مورسو وماري في فيلم _الغريب_ الجديد (ملف الفيلم) ثقافة و فنون “غريب” البر كامو يتجدد بالأسود والأبيض في البندقية by admin 4 سبتمبر، 2025 written by admin 4 سبتمبر، 2025 88 المخرج الفرنسي فرنسوا أوزون حبك الفلسفة العبثية والسينما في جزائر الاستعمار اندبندنت عربية / هوفيك حبشيان ينجح فرنسوا أوزون اليوم في خلق نص سينمائي يترجم حكاية “الغريب” لألبر كامو، ونقل بطله مورسو إلى الشاشة بجماليات تحافظ على روح الرواية، مقدماً إياها عبر خيارات اقتباسية مختلفة عن التي تبناها الإيطالي لوكينو فيسكونتي في عام 1967 عندما أفلم الرواية نفسها. ولكن، في المقابل، قد يتقدم الشغوفون المتعصبون برواية تشكل ذروة “فلسفة العبث“، في اتجاه الفيلم ببعض الحذر، وهذا مفهوم. شخصية مورسو في رواية “الغريب” (ملف الفيلم) بسبب عمقه الوجودي وصعوبة تجسيد بروده العاطفي، قيل عن الرواية إن اقتباسها يتعذر، على غرار روايات كثيرة صعب نقلها إلى الشاشة، كـ”البحث عن الزمن الضائع” لمارسيل بروست. “الغريب” (1942) التي تعد واحدة من ثلاث روايات فرنسية الأكثر قراءة عبر التاريخ، مع “البؤساء” لهوغو و”الأمير الصغير” لإكزوبيري، تعتمد كثيراً على السرد الداخلي لمورسو، الذي يعيش في عالم من اللامبالاة، حيث تتقاطع الحياة والموت في نظرة هادئة وعميقة، لا تحمل كثيراً من الانفعالات أو التعبيرات الواضحة. وهذا ما جعل نقل الرواية إلى عمل سينمائي تحدياً حقيقياً، إذ تعتمد السينما على الحركات والصور لنقل المشاعر، بينما مورسو يبقى صامتاً حتى في أحلك لحظاته. لكن أوزون الذي كثيراً ما كان متنوعاً في مقاربته للسينما (حتى إنه قدم نسخة ثانية لـ”دموع بترا فون كانت المرة” فيلم فاسبيندر الشهير)، مازجاً الأنواع والتيمات من الميوزيكال إلى فيلم الجريمة الخفيف، أراد أن يحمل هذا الرهان إلى أقصى درجاته. وعلى رغم أن هذا أول اقتباس له لرواية أيقونية، فهو اختار أن يعبر عن هذه البرودة من خلال تصوير رصين وسرد بصري مقتصد، يحافظ على هدوء الشخصية بدلاً من محاولة خلق انفعالات زائفة. ففي بداية الفيلم، يسيطرالغموض والكتمان على مورسو، كتعبير عما يعيشه داخلياً، ولكن مع انتقال الأحداث إلى قاعة المحكمة (بعد جريمة القتل التي تعد محور الرواية)، تبدأ الكلمات في الظهور بقوة، وتعتمد الحوارات على التفسير والتحليل، كاشفة عن فلسفة كامو، كما لو أنها تحاول سد الفجوة التي خلفها الصمت في النصف الأول من الفيلم. مورسو، هذا الذي يراقب ما يجري من دون اهتمام يذكر، هو تجسيد للبطل المضاد الذي ابتكره كامو ولا يزال يعد إلى اليوم من الشخصيات المثيرة للجدل في الأدب الحديث، لأنها تعبر عن اللامبالاة الوجودية وتطرح أسئلة عن معنى الوجود وجدواه. مورسو لا يظهر أي مشاعر تجاه الأحداث التي يعيشها، سواء كانت وفاة والدته أم علاقة غرامية أم حتى عندما يرتكب جريمة. في لحظة تلقيه خبر وفاة أمه في بداية الرواية، يقول: “أمي ماتت اليوم، أو ربما أمس، لا أدري”، هذه الجملة الشهيرة تلخص مفهوم العبث كما صاغه كامو. أوزون يجسد هذا المفهوم ببراعة، مفتتحاً الفيلم بهذه الجملة التي نقرأها على الشاشة، بدلاً من أن نسمعها تقال، في ما يمكن اعتباره رد اعتبار إلى الكلام المكتوب في فيلم سينمائي. بين الفلسفة والسينما الممثل بنجامان فوازان البطل العبثي (مل فالفيلم) يعبر أوزون كل العقبات والحواجز التي تعوق الجمع بين الفلسفة الوجودية التي تعتمد على التجربة السينماالداخلية، وبين طبيعة السينما التي تتطلب تمظهرات. ولكن، لدى المشاهد الذي لم يقرأ الرواية، يمكن أن يكون الفيلم تجربة مشوقة، في حين أن القارئ الملم بالنص، قد يجد بعض المشاهد تجسيداً لما كان في مخيلته، والخيال دائماً أقوى من أي تجسيد. بيد أن هذه الخاصية لا تقلل من قيمة “الغريب”، فالعمل الذي جاء به أوزون إلى البندقية منافساً على “الأسد الذهبي” يبقى واحداً من أجمل ما شاهدناه هذا العام. تلك المشاهد القصيرة المكثفة التي تستلهم من سينما الأربعينيات، التي تحافظ على جو من الواقعية والهدوء، كانت تحتاج إلى موهبة ورؤية يملكهما أوزون. الاختيار الفني لتصوير الفيلم بالأبيض والأسود كتحية إلى سينما تلك الحقبة التي تجري فيها الأحداث، يعزز الإحساس بالعصر الذي تدور فيه القصة، ويضيف طابعاً كلاسيكياً، من دون أن يفقد العمل روحه الخاصة والمعاصرة. المخرج فرانسوا أوزون في مهرجان البندقية (أ ف ب) مورسو أمام كاميرا أوزون يحمل ملامح الممثل ذي الطلة البهية بنجامان فوازان، 28 سنة، وله لمسات أنثوية، في حين تأتي الشخصيات الثانوية، من الحبيبة ماري إلى الصديق ريمون فالجار سالامانو، دقيقة ومتناسقة ووفية للأصل الأدبي، مكملة الجو العام من دون أن تتخطى الحدود، مما يساعد في الإضاءة على مورسو بوضوح، كالبطل الأوحد التي منه تتناسل الأفكار التي كان يريد كاموا بثها. تفادى أوزون تحويل الرواية إلى نسخة معاصرة تحمل أفكاراً حديثة، فظل وفياً لزمن القصة في الجزائر تحت الاستعمار الفرنسي، محافظاً على نقاء الموضوع بلا تشويه. القتل الذي يرتكبه مورسو بقي كما هو، والشاب الضحية الذي لا يحمل سوى اسم “العربي”، ما زال شخصية هامشية، مجرد حجة للسرد، وليس لها بعد درامي أو شخصي. مع ذلك، لم يتوان الفيلم عن إضافة شخصية جديدة غير موجودة في الرواية الأصلية لن نكشفها كي لا نفسد متعة الاكتشاف. شرح أوزون في البندقية أنه لم يطمح إلى فيلم من منظور الأربعينيات، إنما من وجهة نظر اليوم، مع المسافة التي تفصلنا عن تلك الحقبة من الجزائر الفرنسية والاستعمار، ومع وضع الكتاب في شيء من السياق الزمني الذي كتب فيه. قال: “ما هو مثير للاهتمام من منظور اليوم هو أننا نعرف ما الذي حدث بين ذلك الزمن والآن. كانت هناك حرب الجزائر، وكان هناك كثير من الانتهاكات، وكثير من المعاناة، وصولاً إلى قطع العلاقات الحالي بين البلدين”. المزيد عن: مهرجان البندقيةرواية البير كاموالعبثيةالبطل السلبيمخرج فرنسيفيلمالجزائرالغريب 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post هكذا عبر بيتهوفن من تمجيد البطولة إلى الاحتفاء بالطبيعة next post لماذا يصر الفلاسفة اليوم على العودة الى سقراط؟ You may also like كيف نتفلسف: دليل استخدام و5 ركائز أساسية 26 أبريل، 2026 عندما يغير الكتاب فهم القارئ لنفسه والعالم 26 أبريل، 2026 الممثلة الألمانية ساندرا هولر تتألق عالميا بعفوية 26 أبريل، 2026 فيلمان فرنسيان عن بدايات ديغول و”صانعه” 26 أبريل، 2026 أوسكار متوتر… والسينما الأميركية تتصدر الجوائز 16 مارس، 2026 الأوسكار 98: “بوغونيا” يحصد الجائزة الكبرى و”صوت هند... 16 مارس، 2026 “مفجر البارثينون” رواية يونانية تفكك قداسة الماضي 16 مارس، 2026 تولستوي ينصر الإنسان ضد آلة الحرب في “حاجي... 16 مارس، 2026 ماهلر حذف ثلث مغناته “أنشودة النحيب” ثم ندم 16 مارس، 2026 يورغن هابرماس رائد النظرية النقدية في زمن الاضطراب 16 مارس، 2026