منظر عام من بغداد (أ ف ب) ثقافة و فنون فاروق يوسف العائد يقف على أطلال البلاد الأم by admin 12 مارس، 2026 written by admin 12 مارس، 2026 17 رحلة إلى بغداد بعد 20 سنة من منفى الاشتياق اندبندنت عربية / سلمان زين الدين لا بد من الإشارة بدءاً إلى أن فاروق يوسف الذي يغادر بغداد، ذات يوم، على حين غرة، عملاً بوصية أمه التي تخشى عليه من سلطة البعث الحاكم، وتطلب منه عدم العودة، يكتب كتابه لأجلها، مع علمه أنها لن تقرأه، لأن الموت سبقه إليها. ولعله يفعل ذلك تكفيراً عن مخالفته الوصية والعودة إلى بغداد التي هي بمنزلة أمه، بعد 20 عاماً من البعد منها، فتشكل العودة إلى المدينة عودة إلى الأم، في الوقت نفسه. ولكن، إذا كانت ثمة استحالة في أن يجد العائد أمه، لأنها لم تعد على قيد الحياة، فهل تراه يجد المدينة؟ حين غادر يوسف المدينة، وعد أمه أن يعود بعد سنة واحدة، “سنة وأعود”، غير أنه لم يكن يعلم أن تلك السنة ستطول لـ20 سنة، وأن الشوق إلى بغداد سيزداد كلما طالت، حتى إذا ما عاد إليها، يصطدم بجدار الواقع، فلا يجد بغداد التي غادر، ويعيش غربة أخرى هي أقسى من غربته الأولى لأنها تحصل داخل “الوطن”، هذه المرة، وبغياب الأم التي طالما حلم بالعودة إليها، وبذلك، يشعر باليتم مرتين، أولى بموت الأم، وثانية بعدم العثور على المدينة. كثيرة هي الذكريات التي يوردها يوسف في كتابه ومتنوعة، وتعود إلى مراحل عمرية مختلفة ومتباعدة. وغالباً ما تثيرها الأماكن التي يتفقده بعد غياب، مما يجعلها ذكريات مكانية إلى حد كبير. على أن ورود هذه الذكريات في النص لا يخضع للخطية الزمنية، بل ترد كيفما اتفق، لوجود قرائن تستدعيها. لذلك، قد تتجاور في الحيز الواحد: الحقيبة المدرسية المنسية على درج مدرسة البتاوين، ومرافقة عمته نوعة إلى سوق الصدرية في الرابعة من العمر، وزواجه في الرابعة والعشرين، ونجاته من الحرب العراقية الإيرانية، وولادته في محلة الصنم، والتحاقه بمدرسة الأرمن، على سبيل المثال لا الحصر. وكثيراً ما تقترن الذكرى الخارجية المستعادة بغوص في الداخل على فكرة أو معنى أو خاطرة، فالذكرى تمر في مختبر الذات قبل تبلورها على الورق. كتاب الرحلة البغدادية (دار أكورا) أماكن ومثقفون في اكتشافه المدينة، يكثر الكاتب من ذكر أسماء الأحياء والأسواق والأبواب والشوارع والساحات والأزقة والمحال والمكتبات وأماكن العبادة والسينمات وغيرها. وكأنه، بهذه العملية يتلذذ بذكر الأسماء، من جهة، ويعبر عن اشتياقه إليها، من جهة ثانية، ويعوض عن افتقاده لها، من جهة ثالثة. لعله يبحث عن الفتى الذي كان في مظانها الكثيرة. وفي السياق نفسه، يكثر يوسف من ذكر أسماء الأدباء والشعراء والفنانين الذين شكلوا المشهد الثقافي البغدادي، ويستعيد علاقته بكل منهم. ومن هؤلاء: مصطفى جواد، موسى كريدي، بدر شاكر السياب، نوري الراوي، مالك المطلبي، محمد شمس، ناظم الغزالي، جبرا إبراهيم جبرا، غالب هلسا، عبدالوهاب البياتي، جواد سليم، شاكر آل سعيد، وغيرهم. وهؤلاء وغيرهم هم الذين منحوا المدينة لونها ونكهتها ورائحتها، في مرحلة تاريخية معينة، “كانت لبغداد رائحتها وكان لها لونها. كانت لها نكهتها وكان لها طعمها. لم تكن مدينة للعيش فقط. كانت فضاء للتفكير ومعجماً لغوياً وعاطفياً اختلطت فيه الألسن والأغاني”، على حد تعبيره (ص 47 و48). الشاعر والناقد فاروق يوسف (صفحة الكاتب – فيسبوك) تختلف الذكريات المستعادة في الكتاب، وتتنوع بين المكانية والثقافية والعاطفية وغيرها، فعلى المستوى المكاني، يتذكر الكاتب عراقة التاريخ في شارع الرشيد، وأكشاك الكتب في شارع المتنبي، وزمن العز في سينما غرناطة. وعلى المستوى الثقافي، يتذكر سعدي يوسف، العائد من الجزائر، عاجزاً عن إكمال قراءة قصيدته، وبكاءه من السطر الثاني، مما اضطر محمود درويش إلى إكمالها عنه. ويوسف صائغ الذي راح يغص خلال قراءة قصيدته “انتظريني عند تخوم البحر”، وسط تأوه الجمهور. وعبدالوهاب البياتي مستخفاً بقصيدة “دجلة” لمحمد مهدي الجواهري، في إطار تشاوف الحداثة على الكلاسيكية. والشعراء المتناثرين على الأرصفة في شارع أبي نؤاس، من عبدالأمير الحصيري، إلى جان دمو، إلى جماعة كركوك، وغيرهم. وعلى المستوى العاطفي، يتذكر الفتاة التي حيته مودعة، بوضع كفها على زجاج الباص، بعد ترجله منه. والبنت التي ارتطمت يده بيدها، على الجانب الأيمن من شارع السعدون المجاور لساحة التحرير، خلال التقاطهما الكتاب نفسه، فيشعر أن أصابعها لا تزال تتحرك في المكان نفسه، بعد 20 عاماً من حصول الواقعة. والفتاة ذات الساقين الأسطوريتين التي اصطحبها، ذات يوم، في جولة على ضفة دجلة. هذه الذكريات هي غيض من فيض ما يزخر به الكتاب، وتستعيده ذاكرة الكاتب في لحظة صحو ناجمة عن صدمة العودة إلى مدينته الأم. صدمة العودة أقول صدمة العودة لأن الابن العائد، بعد 20 أو 30 عاماً من الابتعاد القسري، لا يجد ما تركه خلفه قبل الرحيل، فكل شيء قد تغير نحو الأسوأ، باستثناء البشر الذين ما يزالون على حالهم من تكاذب وتنافس وتحاسد وتباغض، مما يجعل الصدمة مضاعفة. من هنا، يرصد يوسف التحولات التي طرأت على المكان ووظيفته، خلال سنة ابتعاده الطويلة، فالوطن الذي كان قيد الحلم جعله تغول الأحزاب مجرد فكرة، والمواطن لا يزال مشروعاً مؤجلاً حتى إشعار آخر، وحياة العراقيين، منذ الآشوري الأول، مجزرة مستمرة. وبغداد التي غادرها، منذ 20 أو 30 عاماً، لم تعد موجودة، مما يجعل تفقده الأحياء والشوارع والساحات والأسواق نوعاً من الوقوف على الأطلال. ودجلة لم يعد دجلة، “لم يكن هناك دجلة لأبكي على ضفته” (ص 74). وشارع الرشيد فقد عراقته التاريخية. وشارع المتنبي غداً مجرد جنة فولكلورية زائفة. ولعل هذه التحولات هي التي تجعل اقتفاءه خطواته القديمة في شارع أبي نؤاس نوعاً من البكاء المستمر، “كل خطوة هي دمعة. هل رأيت دمعة تسير؟”، على حد تساؤله؟ وعودٌ على بدء، في “سنة أخرى من الاشتياق”، تتناثر ذكريات فاروق يوسف الخارجية، في مواضع متفرقة من الكتاب، بعد إخضاعها لمختبره الداخلي، وهو لا يقدمها لنا على طبق من فضة الكتابة، بل مشوبة برواسب الغوص على الذات، والتحليق في فضاء الخيال، والتأمل في أحوال العيش، مما يجعل قراءتها محفوفة بعناء المتعة. المزيد عن: مذكرات كاتب عراقي بغداد المنفى العودة أدب رحلة مشاهدات إنطباعات الأم الحنين 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post مسؤولون أميركيون يكشفون «خطأً تكتيكياً» ارتُكب قبل الحرب مع إيران next post معجم أدباء اليمن يسمو فوق صراعات السياسة You may also like “نظام المال” رواية الصدمة الغربية ازاء العولمة الاقتصادية 12 مارس، 2026 معجم أدباء اليمن يسمو فوق صراعات السياسة 12 مارس، 2026 أميركي يكتب التاريخ “الحقيقي” للاشتراكية: الأبطال بشر أيضا! 11 مارس، 2026 عبده وازن يكتب عن: عندما يمثل العربي “الآخر”... 11 مارس، 2026 لطفية الدليمي الكاتبة الطليعية في السرد والنقد والترجمة 11 مارس، 2026 جنون العنف في رواية بارغيس “البرتقال الآلي” وفيلم... 11 مارس، 2026 دراما “القافر”… إنسانية الفقد والهوية في قرية عمانية 11 مارس، 2026 محمود الزيباوي يكتب عن: ذبح الطرائد في لوحتين... 11 مارس، 2026 شوقي بزيع يكتب عن: أي دور للكتّاب والمبدعين... 11 مارس، 2026 لطفية الدليمي الشاهدة على تحوُّلات زمن عراقي عاصف 11 مارس، 2026