Saturday, March 7, 2026
Saturday, March 7, 2026
Home » عبد الرَّحمن بسيسو قَبْوٌ وَقُبَّة (3)

عبد الرَّحمن بسيسو قَبْوٌ وَقُبَّة (3)

by admin

“الْعَربُ يَقْبَعُونَ فِي دَيَامِيْسِ أَقْبِيَةٍ مُعْتِمَةٍ بِلَا قَرارْ، وَعَلى مُثَقَّفِيهِم الْحَقِيقِيِّينَ، الْمُنتْتَمِينَ الأَوْفِيَاءْ، وَاجِبُ جَعْلِهَا قِبَابَاً مُنِيْرة”

(3)

إِعْمَالُ الْعَقْلِ وتَرْشِيدُ الْعَالَم

“لَيْسَ مِنْ سَبِيلٍ أَمَامَ الْبَشَريَّة الحُرَّة بِأَسْرِهَا، كَيْ تُدْرِكَ، عَنْ حَقٍّ، إِنْسَانِيَّتَهَا، إِلَّا أنْ تُعْمِلَ عَقْلَهَا، انْتِصَاراً لِنَفْسِهَا، وتَجْسِيدَاً لِحَقِيقَتِهَا، واسْتِنْهَاضَاً لجَوْهَرِ هُوِيَّتِهَا وحَضَارَتِهَا.”

مُنْذُ بِدْءِ الْبِدْءِ، وَفِي جَمِيْع الثَّقافات الْإِنْسَانِيَّة عَلَى تعدُّدها وتنوِّعها الْخَلَّاق، عَكَفَ الْفَلَاسِفَة والعُلَمَاءُ بَلْ رُبَّمَا جَمِيْع من أدركَ تَوافُرَهُ عَلَى عَقْلٍ مِنَ النَّاسِ، عَلَى تأمُّل هَذَا الْعَقْل بِالْعَقْلِ، ليَعْرِفُوا حَقِيقَةَ كَيْنُونَتِهِ وَجَوْهَرَ مَاهِيَّتِهِ ومَخْزُونَ طَاقَتِهِ وآفَاقِ قُدْرَتِهِ، فَيَتَعَرَّفُوهُ عَنْ كَثَبٍ، ويُعَرِّفُوه، لِيُتْقِنُوا إِعْمَالَهُ وتوظيفَ طَاقَاتِهِ وقُدُرِاتِهِ الهَائِلَة فِي إِبْدَاعِ الحَضَارَةِ الْإِنْسَانِيَّة ومُتَابَعَةِ تَجْدِيدِهَا والارتقاءِ بِهَا، وَذَلِكَ إخْلَاصَاً لمعنى الْحَيَاة، وسُمُوَّاً بهُوِيَّة الْإِنْسَان، والتزاماً بأَدَاءِ مَهَمَّتِهِ السَّامِيَة فِي فَضَاءَاتِ الْوُجُودِ المُتَعَيَّن ومَدَاراتهِ جَمِيعَاً.

لَوْ لَمْ يُعْمِلُ الْإِنْسَانُ عَقْلَهُ مُنْذُ لَحْظَة وجُودِهِ الْأُولَى عَلَى سطح كوكبنا، لما كَانَ لِلْإنْسَانِيَّةِ أنْ تشرعَ فِي خَوضِ مُغَامَرَتَهَا الْأُولَى المُجَسَّدة فِي الْأَسَاطِير بوصفها غطاءً فكرياً لِلْوُجُود الْإنْسَانِيِّ وخُطَطَ عَمَلٍ لمستقبلٍ قَابلٍ للتَّحقيق، ولما كَانَ للحضارة الْإِنْسَانِيَّة أنْ تبزعَ وأنْ تتطوَّر وترتقي، وأنْ تكتنزَ من الأفكار وَالرُّؤَى والرِّسالات والطَّاقات مَا يحملها إِلَى مزيدٍ من التَّطور والارتقاء اللَّذِين حملاها إِلَى عُلوٍّ يُجَسِّده جَوْهَر الحَضَارَةِ الْإِنْسَانِيَّة الَّتِي نعيش فِي رحابها اليَومَ، وليسَ قُشُورَهَا الَّتِي تَسْتَعِيضُ سلطاتُ الاسْتِبْدَاد والْعَتْمَة بِهَا عَن جَوْهَرِهَا!

غَيْر أنَّ نُكُوصَ كَثْرَةٍ مُتَكَاثِرَةٍ من النَّاس عَن تحكيم الْعَقْل لأسبابَ عديدةٍ لَيْسَ أقلُّها تعرُّضَهُم، عَلَى يَدِ قُوى الجَشَعِ والطَّمع وَالاسْتِبْدَاد والاسْتِعْمَارِ والتُّعصُّب والتَّطرُّف والغُلُوِّ وعِبَادةِ الْعَتْمَةِ وتقديسِ السِّحر الأسود وَالْخُرَافَة واستلال سُيُوف الإِرْهَاب الأَعْمَى، لِمَظَالِمَ حالت دونهم ومُواصلة إِعْمَالِهِ، قَدْ أَفْضَى إِلَى إِعْمَال نَقِيضِهِ غَيْر المَوجُودِ فِي مُكَوِّنَات هُويَّة الْإِنْسَانِ الفِطْريَّة مِنْهُ إلَّا إلْغَاؤهُ على نَحْوٍ يُعَدِّمَ فَاعِليَّته فَيُوَجِّل وُجُودَهُ. وَإِلَى ذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ لِهَذَا النَّقِيضِ اللَّاعَقٍليِّ، وغَيْرِ الْإنْسَانِيّ، إِلَّا أنْ يُنتجَ مَا يَسُودُ عَالمَنَا اليَومَ من آيديولوجِيَّات عنصريَّةٍ تفتيتيَّةٍ، وَمِن وَاقِع تناحُريٍّ قاتمٍ، شَرسٍ ومريرٍ، يُنبئُ بانهيار الحَضَارة الْإِنْسَانِيَّة ومَوتِ الْإِنْسَانْ!

وَلَيْسَ ثَمَّةَ مِنْ أَدِلَّةٍ أَكْثَر سُطُوعاً عَلَى هَذِهِ الانْتِقَالَةِ غَيْرِ الْحَضَارِيَّةِ، وغَيْرِ الْإِنْسَانِيَّة، الَّتِي تَتَأَسَّس عَلَى إعْدَام الْعَقْل، إِلَّا هذين اللَّذين شرعَا يَتَصَاعَدَانِ ويتمدَّدانِ الْآنَ، بعد أنْ شقَّا طريقهما فِي أرجاءِ كَوكَبِنَا الأرضيِّ، ومَسَارات تاريخنا، مُنْذُ أَمدٍ بعيدٍ، من تطرُّفٍ وإرهابٍ مُتَعَدِّدَيِّ المنابعِ والمواقع والاتِّجَاهات والتَّوجهات والغَايَات، مِنْ جِهَةٍ أولى، وإلا هَذَا الَّذي أَخَذَ يتوالى الإقْدَاُم عَلَى تنفيذه من استراتجِيَّات عَمْياء، تَتَأَسَّسُ بدورها عَلَى تَغْييب الْعَقْل، لمواجهة هَذَا الإِرْهَاب غَيْر المَشْرُوع بإرهابٍ آخَرَ يُرادُ لَهُ، زيفاً وبهتاناً، أنْ يَكُون إرهاباً مَشْرُوعاً يُقرُّه الْعَالَم، من جهةٍ ثانية!

فَهَلْ لِمُواجَهَةِ الإِرْهَابِ بالْإِرْهَابِ أنْ تُؤَسِّسَ لِشَيءٍ سِوَى إعْدَامِ الْعَقْل وتَعْمِيمِ الإِرْهَابِ وتغذيته وتجديد منابعه وتوسيع مَجَالَات حضوره وتنويع دوافعة وتجلياته وتحفيزه عَلَى التَّجذُّر  فِي الْأَرْض ونثر بُذُوره السَّوداء فِي جَمِيْع الْمُجْتَمَعَات الْإِنْسَانِيَّة عَلَى امتداد كوكبنا، لتصير هَذِهِ الْمُجْتَمَعَات بِمَثَابَةِ مزارعَ ترعاها قوى الإِرْهَاب والإرهاب المُقَابل لاسْتِنْبَاتِ الْمَزِيد من الإرهابيين والمُنظَّمات الإرهابيَّة الَّتِي تُريد أنْ تكون بديلاً أخيراً للدُّول الْحَضَارِيَّةِ المَدَنيَّة الدِّيمُوقْرَاطِيَّة الحَدِيثَة الَّتِي أنتجتها حَضَارةُ الْإِنْسَانِ عَبْرَ تجارب تاريخِيَّة مَديدةٍ، قاسيةٍ ونبيلة، فِي آنٍ مَعَاً؟!

وَهَلْ ثَمَّةَ من منهجٍ أَوْ أُسلوبٍ ناجعٍ يُمْلِيه الْعَقْل لمواجهة الإِرْهَاب واستئصاله مِنْ جُذُوره والقضاء نهائياً عَلَيْهِ وإغلاق إِمْكَانِيَّة عودته إِلَى الظُّهُور، مُجدَّداً، فِي حياتنا وعالمنا، سِوَى استئصالِ جَمِيْع الأسباب والدَّوافع الجذريَّة، ولا سِيَّمَا  منها الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة والسياسيَّة والآيديولوجِيَّة المتعدِّدة، الَّتِي أنتجتهُ، والكفِّ عَن إنتاج دوافعَ وأسبابٍ تَحْفِيزِيَّة تُسْهِمُ فِي تمدُّده أَوْ إعادة إنتاجه؟!

نَعَمْ، لَيْسَ منْ سَبِيلٍ أَمَامَ الْبَشَريَّة الحُرَّة بأسرها، كَيْ تُدْرِكَ، عَنْ حَقٍّ، إِنْسَانِيَّتَهَا، إِلَّا أنْ تُعْمِلَ عَقْلَهَا، انتصاراً لِنَفْسِهَا، وتجسيداً لحقيقتها، واستنهاضاً لجَوْهَرِ هُوِيَّتِها وحَضَارتها. وَلَيْسَ لَهَا إِلَّا أنْ تَشْرعَ، مِنْ فَوْرِهَا، فِي فِعْلِ هَذَا، وَذَلِكَ عَبْرَ حِرَاكٍ ثَقَافيٍّ إِنْسَانيٍّ مُتَفَاعِلٍ، شَاملٍّ مُتَكَامِلٍ، يُضِيءُ وعيَ النَّاس، فَيُرَشِّدُ السِّياسَةَ، ويُرْشِدُ السَّاسَة.

إِنَّهُ الوَعْيُّ الحقيقيُّ المُؤَصَّلُ، عَقْليَّاً ومنطِقيَّاً، والَّذي يدعو إِلَى، ولا يَكُفُّ عَنِ، التَّحفيز عَلَى، مُجَافَاة الإِرْهَاب ونَبْذِهِ، واقْتِلاعِهِ مِنْ جُذُوره، واسْتِئْصَالِهِ شَأَفَتِه، أياً مَا كَانَ مَصْدَرُهُ، أَوْ كَانَ مُسَوِّغُهُ ومَقْصَدَهُ، وأياً مَا كَانَ مُرْتَكِبُوه. إِنَّهُ الوَعْيُّ الَّذي يُلِحُّ عَلَى إنْفَاذِ القَانُون الدَّولي، وشرعة حُقُوق الْإِنْسَان، بلا مُحَاباةٍ أَوْ تمييزٍ أَوْ ازدواجِ معايير، فِيْمَا هُوَ يُلِحُ عَلَى الإسْرَاع فِي رَفْعَ المَظَالمِ التَّاريخيَّة، المأساوِيَّة القَاسِيَة، الَّتِي أزمنت حَتَّى ترسَّخت فَأَيئَستِ النَّاس! وكَذَلِكَ هُوَ الوَعْيُّ الَّذِي يُرسِّخُ، فِي شَتَّى تَجَلِّيَاتِ السُّلوك الْإنْسَانِيّ، حقيقةَ أنَّ النَّاس سَواسِيةٌ، وأنَّ جَمِيْع حُقُوق النَّاس حقٌّ أَصِيلٌ لا يُنَرعُ ولا يُستبْدلُ ولا يَبْطُل أَوْ يُبْطَل، ويَنْبَغِي أنْ يَكُونَ، دَائِمَاً وأَبَدَاً، حَقَّاً مَكْفُولَاً لِجَمِيعِ النَّاس!

عبد الرَّحمن بسيسو

 

You may also like

Leave a Comment

Editor-in-Chief: Nabil El-bkaili

CANADAVOICE is a free website  officially registered in NS / Canada.

 We are talking about CANADA’S international relations and their repercussions on

peace in the world.

 We care about matters related to asylum ,  refugees , immigration and their role in the development of CANADA.

We care about the economic and Culture movement and living in CANADA and the economic activity and its development in NOVA  SCOTIA and all Canadian provinces.

 CANADA VOICE is THE VOICE OF CANADA to the world

Published By : 4381689 CANADA VOICE \ EPUBLISHING \ NEWS – MEDIA WEBSITE

Tegistry id 438173 NS-HALIFAX

1013-5565 Nora Bernard str B3K 5K9  NS – Halifax  Canada

1 902 2217137 –

Email: nelbkaili@yahoo.com 

 

Editor-in-Chief : Nabil El-bkaili
-
00:00
00:00
Update Required Flash plugin
-
00:00
00:00