير منهم التدريب والدعم من الحرس الثوري الإيراني”.

ولفت إلى أن واشنطن كانت قد أدرجت في سبتمبر (أيلول) 2025 لواء البراء بن مالك التابع للجماعة على قوائم العقوبات “لدوره في الحرب الوحشية في السودان”، وهو ما دعا الحكومة السودانية الشرعية إلى مطالبة واشنطن بتصنيف مليشيا “الدعم السريع” على القوائم نفسها.

انقلاب الغرب ضد الجماعة

جاء هذا الإنقلاب الغربي ضد التنظيم الذي كان يوفر له الحاضنة، خصوصاً في لندن لعقود، مع دراسة تاريخية حديثة، أثارت جدل العلاقة بين الغرب وتنظيم الإخوان المسلمين، وكيف أن مراهنة الفريقين على بعضهما سبقت مرحلة ما سمي “الربيع العربي”، إلا أنها كشفت “الانسجام الخفي” لشعوب المنطقة ودول الإقليم، بين من يمكن وصفهم بـ”الإخوة الأعداء”.

لكن هذا المسار وإن أشار إليه الباحث مارتن فرامبتن في كتابه “الإخوان المسلمون والغرب” إلا أنه حاول ما أمكنه إظهار خلافه، تحت ذريعة الاعتقاد بأن تمكين الإخوان من السلطة يمثل حلاً وسطاً لإبعاد شبح التطرف عن المنطقة. فيما يشبه مثل العرب القديم “داوها بالتي كانت هي الداء”. لكن فرامبتن على الرغم من ذلك  كان أميناً في نقل العديد من محطات العلاقة بين التنظيم الأم والغرب القديم والحديث، وردود الفعل الناجمة عنها، مثل لافتات تظاهرات “يوليو” 2013، التي أطاحت بحكم مرسي، وأشارت أصابعها مباشرة إلى السفارة الأميركية.

مؤلف مارتن فرامبتن (qmul)

 

ويعتبر الكاتب أن الاستنتاجات الغربية تجاه الإخوان المسلمين أدت إلى اعتبارها القوة الصاعدة على الساحة السياسية بالشرق الأوسط لا سيما القاهرة، غير أن ذلك “لم يكن يعني بالضرورة التخلّي عن حسني مبارك والتأهب للمقامرة بالثورة، فقد كانت العلاقة الاستراتيجية مع عسكر مصر غالية، إضافة إلى أنهم كانوا يفترضون أنه حال انهيار الحكام المستبدين في دولة كمصر، فإن جماعة الإخوان التي ستخرج لا محالة ظافرة”.

ويوضح أن المسؤولين في الغرب منذ الثمانينيات دأبوا على افتراض أن الدول مثل مصر ليس لها إلا أن تنجرف في طريق تمكين الدين على الصعيد الاجتماعي والثقافي والسياسي، وهنا يجيء افتراض آخر بأن الإخوان المسلمين هم “من سيحوزون مفاتيح المستقبل في نهاية الأمر، ويضاف إلى ذلك الاعتقاد بأن جماعة الإخوان ربما يكونوا أفضل مما ننتظره، وأنهم بلا ريب خير من غيرهم من البدائل الأشد تطرفاً، وهذا الفهم لهذا المصير المحتوم هو الذي حسم موقف الغرب من الربيع العربي ووجّه دفته”.

هل الإخوان صنيعة غربية؟

ويحاول المؤلف الهرب من تصنيف كتابه الذي أصدر مركز الملك فيصل للدراسات ترجمته العربية قبل نحو عامين، منتجاً تاريخياً على رغم تركيز نطاقه بشكل كامل على الأحداث التاريخية التي أدت لحدوث اتصال بين الجماعة والغرب، مفسّراً ما جرى من تقارب وتباعد بين الطرفين، معتمداً على آراء السفراء والدبلوماسيين والعسكريين حيال الجماعة.

وينهض الباحث بمهمة صعبة لنفي وهمين اثنين شائعين جداً على رغم أنهما لا يستندان إلى أي حقيقة تاريخية بحسب رأيه، الوهم الأول أن “جماعة الإخوان المسلمين هي صنيعة الغرب أو الصهيونية” كما يروّج خصومهم وأصحاب نظرية المؤامرة في أماكن أخرى، وسيرى القارئ أنها نتاج طبيعي لمراحل تاريخية وسياسية وثقافية ودينية تشكّلت من دون تدخل من أطراف مختلفة، مضيفاً أن الوهم الثاني يتمثّل في أن “الجماعة لا تمارس لعبة السياسة وأن قياداتها لديهم مواقف مبدئية صلبة لا يهادنون فيها”، وسيثبت الكتاب أن الجماعة تنطوي على قدر كبير من النفعية السياسية والمهارة التفاوضية التي أنقذت الجماعة في مراحل مفصلية من تاريخها بل ساعدتها على تحمل الصدمات وامتصاصها وتحقيق المزيد من المكاسب.

ويقدم الكتاب أول تحليل أكاديمي متماسك وشامل لتلك العلاقة متتبعاً تطورها منذ تأسيس الجماعة عام 1928 وصولاً إلى الأحداث الممهدة للثورة على حسني مبارك عام 2011، كما يذهب إلى أنه لولا الغرب لما كانت الجماعة، فقد كان للغرب باعتباره المنافس الأساسي أثر بالغ على تشكل هوية جماعة الإخوان، والطريقة التي فهمت بها مهمتها الاجتماعية والسياسية، فقد أسهمت فكرة الغرب ورؤيته إسهاماً كبيراً في صياغة أيديولوجية الجماعة ومن ثم فإن ما أصاب رؤية الإخوان حول هذه المسألة من تغييرات وما بقي منها على حاله، ليكشف الكثير عن التطور الأوسع للجماعة.

ويؤكد أن دوافع التعاون مع جماعة الإخوان لها جذور ضاربة في عمق التاريخ وتتداخل مع محاولات تأمين النفوذ الغربي وسط القوى العظمى والتنافس الاستعماري الذي يعود إلى القرن التاسع عشر.

ويرسم المؤلف محتوى الكتاب في الجزء الأول من خلال بابين، يتضمن الأول في ظلال الإمبراطورية وتندرج تحته أربعة فصول: المنشأ وأولى المجابهات 1928-1939، علاقات في زمن الحرب 1940-1944، أفضل الأعداء 1944-1949، حرب قناة السويس 1950-1952، ويتناول الباب الثاني عصر الهيمنة الأميركية وتحته الفصل الخامس تقلّبات الثورة 1952-1954.

ويحتوي الجزء الثاني من الكتاب على ثلاثة فصول، الفصل السادس عصر عبد الناصر 1955-1970، والفصل السابع إعادة تقييم في خضم النهضة الأصولية 1970-1989، والفصل الثامن خطوط غامضة وجدل جديد 1989-2010، ثم خاتمة وشكر وتقدير.

أصدقاء أم أعداء

وفي نظرته البانورامية لتسلسل العلاقة يرى فرامبتن أنه منذ الثمانينيات وما بعدها نشب النقاش مرة أخرى عن جماعة الإخوان المسلمين والإسلام السياسي عامة بسبب التنبؤات بأن المنطقة مقبلة على عملية ديمقراطية، وثار نقاش حول مسوغات استيعاب أو مواجهة الأصولية الإسلامية، وطفق آخرون يميزون بين ماهية المعتدلين والمتطرفين.

ورصد اختلاف الباحثين وصناع السياسة على تصنيف الإخوان وفق هذا المقياس، وفي الوقت نفسه عكف آخرون على محاولة التمييز بين فصائل الإخوان الداخلية والتفريق بين الصقور والحمائم أو المحافظين والإصلاحيين، مورداً ما حدث في أعقاب الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) 2011 حيث بدا أن الولايات المتحدة قد قطعت علاقاتها بالإخوان على الأقل في مصر، وعلى رغم ذلك فكر المسؤولون الغربيون في الوصول إلى الجماعة أو أقسام منها أملاً في أن تكون حصناً من دون القوى الأشد تطرفاً.

ويذهب إلى أن بريطانيا كانت أول من سلك طريق سياسة المشاركة بسبب توسع فروع الإخوان في الخارج، لكن سرعان ما تبيّن أن سياستها قصيرة النفس، ثم أعادت الولايات المتحدة كذلك النظر في الجماعة بين عامي 2006 و2007 لكن التقييم كان يتلكأ طويلاً لالتزام واشنطن بعلاقتها الثنائية مع القاهرة، وفي الفترة التي مهدت للربيع العربي ظلت العلاقات بين الغرب والجماعة كما كانت في أكثرها طوال العقود الثمانية المنقضية ممزقة، ويعتريها الغموض والشك المتبادل.

وعن نظرة الولايات المتحدة للإخوان ترجح دوماً بحسب الباحث أن جماعة الإخوان سيتعاطون معها بخبث كحالهم الأول مع بريطانيا، ومع تسارع عجلة الأحداث في فلسطين تكدرت العملية، ونظر الإخوان إلى إسرائيل على أنها صنيعة غربية للهيمنة على المنطقة، وأحياناً يعدونها أداة للغرب، وتارة أخرى يحسبونها كياناً صهيونياً يتلاعب بقوى الغرب.

ويتوصل فرامبتن إلى أنه بات واضحاً أن الجماعة تسعى لبناء اتصالات مع الحكومات الغربية لتوفر لها غطاء ناجعاً ضد القمع الذي يمارسه النظام ضدها، ومن ناحية أخرى ظل الغرب في نظر الجماعة كما كان دائماً حضارة معادية ومشاركة دائماً في المشروع الصهيوني وملتزمة بتدمير الإسلام، فلم يكن التوفيق مع الغرب إلا مناورة تكتيكية يحركها جزئياً دافعاً الخوف من القوة الغربية نفسها التي يحتقرها الإخوان.

عقل من خيال 

وفي تحليله لما ينسجه الإخوان من مواقف تجاه الغرب لدى أتباعهم، يتتبع فرامبتن تشبث الإخوان بالخيال في مروياتهم للأحداث التاريخية كتكرار قصة كراهية رئيس الوزراء البريطاني وليام غلادستون في القرن التاسع عشر للإسلام، والتي تناولها المتحدث الرسمي للجماعة في المملكة المتحدة في 2015، وهي قصة لطالما لاكتها ألسنة الإخوان في دوائرهم منذ الخمسينيات على أقل تقدير، وباتت بعض القصص والحوادث تتكرر لما كانت توحيه من سوء نية الغرب تجاه الإسلام، لكن الإخوان المسلمين كانت خيالاتهم أخصب وأغزر من غيرهم في استحضار المؤامرات ونسجها.

التبرير للعنف

وعن موقف الإخوان من العنف وتبادله تجاه الحكومات، أبرز الباحث ما سجلته وثائق الجماعة من رأي عدد من أعضاء جماعة الإخوان أنفسهم ضحايا لمؤامرة خبيثة، فيما اعترف بعض قادتهم مثل يوسف ندا بتورط أعضاء من الجماعة في أعمال عنف خلال فترة 1948 إلى 1949 على رغم أنه أصر على أن من جاء بتلك الأعمال كان جماعة منشقة داخل التنظيم الأكبر، وزعم القرضاوي أن من ارتكبوا تلك الأعمال قلة وأن عنفهم كان وبالاً على البنّا.

وعلى رغم زعم الإخوان أنه كان من المشروع تماماً أن يعلن التنظيم الخاص الجهاد ضد البريطانيين والصهاينة، فإنهم وافقوا على أنه تجاوز نطاق مقاصده المحدّدة حينما استهدف قضاة مصريين ورجال شرطة، معلنة بذلك نفسها كمصدر القلق الأكبر لدى الغرب.

ومع بروز القضية الوطنية في مصر كان الإخوان قد شاركوا فيها لتعزيز شعبيتهم، ومع مواجهة الوفد العديد من الصعوبات في التعامل مع الأزمة، درست السفارة المصرية الشكل والتصرف المحتملين لحكومة يقودها الإخوان، ولم يكن الاحتمال محل ترحيب، على رغم أن قيادة الإخوان المحيطة بحسن الهضيبي تستغل النهج النفعي الاستراتيجي الذي كان البنّا قد تبنّاه في السابق من أجل التواصل مع البريطانيين أواخر 1951، وتقديم الإخوان على أنهم معتدلون يمكن للسفارة العمل معهم.

مع تقلّد الضباط الأحرار السلطة في مصر لعب الإخوان دوراً محورياً في الساحة السياسية خلال العامين الأولين، وذلك على رغم اجتماع الرؤية البريطانية والأميركية على الإيمان الراسخ بضرورة إبعاد الإخوان والمتطرفين الآخرين عن ممارسة السلطة، كما يوثق الباحث.

ويرصد فرامبتن أن الجماعة أنفقت الوقت والجهد في محاولة كسب تعاطف الأميركيين بخاصة بالتأكيد على رفض الشيوعية والتمسك بالاعتدال، كما أرسلت رسائل مشابهة للبريطانيين، وعلى الرغم من أن عبد الناصر سمح لقادة الإخوان بالتواصل مع البريطانيين فإنه استخدم هذا الأمر في ما بعد في ضرب الجماعة عندما قرّر معاداتها، وقدّمت له محاولة الاغتيال مبرراً للمضي قدماً في حل الجماعة ليتطابق مع وجهة النظر الغربية.

غلاف كتاب الاخوان المسلمون والغرب (اندبندنت عربية)

 

بناء الأيديولوجيا

يرى مارتن فرامبتن أن مؤسس جماعة الإخوان حسن البنا صقل آراءه الأولية ليأتي بأيديولوجية مميزة توجه نشاط الجماعة، ويمكن استنباط لبّها بالتحليل الدقيق للرسائل المختلفة التي كتبها، والتي كان لزاماً على أعضاء الجماعة أن يقرؤوها، وتبرز كلماته تشاؤماً تجاه الغرب وإلى أي مدى كان ملماً بأحوال زمانه وعلى علم تام بمشكلات منتصف ثلاثينيات القرن العشرين.

يوثق الكاتب أن انتقال حسن البنا إلى القاهرة عام 1932 أدى لانتقال مركز ثقل الجماعة إلى العاصمة المصرية، وتزامن هذا مع وضع الهيكل التنظيمي الرسمي للجماعة والتصديق عليه في المؤتمر العام الثالث عام 1935، وكانت تلك الخطوة إيذاناً بإضفاء الطابع المركزي على الحركة تحت السلطة المطلقة للبنا نفسه.

وكان حس قادة الجماعة يميل إلى إيجاد هيكل تنظيمي أوضح يمسكون به زمام الأمور، فتطورت الجماعة إلى حركة سياسية جماهيرية ومع انتصاف العقد تحولت من جمعية خيرية محلية إلى منظمة وطنية محتملة، وباتت القمصان الصفراء المكونة من فرق الجوالة التابعة لجماعة الإخوان واحدة من التنظيمات شبه العسكرية التي كانت تشارك في المسيرات وتشتبك مع القمصان الزرقاء لحزب الوفد والقمصان الخضراء التابعة لمصر الفتاة.

وأثارت الجماعة الاهتمام البريطاني مع وضوح توجهها للانخراط في العمل السياسي انخراطاً رسمياً ومتزايداً، فأسس البنا علاقته مع الرجل القوي بالمشهد السياسي المصري علي باشا ماهر، الذي كان يشغل رئاسة الديوان الملكي والمؤثر في الملك الشاب فاروق منذ عام 1937.

الحس النفعي

يسجل فرامبتن جوانب من شخصية مؤسس الإخوان من خلال رسالته للمؤتمر الخامس للإخوان، حيث كان البنا ينكر تلقيه أي دعم من أي حكومة من الحكومات وأنها اعتمدت على أعضائها ومحبيها فقط، وحينها كان إنكار البنا مثيراً للشك، بخاصة إذا ما قوبل بالتحالفات الكثيرة التي أقامها على مدار حياته العامة، التي تعود إلى بدايات تأسيس الحركة، وتضمنت قبول تبرع كبير من شركة قناة السويس، وبه بنى الإخوان أول مسجد لهم بالإسماعيلية.

وبحسب الباحث فإن قصة التبرع تعدّ مثيرة للاهتمام فقد تمكّن البنا من إظهار نفسه ضحية على رغم حصوله على المال، عندما اشتكى أن مبلغ 500 جنيه إسترليني كان تافهاً، مقارنة بمبلغ 500 ألف جنيه إسترليني كان يعتقد أن الشركة ستنفقه على كنيسة في الوقت ذاته، وبعد ذلك بسنوات أعلن البنا إعلاناً عاماً أن الإخوان تلقوا تمويلاً من وزارة الشؤون الاجتماعية لعملهم الخيري، أضف إلى ذلك وجود شكوى قوية بأن الإخوان تلقوا دعماً من القصر وكذلك من قوى أجنبية.

ويتوصل إلى أن البنا توصل إلى توجه استراتيجي يتميز بالنفعية في تعاملاته السياسية، وقد ساعده ذلك في التأُثير في كل أرجاء مصر، وقوّى صورة الإخوان بوصفهم قوة مهمة معادية للوفد لا يمكن تجاهلها، وبحلول عام 1938 على سبل المثال اجتمع البنا برئيس الوزراء محمد محمود لمناقشة الأحداث الجارية في فلسطين.

استغلال القضية

ويورد كيف أدى نشاط الإخوان المتعلق بالقضية الفلسطينية إلى اتساع قاعدتها واكتساب مكانتها في مصر، وأصبح ثقلهم في مصر يرجع جزئياً إلى معارضتها القوية للسياسات البريطانية في مصر وفلسطين، وفي ما يخص التفكير الغربي فقد كانت الجماعة تمثّل لهم نمواً للفاشية الإسلامية ودعوتها إلى الجهاد تمثّل تحدياً سافراً للنفوذ البريطاني في القاهرة وبقية المنطقة.

وتبيّن للبريطانيين أن الإخوان المسلمين تهديد جديد فلم تكن خلال السنوات الأولى من نشوئها تحظى باهتمام كبير من جانب المسؤولين البريطانيين، بيد أنه وبعد مرور عقد من الزمان لم يكن ثمة شك في مدى ما باتت تتمتع به الجماعة من أهمية وطنية كبيرة، وكان السفير لامبسون وزملاؤه يرون الإخوان جماعة مناهضة للمصالح البريطانية بطبيعة الحال، وكانت السفارة تطالب السلطات المصرية باتخاذ تدابير أكثر حدة لقمع الحركة، لكنها لم تلق استجابة إذ بدا أن الإخوان يبرزون بوصفهم عنصراً ضمن تحالف واسع للقوى وينطوي على إشكال كبير.

قدرات في الظل

في السنوات المتأزمة من 1940 إلى عام 1942 دفع القلق من الإخوان المسلمين البريطانيين إلى التدخّل المباشر فطلبوا فرض قيود على التنظيم، وتمكنت الحركة تحت تلك الأوضاع من المناورة بحرية كبيرة كما يثبت الباحث من وثائق البريطانيين.

ويرى أن الإخوان اكتسبوا حيوية جديدة تجلّت في حقيقة أن فرق جوالاتهم شرعت تستعرض قوتها مرة كل أسبوع على الأقل، وكانت قد خضعت لتدريب أولي شبه عسكري، وتمكّن البنا من تأسيس تنظيم معارض للحضارة الغربية الحديثة، معللاً ذلك بأن نظام الحكم في مصر برمته كان متعفناً وتنقصه إعادة هيكلة شاملة.

وعلى رغم شعور البريطانيين أن البنا تعوزه الشجاعة، ولن يبادر من تلقاء نفسه إلى انتفاضة، كانوا يتوقعون أنه سيستغل حادثاً آخر شبيهاً بما حصل في 1919، ليدفع أتباعه بلا ريب إلى الجهاد وحينها سيسعى جاهداً ليحوز القيادة، ولهذا السبب كانوا يعتقدون أن الإخوان قدّر لهم أن يلعبوا دوراً بارزاً في مستقبل المسار السياسي كونهم الماكينة الأكثر تنظيماً وهو ما جعل منها ظلاً مهدداً وجاثماً على الحياة السياسية في البلاد.

خرافة المؤامرة

يصدّر فرامبتن فصل “أفضل الأعداء” بمقتل حسن البنا بالرصاص وسط القاهرة في 12 من فبراير (شباط) 1949، وكيف قدمت أجهزة السفارة البريطانية رواية واضحة للجريمة تتناول المتورطين والمنفذين، ومدى الرضا الذي شاع في القصر على عكس القلق الذي أبداه الدبلوماسيون البريطانيون والأميركيون من الانتقام الإخواني.

ويبين أن قلقهم لم ينبع من فراغ، فقد أعلنت الجماعة في منشوراتها الصادرة عقب مقتل البنا أنه “وقع ضحية مؤامرة شيطانية أعدّها رجال السلطة”، وتعهدوا بالانتقام من تلك الحكومة غير الإسلامية “الفاجرة”، أضافوا “سنتعقب ونطارد هذه العصابة الآثمة وسنهشّم رأس كل متكبر، ونكسر رقبة كل متفاخر مغرور، ولن ينقذهم أي ملاذ يتحصنون به ولن يحميهم القصر”.

وكرست صحف الجماعة روايات تزعم وجود وثائق سرية تذكر أن السفيرين البريطاني والأميركي قد التقوا قبلها في معسكر فايد العسكري بقناة السويس، واتفقوا على ضرورة تدمير جماعة الإخوان، ومن المثير وقتها أن سيد قطب زعيم الإخوان في المستقبل كان موجوداً بأحد مستشفيات الولايات المتحدة وذكر أن الموظفين قد ابتهجوا بأنباء الاغتيال، ويفسر فرامبتن تلك الرواية بأنها درب من الوهم والسخرية أن يعلم العاملون في مستشفى في نيويورك بمقتل البنا ناهيك عن ابتهاجهم به، فلم تكن مثل هذه الادعاءات إلا ظنوناً اعتملت في نفس سيد قطب.

ويذهب إلى القول أن مقتل البنا وقع على خلفية موجة من العنف والاغتيال السياسي، وقد ألقيت مسؤوليتها بنسبة كبيرة على الجماعة، فقبل عدة أسابيع فقط قتل أحد أعضائها بالرصاص رئيس الوزراء حينها محمود النقراشي، انتقاماً من قراره بحل الجماعة، وفُهم قتل البنا على أنه عمل انتقامي نفّذ بتكليف من مؤيدي النقراشي، ولذا ذكر مسؤولون بريطانيون أنهم وجدوا تعاطفاً قليلاً مع البنا من عامة الشعب المصري.

جيش داخل الجيش

بحلول عام 1945 التزمت الجماعة بقوة بطرد البريطانيين من مصر وفقاً لما ذكره صلاح شادي القيادي المبرّز بجامعة الإخوان، وبناء على طلب البنا بدأ شادي في تنظيم الإخوان داخل قوات الأمن والجيش، وتأسيس قسم لهذا الغرض، وعقبها ظهرت مؤشرات توحي بأن الجماعة تعدّ لاستعراض قوتها في العلن.

وعلى رغم قرار البنا دخول الحياة السياسية وإذاعة خمسة من زملائه لبرامجهم الانتخابية إلا أنه لم يفز أي من مرشحي الإخوان، إذ عرفت تلك الانتخابات على نطاق واسع بأنها من أكثر الانتخابات فساداً في تاريخ مصر.

ورأى فرامبتن أن البنا كان يطمح إلى أن يصبح لاعباً سياسياً أساسياً، وأكد الإخوان التزامهم بالسياسة واعتبارها جزءاً لا يتجزأ من إيمانهم، وأثبت زعيم الإخوان المسلمين صاحب النظرية النفعية دائماً فرصة سانحة في الوصول إلى الحكومة الجديدة بدعمه للنقراشي ما يوضح أنه يختار التسوية النفعية مع السلطات على رغم أن اتفاقه ذاك كان قصير الأجل.

وتظهر الوثائق أن القلق البريطاني زاد مع صعود الإخوان الذي جاء موازياً ومرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بتدهور الوضع الأمني في مصر. ويذكر صلاح شادي أحد القيادات المبرّزة في الجماعة في أواخر 1945 أن الإخوان شنّوا هجوماً في القاهرة بالمسدسات والقنابل على قطار يعتقد حمله لجنود بريطانيين إلى فلسطين للمساعدة في “دعم تشكيل الدولة الصهيونية الجديدة”، ومع بداية عام 1946 أشارت الدلائل إلى انهيار التحالف بين النقراشي والإخوان.

وأصبح الإخوان المشتبه الأول كلما وقعت اعتداءات، على رغم أن البنا قد تبرّأ علانية من الأعمال الإرهابية، مؤكداً التزامه بمبادئ نبذ العنف، وأن بعض أفراد الإخوان إن كانوا قد تورطوا في هذا العنف فليس ذلك إلا نتيجة لاستفزاز الحكومة، واعتبرت السفارة الأميركية الإخوان أخطر مثيري القلاقل في مصر، والجهة الرئيسية المنظمة للفوضى فيها.

عيار التهييج والكسب

ارتفع القلق الغربي من دور الإخوان في النصف الأول من عام 1947، وذلك بتصاعد وتيرة الخطاب الحاث على الجهاد أكثر من أي وقت مضى، حيث يواصل البنا خطبه في أيام الجمع بالحديث عنه وكونه السبيل الوحيد لحفظ حقوق البلاد، ولم يكن من اليسير تجاهل خطاباته التي أدت لعدد من الهجمات العنيفة.

ويظهر البنا وجهه الانتهازي في لقائه على رغم الأزمة مع فيليب أرلند أحد كبار مسؤولي السفارة الأميركية الذي ترك انطباعاته عن اللقاء غير متفاجئ بما ينطق به “تاريخ البنا الدالّ على الانتهازية”، وصدمته من تأكيد البنا له أنه إذا شاء بدأ القلاقل وإذا شاء أوقفها.

حسن البنا يخطب في جموع الإخوان (ويكيبيديا)

 

ويذكر أرلند أن البنا قضى معظم الوقت في هذا الاجتماع في انتقاد خصومه السعي لكسب ودّ الولايات المتحدة، فقد دان على سبيل المثال جناح الشباب في حزب الوفد لكونه يضم شباباً “أرعن يعمل لحساب السوفيات”، في إشارة واضحة إلى المصالح الأميركية، وأشاد بالإسلام باعتباره “حائط الصدّ الكبير” أمام الشيوعية، واقترح ذلك بقوله “أميركا والإخوان يجب أن يكونا حليفين في مواجهة الشيوعية”.

ويرى مارتن فرامبتن أن منطلق البنا لم يكن مستغرباً، فهو ترديد مباشر لرسالته التي سبق أن أرسلها إلى السير والترس مارت في السفارة البريطانية عام 1945، التي ذكر فيها تحديداً أن الإخوان يمثّلون أفضل سد في وجه انتشار اليسارية المتطرفة، وكذلك صرحت الجماعة في مواضع أخرى بمعارضتها لليسار السياسي.

تدويل الجماعة

أدرك المسؤولون الغربيون أن تأثير الإخوان قد تجاوز مصر، فلطالما تطلّع حسن البنا إلى ما وراء الدولة القومية، وأولى اهتماماً خاصاً بالوحدة الإسلامية، فكان مهتماً بالقضايا الإسلامية حول العالم، وسعى إلى عقد تحالفات خارجية.

قابل البنا الشيخ حافظ وهبة مستشار الملك عبد العزيز آل سعود، عندما زار وهبة القاهرة لاستقدام مدرسين مصريين للتدريس في الحجاز، ويبدو أن البنا نفسه فكّر مدة وجيزة في العمل في مكة إلا أن هذا العرض قد ألغي، إذ رفضته الحكومة المصرية في نهاية المطاف لأنها لم تكن قد اعترفت بعدُ بالنظام السعودي، وعزا البنا الأمر إلى تأثير “الإنجليز”، وكما يوثق مترجم الكتاب فقد طلب البنا فتح مكتب لجماعته في المملكة لكن الملك عبدالعزيز رفض ذلك.

وحظي الموقف في اليمن باهتمام دائم بالبنا، ففي عام 1929 التقى أحد حكام صنعاء السيد محمد زبارة الحسن خلال احتفال بذكرى الهجرة النبوية، ونشأت الألفة بينهما، وعُرض على البنا التدريس في صنعاء لكن لم تسفر عن شيء، وكان للإخوان تأثير كبير في حركة اليمنيين الأحرار بعد عام 1945.

وأثناء الحرب العالمية الثانية تنامى تركيز الإخوان على الأحداث الدولية، ولتسيير نشاطها الدولي أنشأت قسماً مختصاً “بالاتصال مع العالم الإسلامي” يتفرّع منه أربع لجان فرعية تختص كل منها بمنطقة جغرافية لجمع المعلومات، ونشر المطبوعات حول القضايا المهمة.

ولم تتوقف محاولات الإخوان عن أداء دور في السياسة الخارجية، فقد تجلى الطابع الدولي للإخوان في دافعها لتكوين فروع لها خارج القطر المصري، وتشير بعض سير الإخوان إلى أن أول نواة لفروعها كانت قد تأسست في جيبوتي، وأبانت الجماعة جديتها في التوجه الخارجي بمحاولة فتح فرع بمدينة عطبرة عام 1946، بحسب إفادة الحاكم العام البريطاني للسودان.

المزيد عن: الاخوان المسلمين القضية الفلسطينية الارهاب التنظيمات الارهابية السودان

 

You may also like

Editor-in-Chief: Nabil El-bkaili

CANADAVOICE is a free website  officially registered in NS / Canada.

 We are talking about CANADA’S international relations and their repercussions on

peace in the world.

 We care about matters related to asylum ,  refugees , immigration and their role in the development of CANADA.

We care about the economic and Culture movement and living in CANADA and the economic activity and its development in NOVA  SCOTIA and all Canadian provinces.

 CANADA VOICE is THE VOICE OF CANADA to the world

Published By : 4381689 CANADA VOICE \ EPUBLISHING \ NEWS – MEDIA WEBSITE

Tegistry id 438173 NS-HALIFAX

1013-5565 Nora Bernard str B3K 5K9  NS – Halifax  Canada

1 902 2217137 –

Email: nelbkaili@yahoo.com 

 

Editor-in-Chief : Nabil El-bkaili
-
00:00
00:00
Update Required Flash plugin
-
00:00
00:00