ثقافة و فنون عندما “فرنَسَ” هوغو وغونو عوالم شكسبير by admin 14 مايو، 2026 written by admin 14 مايو، 2026 21 لولا “فاوست” غوته لكانت أوبرا “روميو وجولييت” الحدث الموسيقي الأكبر اندبندنت عربية/ إبراهيم العريس باحث وكاتب من المعتاد أنه ما إن يذكر اسم الموسيقي الفرنسي شارل غونو (1818 – 1893) في فرنسا، حتى تخطر في البال الأوبرا التي اقتبسها في عام 1859 عن مسرحية غوته الكبرى “فاوست” بحيث أن الأمر سرعان ما يوحي وكأن غونو لا يمكنه أن يعرف إلا بتلك الأوبرا الواحدة المتفردة التي أبدعها طوال حياته. ومع ذلك ليسوا قلة أولئك المؤرخون والنقاد الذين حرصوا دائماً على تعديل الصورة إنما من دون أي انتقاص من أهمية تلك الأوبرا ودورها ليس في حياة ملحنها فقط، وإنما أيضاً وبخاصة في تاريخ الموسيقى الفرنسية وربما عولمتها أيضاً خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشرعلى الأقل. وهم لذلك يذكرون كم أن غونو كان في اختياره مواضيع أوبراته من أنصار اللجوء إلى الأعمال الأدبية والتاريخية الكبرى، على عكس زملاء له كانوا يفضلون النهل من نصوص وأشعار ثانوية الأهمية لإضفاء الأفضلية على الموسيقى مقابل النص الشعري. كان غونو يرى في اختيارات أولئك الزملاء كسلاً فكرياً، ومحاولة للتخلص من ضرورة الاشتغال على موسيقى كبيرة لنصوص كبيرة. ومن هنا، لم يكن صدفة أن يشتغل غونو في أعماله على نصوص عن يوليسيس انطلاقاً من هوميروس، وعلى أشعار تتحدث بلسان الشاعرة الإغريقية “سافو” وعن حياتها، وكذلك أن يتصدى أوبرالياً للبطلة التاريخية القومية الفرنسية “جان دارك”. ولكن لم يكن من الصدفة أيضاً، وعلى أكثر من صعيد هذه المرة، أن يموسق في عام 1867 رائعة شكسبير “روميو وجولييت” في نوع من تحد أشفق عليه بسببه كثر من معارف ورفاق كان أخبرهم بعزمه على ذلك متذرعين، بأن كثراً قبله قد حاولوا ونجحوا، وأن المسرحية شعبية إلى درجة قد لا تتيح له أن يضخها بموسيقى مقنعة. لكنه لم يستمع إليهم وخاض التحدي بشكل يمكننا أن نقول معه إنه لحسن حظ فرنسا والموسيقى الفرنسية قد فعل ذلك. بل نقول أيضاً، إن غونو ولولا إنجازه “فاوست” قبل العمل الشكسبيري بسنوات قليلة، لكان جعل من “روميو وجولييت” واحداً من أعظم الأعمال الأوبرالية الفرنسية في تلك الأزمنة. غير أن الأمر في مجال المقارنة يتوقف بالنسبة إلينا ها هنا، لننتقل إلى حديث “روميو وجولييت” في منأى من ذلك كعمل قائم بذاته يتعين دائماً العودة إليه لدى الحديث عن الأوبرا الفرنسية، وتناسي “فاوست” لدى الحديث عن غونو. تقاليد فرنسية غنائية ولكن قبل ذلك قد يكون من الضروري إيراد توضيح لمسألة تحمل شيئاً من الغموض. فالواقع أن الموسيقى التي وضعها غونو للمسرحية الشكسبيرية يحدث لها أن تستخدم خارج نطاق بعدها الأوبرالي لتقدم على شكل متتابعات باليه راقص. ولقد غلب هذا الاستخدام بحيث يتعين دائماً، التذكير، كما نفعل هنا، بأن العمل أوبرالي من أوله إلى آخره. وأن غونو لم يكتب في الأصل موسيقى باليه بل أوبرا متكاملة تعتبر دائماً واحدة من أعظم اللحظات التي التقت فيها الرومانسية الفرنسية بأدب شكسبير في القرن التاسع عشر. واللافت أن هذه الأوبرا تألفت من مقاطع موسيقية هائلة تمخضت عن مشاهد راقصة جعلت العمل ككل قريباً من تقاليد المسرح الغنائي الفرنسي الذي يزاوج بين الغناء والباليه والاحتفال البصري. ومهما يكن من أمر تكمن أهمية هذا العمل الأولى في الطريقة التي أعاد بها غونو قراءة شكسبير من منظور فرنسي رومانسي. ففي النص الشكسبيري الأصلي، كما يرى النقاد، تتجاور المأساة مع التأمل الفلسفي والسخرية والعنف الاجتماعي، أما غونو “فقد ركز بصورة أساسية على العاطفة الغرامية محولاً ما هو مأساوي إلى قصيدة غنائية عن الحب المستحيل”. ومن هنا جاءت الموسيقى مشبعة بالليونة والشفافية الميلودية بعيدة من الدراما الثقيلة التي كانت، في المرحلة ذاتها، تسم بعض أوبرا المرحلة الألمانية وخصوصاً أعمال ريتشارد فاغنر. شارل غونو (1818 – 1893) (الموسوعة البريطانية) بين الصوت واللحن لقد اختار غونو أن يجعل الصوت البشري مركز التجربة والاختبار في تلحينه هنا، فبدت الثنائيات الغنائية بين روميو وحبيبته مثلاً وكأنها امتداد طبيعي للغة الشعر عند شكسبير. والمثال الأسطع على ما نقول تلك القطعة الرائعة المعنونة “فالس جولييت” الشهيرة، والتي ينظر إليها مؤرخو الموسيقى المهتمون بفن غونو باعتبارها عملاً يكشف قدرة هذا الأخير على رسم الشخصية بالموسيقى. فالشابة هنا، وبحسب المحللين، لا تظهر ومنذ البداية كما يتوقع منها أن تكون، أي بطلة تراجيدية، بل تقفز أمامنا كفتاة مراهقة مغناج مرحة تنبض بالحياة. ومن هنا يأتي التحول التدريجي من البراءة في أقصى تجلياتها إلى المأساة في أصعب قسوتها، واحداً من “أعظم الإنجازات الأوبرالية نفسياً وموسيقياً”. وكذلك استطاع غونو أن يخلق توازناً دقيقاً بين الحميمية العاطفية والمشهدية الاحتفالية الجماعية. وهو ما يمنح العمل طابعاً مسرحاً جذاباً ظل حياً حتى اليوم. وما يقال عن “فالس جولييت” هنا يمكن قوله عن مقطوعات أخرى اتخذت مكانتها في تاريخ الموسيقى ولو متفرقة أحياناً كالديالوغ على الشرفة بين العاشقين ومشهد موتهما تباعاً وما إلى ذلك. الظرف التاريخي بيد أن الأمر الذي لا يقل عما ذكرناه أهمية، إنما هو واقع أن هذه الأوبرا التي لا نتورع عن وصفها بالاستثنائية، قد جاءت في لحظة كانت فرنسا تعيد فيها اكتشاف شكسبير بعد غيابه الطويل عنها، بوصفه رمزاً للعبقرية الدرامية الحديثة. فمنذ مطلع القرن التاسع عشر كان الكاتب الإنجليزي الكبير قد أضحى مرجعاً أساسياً للرومانسيين الفرنسيين بدءاً من “معيد اكتشافه” فيكتور هوغو الذي رأى فيه نموذجاً للتحرر من القواعد الكلاسيكية الصارمة. وفي هذا السياق بالتحديد يمكن القول إن أوبرا غونو قد جاءت لتؤكد كيف أن المسرح الغنائي الفرنسي قادر على استيعاب الأدب الشكسبيري وإعادة إنتاجه بلغة موسيقية خاصة. ولقد تضاعفت أهمية ذلك كله انطلاقاً من ارتباط تقديم هذه الأوبرا المعولمة بإقامة معرض العام 1867 الدولي في باريس كحدث ثقافي عالمي أرادت فرنسا من خلاله، وكما يفيدنا المؤرخون، إظهار تفوقها الفني وانفتاحها الحضاري على العالم في عهد الإمبراطورية الثانية. ومن هنا لم يكن النجاح الذي حققته هذه الأوبرا، نجاحاً فنياً وحسب، بل كان كذلك تعبيراً عن وثبة الثقافة الفرنسية بنفسها في مواجهة صعود المدارس الموسيقية الأوروبية الأخرى. إذ لا ننسين هنا أن تلك الحقبة بالذات، كانت تلك التي شهدت ذروة “تقاسم” الألمان من طريق فاغنر، بخاصة، والإيطاليين، من طريق فيردي بالطبع، زعامة فن الأوبرا في العالم، ما شكل في وجه غونو تحدياً بالغ القوة والخطورة تمكن على أية حال من مجابهته بأوبراه “فاوست” ذات الموضوع الألماني من ناحية، ثم بأوبراه التالية “روميو وجولييت” ذات الجذور والمناخات الإيطالية من ناحيتها. وكان هذا يكفي ذلك الفنان الفرنسي فخراً بالطبع… المزيد عن: شارل غونو فيكتور هوغو ويليام شكسبير فاوست روميو وجولييت الفن الأوبرالي 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post Les ingrédients du fentanyl affluent au port de Vancouver, selon une agence américaine next post العمارة في السينما المصرية تعكس انحياز المخرجين You may also like العرافة الفرنسية فينوس “تكهرب” جمهور مهرجان كان 14 مايو، 2026 كالدر… السائر على الحبل المشدود بين الفن والحياة 14 مايو، 2026 العمارة في السينما المصرية تعكس انحياز المخرجين 14 مايو، 2026 محمود الزيباوي يكتب عن: نقوش تصويرية من قصر... 13 مايو، 2026 مهرجان كان ينطلق مثقلاً بأسئلة الحروب ومستقبل السينما 13 مايو، 2026 فخ الذاكرة ولعنة الماضي في “متحف الأخطاء” 13 مايو، 2026 معرض الرباط للكتاب “يجامل” فرنسا و”يستعين” بالمشاهير 13 مايو، 2026 بين ديغول وتشرشل… لقاء وافتراق 13 مايو، 2026 عباس بيضون…البحر من الطابق الثامن 12 مايو، 2026 رحيل عبدالرحمن أبو زهرة “الابن الأصيل” للفن المصري 12 مايو، 2026