عاشت السينما العربية منذ اللحظة التاريخية التي حصلت في البلاد العربية على استقلالها نوعاً من المخاض الفني العسير (وسائل التواصل) ثقافة و فنون سينما عربية بتمويل أجنبي… فتش عن الرسالة by admin 10 مايو، 2026 written by admin 10 مايو، 2026 15 دفع المخرجين إلى الخوض في مغامرات فكرية كان يصعب التطرق إليها داخل الأفق الوطني الضيق اندبندنت عربية / أشرف الحساني لم ينشغل النقد السينمائي العربي بموضوع الدعم الأجنبي الموجه لعدد من الأفلام السينمائية العربية، التي باتت تحظى بدعم مادي من طرف مؤسسات فنية لها طابع الشهرة والتداول داخل الفضاء السينمائي العام. بحيث لا يعثر القارئ داخل الصحف والمجلات على نقاشات فكرية حول العلاقة بين الدعم الأجنبي والإنتاج المحلي داخل مجال الفن السابع، بحكم الدور الذي يؤديه أحياناً الدعم الأجنبي في تحرير السينما العربية من تقليديتها، ويجعلها تقول ما تريد ويعبر المخرج بالطريقة التي يرى أنها تتماشى مع أفكاره ومواقفه ومعتقداته، بعيداً من السلطة الرمزية التي تفرضها المؤسسات الرقابية والإنتاجية المحلية على بعض الأفلام، والتي تكون في الغالب ذات علاقة بالجنس والدين والسياسة. بمعنى أن المخرج السينمائي إذا أراد الحصول على دعم مادي لفيلمه، فمن الضروري أن يخضع لأجندات الجهة المانحة للدعم، والتي لا تهدف إلى خدمة أجندتها الفنية، وإنما تؤسس لنفسها مساراً معيناً لا يمكن للمبدع السينمائي أن يحيد عنه، إذا ما رغب في الاستفادة من مختلف أشكال الدعم الرسمي الموجه للأفلام السينمائية بصوة سنوية. ومع أن هذا الدعم قد يتجاوز في بعض الأحيان الـ80 في المئة من موازنة الفيلم، فإن بعض المخرجين السينمائيين يفضلون عدم تقديم طلبات الدعم، حتى يظل الفيلم السينمائي حراً ويستطيع المخرج التعبير بالطريقة التي يريد من دون أي حسيب أو رقيب. لكن بغض النظر عن التحرر من الدعم الرسمي، فإذا ما اخترق العمل السينمائي تابوهات المجتمع، فغالباً ما تفرض عليه رقابة ويجري تقطيع بعض من لقطاته ومشاهده، وأحياناً يسحب من دور السينما، كما حدث لأكثر من مخرج سينمائي داخل المنطقة المغاربية، لذلك ونظراً إلى حساسية الموضوع وطابعه التقني، غالباً ما يتفادى النقاد الحديث عنه، لأنهم يرون فيه موضوعاً حساساً يصعب الخوض فيه، بحكم ما يفرضه من سلطة رمزية من لدى مؤسسات فنية باتت المهرجانات السينمائية داحل المنطقة المغاربية. كذلك يعتبرونه بعض النقاد لا يدخل في حقل الأفكار والمفاهيم والنظريات. بالتالي يصعب التفكير فيه وفهم ميكانيزماته وطرق تشكله داخل المجال السينمائي. عمل كثير من المخرجين العرب على محاولة اجتراح أفق سينمائي مغاير لا يلتفت إلى الرومانسيات ولا يحابي الأحزاب السياسية (وسائل التواصل) ذلك أن النقد بالنسبة إليهم يقف عند حدود الفيلم ومفاهيمه وصوره وأسلوبه البصري، وأن كل عنصر خارجي قد لا يفيد الناقد السينمائي في أي شيء من ناحية الإنتاج المعرفي. والحقيقة أن هذه العناصر الخارجية المرتبطة بالدعم والإنتاج والتوزيع تقدم كثير من المعارف بالنسبة إلى النقد، لأن هذه العناصر التي تعتبر تقنية قد تصبح مدخلاً حقيقياً لفهم الطريقة التي بها يتشكل العمل السينمائي وفهم كواليس إنتاجه ونموه، قبل أن يصبح عبارة عن مشاهد وصور موجهة للمشاهد. إن هذه القضايا “الخارجية” للفيلم السينمائي تسهم بصورة كبيرة في تجديد النقد ومنابعه وتقويه من الداخل، إذ توفر له مقاربات فكرية جديدة تصبح بمثابة مداخل حقيقية لفهم العمل السينمائي، مما يجعلها تنتج خطاباً معرفياً قوياً حول الفيلم والمسارات الجمالية التي يمر منها، حتى يستقر على شكل مشاهد. لذلك فإن غياب النقاش النقدي حول الدعم الأجنبي وإلى أي حد يمكن أن يسهم في مشروع السينما العربية الجديدة، يظهر عمق المآزق والتصدعات التي تطبع الممارسة النقدية بالعالم العربي، وتجعلها كتابة تقف عند عتبات الأفلام وموضوعاتها وطاقمها وصناعها، وتبتعد عن كل القضايا الجدلية التي باتت تحتل مكانة قوية داخل النقاش السينمائي العام. سينما جريئة عاشت السينما العربية منذ اللحظة التاريخية التي حصلت في البلاد العربية على استقلالها، نوعاً من المخاض الفني العسير، إذ على رغم قطع بعض البلدان العربية مع المشروع السينمائي الكولونيالي منذ بداية ستينيات القرن الـ20، إلا أن هذا الأمر لم يجعلها تجدد ترسانتها السينمائية الوطنية لكونها سقطت مباشرة في أحضان سينما وطنية رومانسية تمجد الأوطان وتحابي المؤسسات القائمة، لكنها نسيت مسألة تجديد الصورة السينمائية ومحاولة وضع الفن السابع داخل مختبر الحداثة السينمائية، الذي بدأت بوادره تلوح داخل السينما الغربية. وعلى رغم وجود أفلام من قبيل “السراب” (1979) للمغربي أحمد البوعناني و”عمر قتلاتو الرجلة” (1976) للجزائري مرزاق علواش و”الفلاقة” (1970) للتونسي عمار الخليفي، إلا أن معظم الأفلام ظلت تكرس نوعاً من التقليد بسبب التوجه الأيديولوجي الذي يرخي بظلاله على السينما العربية بعد الاستقلال. من ثم، عمل كثير من المخرجين العرب على محاولة اجتراح أفق سينمائي مغاير لا يلتفت إلى الرومانسيات ولا يحابي الأحزاب السياسية والقوى التقدمية (اليسار)، وإنما يحاول العمل على بلورة مشروع سينمائي ينطلق من الذات الفردية ومآزقها، ويجعلها تشتبك مع الأحلام الجماعية التي كانت تطبع يوميات الاجتماع العربي. اقرأ المزيد كيف أنتجت السينما مدن الواقع وخالفتها؟ السينما والمدينة… التاريخ كما لو كان ذاكرة حية السينما الإيرانية الجديدة ولدت من قلب الرقابة هكذا ظهرت أفلام قوية في صورها وأصيلة في منطلقاتها الفكرية، إذ على رغم ما طبعها من تقشف على مستوى الإنتاج وبساطة آلات التصوير، إلا أنها كانت أفلاماً سينمائية جريئة تحاول أن تظهر عبر الصورة مكبوث المجتمع العربي، وما يحبل به من تشوهات سياسية وتصدعات اجتماعية، تسبب فيها بداية الأثر الاستعماري المتراكم في الأمزجة والأفكار ولاحقاً جبروت الأنظمة القمعية. وشكلت أفلام هذه الحقبة مرحلة جد مهمة في تاريخ السينما، لأنها تعد مرحلة بارزة أسهمت في إظهار بوادر الحداثة السينمائية وإن بصورة محتشمة، لكنها ظلت مطبوعة في ذاكرة النقاد العرب، لأنها تذكرهم بحجم الأفلام السينمائية العربية المهمة التي أنجزت خلال سبعينيات القرن الماضي. إن معظم هذه الأفلام كان جريئة وتظهر بعمق مدى قدرة السينما العربية على الانفلات من الإرث السينمائي الاستعماري الذي طالما صور العرب بطريقة “غرائبية” لا تخرج عن “الكليشيهات التشكيلية” التي بدأت تطالعنا منذ بداية القرن الـ20 مع عديد من الفنانين التشكيليين، الذي طالما فتنهم المتخيل الشرقي. وعي هذه السينما يبدو قوياً الريبرتوار التاريخي العربي، فهي أفلام تعد اليوم بمثابة وثائق بصرية تؤرخ للحظات تاريخية هامة، وتكشف بعمق عن التحولات الجوهرية التي طبعت العالم العربي خلال فترات جريحة من تاريخه وذاكرته. مع العلم أن المؤرخ العربي، لا يزال غير مؤمن بأهمية المنجز السينمائي وما يمكن أن يقدمه معرفياً للبحث التاريخي، بحيث يجعله يخرج بطريقة تلقائية من كادر الوثائق التقليدية التي طالما كرستها المدرسة المنهجية أو الوضعية مع كل من لانغوا وسينيوبوس. فهذه الأعمال الفنية لم تعد مجرد أفلام تحقق المتعة والترفيه بالنسبة إلى الناس، ولا “مخططاً” سياسياً للخروج من شرنقة السينما الكولونيالية، وإنما أصبحت بمثابة أرشيف بصري يدين فداحة الاحتلال ويرصد المكايد السياسية والاحتقان الاجتماعي. الدعم الأجنبي وتحرير السينما لكن المرحلة الثانية من بروز حداثة الأفلام السينمائية العربية ستعرف ميلاد فعل الرقابة من طرف المؤسسات، حيث رافق بعض الأفلام ميلاد الحركية اليسارية وانتماء عديد من المخرجين العرب إلى التيار اليساري، بما جعل أفلام هذه المرحلة تتميز بنبرة سياسية تعري الواقع وتكشف عن هواجسه السياسية والاجتماعية، لكن هذه الأفلام لم يكن إنجازها سهلاً لأنها كانت تفرض على المخرج السينمائي ضرورة الحصول على دعم مؤسساتي رسمي، يستطيع عبره المخرج إنقاذ فيلمه من الحجب. ونظراً إلى حساسية هذه الأفلام ورهانها السياسي على مستوى الكتابة والتخيل، فإنها في الغالب كانت تخضع لمقص رقابة تقتل المشاهد وتجهض جماليات الصور، بما يجعل الفيلم أحياناً يصاب بعطب في الرؤية، بسبب حذف بعض المشاهد التي قد تخل بالحياء العام أو أنها تتجاوز حدود التعبير، على حد تعبير مؤسسات الرقابة. كانت الجهات المانحة للدعم الوطني تعرف مسبقاً أن المخرج يستحيل أن ينجز فيلمه بعيداً من دعم الدولة، بسبب قلة الاستثمار في المجال السينمائي، وعدم إيمان أصحاب المال بقدرة الفن السابع في أن يصبح من الفنون التي يمكن أن تراهن عليها الدولة لبناء اقتصاد وطني. لذلك تعمدت المؤسسات على وضع عديد من الحدود والسياجات أمام المخرجين وتقييدهم في تلك الفترة من التعبير عن مواقفهم، بحكم حساسية المرحلة التاريخية التي عرفت نوعاً من الاحتقان السياسي داخل الأحزاب، وبروز وعي مدني حداثي وانصهار أفكار اليسار داخل الجامعات والمعاهد بطريقة جعلته يحصل على قاعدة شعبية، وجدت المؤسسات صعوبة بالغة في استئصال اليسار من الجسد المؤسساتي الوطني. كانت الجهات المانحة للدعم الوطني تعرف مسبقاً أن المخرج يستحيل أن ينجز فيلمه بعيداً من دعم الدولة (وسائل التواصل) في هذا الأفق الضبابي، سيبرز الدعم الأجنبي الدولي من قبل مؤسسات تراهن على حرية الفعل السينمائي، وتدفع المخرجين إلى اجتراح عوالم سينمائية والخوض في مغامرات فكرية كان يصعب التطرق داخل الأفق الوطني الضيق. وأسهم هذا الدعم في خلق حركة سينمائية خفية وجريئة لا تلتفت إلى المؤسسات الوطنية ولا إلى التقاليد والأعراف ولا إلى النخب السياسية الحاكمة، وإنما تحاول أن تظهر بقوة ما يحبل به الواقع والكشف عن أعطابه ومزالقه ومكبوته، ما انعكس على ميكانيزمات الصورة السينمائية التي أصبحت تمثل امتداداً للواقع. إضافة إلى أن هذا الدعم أسهم في بلورة مشروع حداثي داخل السينما العربية، وجعلها تخرج من تقليديتها وتبحث لنفسها عن أفق بصري مغاير. إن الحداثة التي طالعتنا في هذه الأفلام لم ترتبط فقط بالصورة وفيزيونوميتها، وإنما شملت حتى كتابة السيناريو التي أصبحت خاضعة لمفهوم “الخرق”، حيث لم يعد السيناريست خاضعاً للمؤسسات الوطنية الداعمة وضرورة الكتابة وفق مزاجها وعدم الخوض في التابوهات، بقدر ما أصبح كاتب السيناريو حراً وله من القدرة الفكرية ما يجعل أعماله تحقق نجاحات هائلة في العالم. لكن في مقابل ذلك، برزت فئة أخرى من المخرجين الذين لم يكن يهمهم المسار الحداثي الذي قطعته البلاد العربية، وإنما خلفيات الدعم الأجنبي والترويج لأفكار المؤسسات المانحة، بل إنها كانت تلك الفئات في بعض الأحيان تصور ما تريده مؤسسات الإنتاج الأجنبية من خلال التركيز على مآسي المجتمعات العربية، بما جعلها تنتج نوعاً من “الاستشراق الجديد” الذي، وإن كان في ظاهره يدغدغ الهوية العربية، فإنه يضرب بعمق في صميم هذه الهوية التي لم تتنافَ حقيقة مع جوهر الحداثة السينمائية. المزيد عن: السينما العربية المخرجون الرقابة السينمائية الدعم الأجنبي التابوهات المجتمعات العربية المؤسسات الرقابية الفنون السياسة 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post لوحة السوريالي رينيه ماغريت “بطلة” فيلم هوليوودي next post السلطة العاشقة إذ تكتب تاريخ الشغف المحتدم You may also like يورغن هابرماس: “كان لا بد من القيام بما... 10 مايو، 2026 صلاح جاهين… مبدع الريشة والقلم 10 مايو، 2026 السينما تبهج ليالي تعز اليمنية بعد سنوات الصراع 10 مايو، 2026 مسرحية هزلية كادت تضع بن جونسون قبل شكسبير 10 مايو، 2026 عالية ممدوح تواجه ذاكرتها الجريحة في “خلوة النقص” 10 مايو، 2026 السلطة العاشقة إذ تكتب تاريخ الشغف المحتدم 10 مايو، 2026 لوحة السوريالي رينيه ماغريت “بطلة” فيلم هوليوودي 10 مايو، 2026 رحيل «عميد الأغنية المغربية»… عبد الوهاب الدكالي يودع... 10 مايو، 2026 عبده وازن يكتب عن: “يوميات” الروائي محمد طلوعي... 8 مايو، 2026 بين كونراد وفلوبير و”أحلام” الاستعماري المجهضة 8 مايو، 2026