ثقافة و فنونعربي شبان استلهموا حريّتهم من روح نصب جواد سليم by admin 18 ديسمبر، 2019 written by admin 18 ديسمبر، 2019 218 رسومات نفق ساحة التحرير: مواهب تزيح سطوة الخراب عن بغداد العالم الجديد /بغداد – حسام السراي تحوّل نفق ساحة التحرير، حيث مركز الاحتجاجات في بغداد وميدان المعتصمين فيها، إلى فضاء يتبارى فيه الفنّانون الشباب في أعمال من الغرافيتي والرسومات التي تجسّد الحدث الاحتجاجي الأكبر والأهمّ في عراق ما بعد نيسان 2003. وبعد أسابيع من الاعتصام في ساحة التحرير، فإنّ النفق واحد من العلامات المفرحة الكثيرة على طبيعة وتكوين الجيل الجديد الذي يقود التظاهر؛ لجهة الإقدام والرغبة بفعل شيء يعبّر عنه في المجال العام الذي طالما كان محتكراً للسياسيّين ورجال الدين. بين الغرافيتي المتقن لفنّانين لهم تجاربهم وبين أعمال لهواة في بدايات تشكّلهم الفنيّ، صار النفق مزدحماً بتوظيف غير مسبوق لطاقات خرجت للمرّة الأولى إلى العلن بهذا المستوى والقوّة، على مسافة أمتار من نصب الحريّة لجواد سليم (1921-1961)، ليكون تسجيلاً لموقف (وطنيّ وثقافي) لهذه المواهب وسط جموع الشباب المنتفضين. آدميون وعلم وشعلة وسط عشرات الرسومات، برز أكثر من شغل باحترافية التنفيذ، منها عمل سنان حسين (التشكيلي المغترب)، الذي هو بانوراما الملحمة العراقيّة الحالية في أوضح تجلٍ لها؛ الآدميون مشدودون إلى جملة من المخاطر: القتل والتشظي إلى أشلاء، الإصابة، الخوف الرهيب الذي امتدّ لعقود في النفسية العراقيّة، أما إبداء رفضهم للواقع، يظهر في أقصى درجاته محاطاً بعلم عراقي وشعلة تتطلّع للآتي وفي الوسط التكتك المتحرّك على الدوام. ولسنان حضور آخر في محفل الرسومات هذا، عبر تصويره للمنازلة الجارية بين المحتجّين ومن يصدهم ويقمعهم، فالفضاء الأبيض جعله منبراً يعرض فيه الواقع كما هو بين الطرفين، الذي يشهر السلاح والذي يصرخ مطالباً بحقّه وحوله أطياف صحبهِ من الضحايا التي تصعد إلى فوق أكثر فأكثر. قلنا منازلة لأنّ الفنّان ترجمها حتّى في الألوان: محيط أبيض وخطوط للأجساد والملامح والقنابل بالأسود. أحمر كشّاف عمل باقر ماجد كان من بين الأعمال المتفرّدة أيضاً في النفق، على صعيد تلوين الفضاء العام بـ (الأحمر) وتخطيط الشخوص، فالتوحّش تمثّله وجوه القتلة وأجسادهم وهي تجتاح العمل من أوّله إلى آخره، بينما الضحايا لا يمثّلهم إلا لون الدم مطوّقاً حملة السلاح وهم مكشوفون أمام الجميع، وثمّة أعين دامعة تراقب هذه المقتلة وتفضح حقيقتها. ولباقر لمسة ثانية في النفق، يسخّر فيها هذا الصراع بين ضفتين في مساحة ليست بعيدة عن عمله الأوّل، سطح كامل من السواد فيه قاتل يشغل زاوية صغيرة فقط (يُظهر وحشيته من خلال شكل الفم والأسنان)، ومواطنون على حافة الخطر ووجوههم وأجسادهم مشرعة للفتك وبقربهم تصعد أرواح زملائهم إلى السماء ومعها ريشة سقطت من حمامة سلام لعلّها كانت تطير في “التحرير”!. هنا التقت الطاقة التعبيريّة للفنّان مع مشاعره وميوله كمتظاهر وثائر، يرى الأفق يتّسع لصالح هذه الجموع سواء الحيّ منها الذي سيبقى أم الشهيد الخالد الذي رحل، بينما وضع من يقنصهم ويلاحقهم في مجال صغير من جداريته، فلكلّ منا حجمه في الحياة والرسم والتاريخ الإنساني. ويقدّم حيدر سالم اسكندر عملاً غرافيتيّاً فيه مواجهة بين التخفّي والإشهار، وبين الإجرام المقنّع وأصحاب المطالب الحقّة. في حين تبدو السماء لدى حيدر سحابة كبيرة تجسّد المأساة العراقيّة القائمة منذ سنوات، ويبدو التكتك الصغير في مواجهة أسطوريّة للموت الممثّل بتابوتٍ يريد أن يختطف المشهد كلّه، ارتباطاً بما يعنيه حراك الشباب من عفوية أمام قوى وجماعات لا حصر لها ولامتداداتها. حروفية للشهداء أمّا الرسّام الشاب سجّاد مصطفى، فإنّه انطلق من حساسية عالية جعلت منجزه في النفق متفوّقاً على الكثير مما رسمه أقرانه على الجدران هناك، بتخطي أعمال نزعتها تشخيصيّة وأخرى (عددها أقلّ) نزعتها تجريديّة في النفق، عبر الحرف وحده واستثماره ليكون الوسيلة الإظهاريّة لقيمة هذه الثورة بما قدّمته من تضحيات، والذهاب بفكرة تخليد هؤلاء الشهداء إلى أعلى درجات التمثيل والإدهاش، حينما استعاض عن وجوههم بأسمائهم. ولعلّ قوّة الجذب في العمل نابعة من حالة التوافق بين الطابع التصميمي العام (بنحو دائري) وطريقة رسم الأحرف المائلة والمتراصفة بوصفها عناصر تشكيليّة مهمتها هنا أبعد من وظائف الخط العربي المتعارف عليها، إنّما ببعدين؛ توثيقي لمن رحل؛ واعتباري يريد أن يرسّخ بحروفه جوهر السلميّة التي ينشدها المحتجون حتّى وهم ينعون زملاءهم بطرق حضاريّة، ومنها قدوم هذا الشاب البصراوي من أقصى الجنوب العراقي إلى بغداد التي أقام فيها لأيّام كي يكمل هذا العمل ويترك هذه العبارة في وسطه: “من البصرة الفيحاء إلى بغداد السلام”. وتواصل مجموعة فنيّة توثيق أسماء الشهداء بكتابة أسمائهم على واحدة من أكبر المساحات في النفق، إذ يُحدِّث أفرادها الأسماء بين يوم وآخر، واضعين الشهيد الجديد بلون مختلف كي يسهل التفريق بين اسم وآخر! بورتريه إبن ثنوه ولأنّ الشهيد صفاء السراي أهمّ رموز هذه الثورة الشبابيّة؛ إذ فارق الحياة بعد إصابته بقنبلة غاز مسيل للدموع في ساحة التحرير (29 تشرين الأوّل الماضي)، فكان لا بدّ ممّا يخلّد وجوده في النفق، عمل أوّل عنه مطلّاً من شمس خلفه ولقبه “إبن ثنوه” في منتصف الرسمة (ذاع كثيراً بعد استشهاده نسبة إلى اسم أمّه ثنوه التي فارقت الحياة بسبب السرطان)، صفاء هنا محلقاً بروحه التي تطلّ على التحرير بما فيه من مظاهر الاحتجاج (التكتك طبعاً أحدها). وعمل ثانٍ رسمه أنور البديري في بورتريه عن صورة التقطت له قبل أيّام في المكان ذاته، وإلى جواره عمل ثانٍ يوثّق وقفة شاب متظاهر مرتديّاً الخوذة لحماية نفسه من القنابل، ولسان حاله يقول: “في القلب شيء لا تقتله البنادق، إنّه الوطن” وفوقها بالانجليزيّة: “All what I want is life”. تكتك عراقي ربّما نال التكتك و”المطعم التركي” الذي يعتصم فيه المتظاهرون النصيب الأكبر من هذه الأعمال، منها عمل “عبدالرحمن سداد” عن التكتك الذي رسمه وجواره نصّ لهتاف المتظاهرين: “تك تك تك يا أم سليمان/ تكتكنا بين النيران/ تكتكنا شايل غيره/ تسوه (أي تعادل) أمريكا وايران”، البعد القرائي الأوّل لهذا النصّ إنّه يريد الانتصار للذات العراقيّة في ساحة محليّة يحتدم فيها الصراع الدولي. وقدّم كلّ من ستّار جاسم وأحمد ماجد ومهند الساعدي ومحمد جبار عملاً آخر عن التكتك بوصفه “إسعاف الشعب”. سماؤنا وسماؤهم الشعب والشغب في أحد الرسومات على جسر واحد، تقابل قسريّ بين عراقيّين، رجال السلطة المأمورين (يميناً) بمواجهة أبناء شعبهم (شمالاً)، بينما السماء في جهة الشعب لونها طبيعي وصافٍ، وفي الجهة الأخرى لونها معتم وغيومها سود. نقطة “الغين” في شغب حمراء، تحمل إحالة إشاريّة واضحة؛ لأنّ الدم يلتصق بالضحية لساعات أو ليوم، بينما يبقى ملاحقاً مَن يسفكه إلى الأبد؛ من هنا جاء سبب ارتكاز هذه البقعة في الجانب الأيمن واشتركت كلّ من هند علي وشهد سعد في عمل يحمل هذه الضدّية بين الشغب والشعب، عبر استحضار رسم صندوق موسيقي لآلة “غيتار” وتحته نوتات منتشرة بنسق منتظم، يقابلها في الجزء الأيمن كلاشنكوف متهيّئ للإطلاق وتحته أسلاك شائكة. الرسمة تنطلق من التوصيف ذاته، حيث صوت المتظاهر متواشج مع أفعال مدنيّة منها ما عزفه الموسيقيون في الساحة من أناشيد ومقطوعات نذروها لهذه الوثبة، وهناك في الجهة الأخرى السلاح المستعد لتنفيذ الأوامر لا أكثر. وفي مقاربة تجعل مشهدية الساحة وغضبة المحتجّين حاضرة في النفق، في واحدة من الانفعالات الحيّة التي حصلت وتداولتها الفضائيات لمجموعة شبان لا يتراجعون أمام سيل من الدخان وأصوات إطلاق الرصاص، ليوثّق كروب “لمة وطن” هذه اللقطة المألوفة في مواقع التواصل، مؤطّرين حركات كلّ هؤلاء المحتجّين بعبارة :”يلا نعيش”، ويبدو أنّه تأويل لهذا الغضب علّه يصنع حياة وعيشاً آخر للعراقيّين، من هنا أتى التباين بين هيئات الأجساد في الأسفل وما يعتليها من كتابة. إنساننا المهدور في زاوية من النفق، نلحظ غرافيتي مختلف لعراقي تكالبت عليه العقود وبقي حتّى حلول تشرين حيّاً يتنفس، ها هو برأس مفزوع وملابس مهترئة وكيان متآكل، وعليه ضمادات تنجيه من النزيف الجديد الذي حلّ به لأّنّه رفع علم بلاده فقط. هو هذا الإنسان المهدور، دمه وآماله وعمره وانتماؤه جميعها كانت مهدورة، لكنّه ينهض من بين هذا الهدر العميم وينتفض من أجل أن يغيّر شيئاً في معادلات كبرى حظرت عليه أحلامه الصغيرة وبينها بقاؤه واقفاً في “التحرير” من دون دماء. شيفرة التضامن: كمامة يحاول وسام جزي، الفنّان البابلي الشاب، أن يضع بصمة ترتقي بتوقيعه على حائط النفق بين جملة الإمضاءات والأسماء، في جدارية أرادها تشييداً لصورة بانوراميّة تنتمي إلى الواقع لكنها تؤسّس للمستقبل، بعلامات وضعها بقصدية عالية، وهي أنّ شخوص رسمته متضامنة متأهّبة لفعل الاحتجاج وأدواته وأبرزها الكمامة التي استخدمها المتظاهرون لحمايتهم من الغاز المسيل للدموع. وفي وسط المتضامنات والمتضامنين من الناس لوحة رقم لتكتك مسجّل باسم “بغداد/ ثورة”. أمّا تصدّر المرأة للجدارية ترجمةٌ لوجودها المُفارق هذه المرّة بمركزيته، وليس كليشيه “نصف المجتمع” المقصي الذي يظهر في الحياة العامّة خائفاً ومتراجعاً إلى الخلف. ومهم أن نشير إلى ما يلمسه أي متابع للطبيعة التي جسد بها جزي شخوصه، إذ كأنّنا نجد تأثّراً هنا وهناك بتجارب فنيّة عراقيّة رائدة. وجود ناعم رسومات أخرى كانت تأكيداً جماليّاً على الحضور الجديد للمرأة العراقيّة في التظاهرات، الذي أتاحته ساحة التحرير بعد أن كانت ملامحه متوارية عن الفضاء العام كما نوهنا أعلاه، وبتجاور بين صاحبات الشعر الأسود والأشقر وغيرهن من المحجبات، كانت الرسومات جامعة لذلك كلّه، كما في عملين يبرزان قوّة الوجود الناعم في هذه الثورة الشبابيّة، الأوّل يحمل رمزية حضور الفتاة في ميدان الاحتجاج التي كثيراً ما كانت تتوجّس من المجتمع؛ في شغل لفاطمة حسام (20 عاماً) لتكون حركة اليد معبّرة ووافية ومعها هذه الجملة: “هكذا نساؤنا” (وإن كانت الشخصية مستوحاة من “ناعومي باركر” التي عُرفت في الحرب العالمية الثانية). في حين مثّل عمل أحمد طارق تناغماً بين ثلاث علامات سطعت في هذه الأحداث، أوّلها علم العراق الذي ملأ شوارع بغداد واعتلى أكتاف النساء والرجال في مشهد غير مسبوق، وثانيهما هو الحضور النسوي بالعباءة العراقيّة المعروفة، وثالثهما هو التحدّي الكبير الذي تجسّد في المطعم التركي أو ما سمي بـ “جبل أحد”. مصهر أبيض أما العمل الذي يتوسّط النفق، فهو يقدّم المطعم المشار إليه بوصفه أيقونة للثبات والتلاقي بين أفراد يمثّلون قوى اجتماعيّة مختلفة، من أحياء الكرخ والرصافة ومن الجنوب العراقي مع شبان يأتون المطعم لساعات من الموصل والأنبار وصلاح الدين، بين كلّ هؤلاء شبان عاطلون عن العمل أصحاب شهادات عليا وكسبة وطلاب جامعات، إنّه مصهر وطني يوحّد الصاعدين فيه ببياض جدرانه وإن صدّعتها سنوات من الإهمال وسوء الإدارة والفساد. المطعم هنا يحتضنه الثور المجنح من جانبيه، إذ استمثر الرسّام، الذي لم يترك توقيعه، ما يمثّله الثور في الحضارة العراقيّة من قوّة وشجاعة بوصفه الملاك الحارس لأبواب سور مدينة (دور شروكين)، واليوم حارس لصمود الشباب في طوابق المطعم الـ 14. ويختار رياض الجبوري، وهو أحد طلاب كلية الهندسة في الجامعة المستنصرية، المطعم نفسه ليوجّه تحيّته إلى “أبطال التحرير” في رسم تشخيصي والجماهير ملتفة حول المبنى. فيروز في بغداد أراد علي الصالحي، وهو من المواهب الجديدة التي عرفنا اسمها حديثاً، أن يكرّم فيروز وأغنيّتها عن بغداد، بعمل غرافيتي لطلّتها المعروفة مطرّزة بمقاطع من كلمات “بغداد والشعراء والصور” للراحل عاصي الرحباني (1923- 1986): عيناك يا بغداد أغنية/ يغنى الوجود بها ويختصر..لم يذكر الأحرار في وطن/ إلا وأهلوك العُلى ذكروا”. وأفاد اللون الأسود الذي استخدمه الصالحي لتخطيط هيئتها، في لفت الأنظار لاحتفائه بها. هذه الالتفاتة تؤشّر دلالات عديدة لها صلة براهنية الأحداث واستعادة لبغداد التي نريد من خلال فيروز، حيث بلدها يشهد هناك حراكاً ثوريّاً مماثلاً، وفي الأخير هي تحيّة شبابيّة أيضاً بمناسبة عيد ميلادها الـ 84. حبّ بامضاء سومري أسامة صادق، بتجاربه السابقة في الغرافيتي ببغداد، توقّف هذه المرّة عند معنى يرتبط بما يريد الشبان إشاعته، عندما خطّ كلمة “الحبّ” مستوحياً طريقة رسم الأحرف من شكل الكتابة المسماريّة؛ للتميّز ضمن محيط تعدّدت فيه أنواع الخطوط في النفق، ولاستحضار البعد الحضاري السومري، ولبثّ علامة ايجابيّة وبعد تفاؤلي في ساحة تظاهر وبلد يبحثان عن الحبّ وتحاصرهما الكراهيات من جهات شتّى استعارات وشعارات وبرغم أنّ جميع هذه المواهب (عدا الأسماء المُحترفة) لا تمثّل أعمالها اتّجاهات فنيّة وفكريّة واضحة، لكنّها تعدّ استعارات من الواقع القائم ولحظة التحدّي الشبابيّة، إذ تكاد توازي ألوانها كلّ هذا الفرح المحاصر بالخوف وأنباء القنص والخطف التي تريد أن توقف حلم تشرين الكبير. جداريات عديدة ركّز أصحابها على تثبيت شعارات أكثر من اهتمامهم بتكوين مساحات ملوّنة لها عمقها ومعناها المؤثّر، شعارات مثل “نريد وطن” و”لا للقمع”، و”ما أضيعك يا عراق” لأمين أيمن وسارة أنور، و”25 أكتوبر ثورة حقيقية” و”أنا مثل وطني لست بخير” و”أول مرّة أعرف شنو يعني الوطن”، والعبارة الأخيرة أخذت حيزاً مناسباً جعلها لافتة بفعل ما يجري على الأرض من صعود للخطاب الوطني بأصوات الشباب الذين صاروا معبّرين حقيقيين عن الهويّة الوطنيّة الجامعة، في قطيعة مع كلّ الخطابات الطائفيّة والتنادي باسم المكونات الذي عرفناه كارتداد لآلية الحكم المعتمدة على المحاصصة بين الطوائف والقوميات. ومن هذا التجاور الجميل للشابات والشبان وانشغالهم بألوانهم ولحظتهم غير المسبوقة، نتوقف عند إثنين منهم أخذا يرسمان عملاً بدآه بعبارة: “الحكومة لا تعرف الحبّ”، حيث المجاميع المبادرة هناك في ورش مفتوحة لتعديل بعض ما صنعته أياديهم قبل أيّام، أو لالتقاط الصور التذكاريّة قرب جدارياتهم بكثير من الفخر والشعور بالزهو. ارتباط تاريخي ليست مصادفة أبداً أن تستظل كلّ هذه الإبداعات بنُصب جواد سليم، تستمدّ من قطعه الـ14 قيمة تحرّر كلّ هذه المخيّلات والرغبات المكبوتة، وهي تشغل، للمرّة الأولى، فضاء كاملاً وتعلن عن نفسها فيه بوضوح ومن دون مواربة، كما جرت محاولات مدنيّة سابقة اكتفت فقط بما أتيح لها من مساحة. هو تواصل فكريّ في سياق نضال شعب شاهد أفراده كثيراً قضبان السجن المكسورة في قلب النُصب، وها هو يحيل الصورة الرمزيّة إلى واقع على الأرض. ومن مصاديق هذا الارتباط التاريخي المحتفي بالحريّة، بين ما في أسفل النفق وما في الساحة من سجل جواد المصوّر، إنّ هذا الفنّان قال في مذكراته: “إنّني من الذين يؤمنون بالمستقبل. إنّني أثق بالغد وأؤمن بفوز الحقّ والأفضل. وكلّ إنسان يتطلّع الآن للمستقبل. الغد ما أقربه. غداً السلام يقترب وأشباح الموت وآلات الشر تحتضر في بيوتها”. أخيراً نجد في نهاية النفق عبارة “ستمطر فرحاً”، استدلالاً على أنّ إرادة الشباب تتقاطع بالكامل مع شيوخ العملية السياسية ما بعد نيسان أبريل 2003 وما “بعد صدّام” وما “بعد الاحتلال الأميركي”، هؤلاء الشيوخ كلّهم كانوا يُغرقون الفضائيات بهذه الجملة: “سنرى الضوء في نهاية النفق”، إلا أنّ نفق “التحرير” متوهج ومشع، ونفق السياسيّين بظلامه كناية عن الكذب واستغفال الناس لسنوات. سماؤنا وسماؤهم حروفية للشهداء تكتك عراقي إنساننا المهدور أحمر كشّاف المزيد عن : العراق/تظاهرات/ساحة التحرير/انتفاضة/نفقجواد سليم 159 comments 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post بأقلامهم / بادية فحص: كفررمان سنديانة الجنوب وملجأ ثوار تشرين.. أهلاً بالتنوع next post تجنيد المزيد من النساء في القوات الخاصة الاسبانية وخاصة الناطقات بالعربية You may also like “البحث عن الإمبراطور” رواية استشرفت سقوط الاتحاد السوفياتي 9 مارس، 2026 الحرب على سرير التحليل النفسي والثقافي 9 مارس، 2026 “ثلاثمئة حكاية” لفرانكو ساكيتي: وقائع إيطالية في زمن... 9 مارس، 2026 زيارة رمضانية إلى دوستويفسكي عن الجوع الاختياري 9 مارس، 2026 ندى حطيط تكتب عن: الذكاء الاصطناعي يكشف عن... 9 مارس، 2026 “ميشال ستروغوف” لجول فيرن… اكتشاف أدبي للعولمة 8 مارس، 2026 اللبناني نبيل نحاس يحمل “اللاحدود” إلى بينالي البندقية 7 مارس، 2026 “دراكولا” برام ستوكر: ديكتاتور بقناع مصاص دماء 7 مارس، 2026 الأمل معقلنا الأخير عندما يلف الجنون العالم 7 مارس، 2026 رحيل أنطوان غندور رائد الدراما اللبنانية ما قبل... 7 مارس، 2026 Leave a Comment Save my name, email, and website in this browser for the next time I comment. Δ