إن القوة المهيمنة الافتراسية تفضل عالماً حيث "الأقوياء يفعلون ما يستطيعون، والضعفاء يتحملون ما لا بد منه" (آدم ميدا/ فورين أفيرز) بأقلامهم ستيفن م. والت يكتب عن: هيمنة أميركية مدمرة by admin 26 فبراير، 2026 written by admin 26 فبراير، 2026 56 كيف يوظف ترمب قوة الولايات المتحدة؟ اندبندنت عربية / ستيفن م. والت ستيفن م. والت أستاذ روبرت ورينيه بيلفر للشؤون الدولية في كلية كينيدي بجامعة “هارفارد”. منذ أن تولى دونالد ترمب رئاسة الولايات المتحدة للمرة الأولى عام 2017، دأب المعلقون على البحث عن توصيف دقيق لنهجه في السياسة الخارجية الأميركية. ففي مقالة نشرت ضمن صفحات مجلة “فورين أفيرز” عام 2018، اقترح عالم السياسة باري بوزن أن الاستراتيجية الكبرى لترمب تقوم على “هيمنة غير ليبرالية”، فيما رأى المحلل أورين كاس خلال خريف العام الماضي أن جوهر هذا النهج يتمثل في المطالبة بـ”المعاملة بالمثل”. ووصف ترمب بأنه واقعي وقومي ومركنتيلي تقليدي، وإمبريالي وانعزالي. وكل من هذه التسميات يلتقط جانباً من مقاربته، غير أن الاستراتيجية الكبرى لولايته الرئاسية الثانية توصف على الأرجح بدقة أكبر بأنها “هيمنة افتراسية”. ويتمثل هدفها المركزي في توظيف الموقع المميز لواشنطن لانتزاع التنازلات والإتاوات ومظاهر الخضوع من الحلفاء والخصوم على السواء، سعياً وراء مكاسب سريعة في عالم تراه محكوماً بمنطق صفري محض، لا يربح فيه طرف إلا بخسارة الآخر. ونظراً إلى ما لا تزال الولايات المتحدة تمتلكه من موارد ضخمة ومزايا جغرافية معتبرة، قد تنجح هذه الهيمنة الافتراسية لبعض الوقت. غير أنها، على المدى الطويل، محكومة بالفشل. فهي غير ملائمة لعالم تتنافس فيه عدة قوى عظمى، ولا سيما في ظل صعود الصين إلى مرتبة الند الاقتصادي والعسكري، لأن التعددية القطبية تتيح للدول الأخرى وسائل لتقليص اعتمادها على الولايات المتحدة. وإذا واصلت الهيمنة الافتراسية توجيه الاستراتيجية الأميركية خلال الأعوام المقبلة، فإنها ستؤدي إلى إضعاف الولايات المتحدة وحلفائها معاً، وتغذية مشاعر السخط العالمي وفتح فرص مغرية أمام خصوم واشنطن الرئيسين، وترك الأميركيين أقل أمناً وأضعف نفوذاً وأقل ازدهاراً. المفترس الأعلى على مدى الـ80 عاماً الماضية، انتقلت البنية العامة للقوة في النظام الدولي من الثنائية القطبية إلى الأحادية، ثم إلى تعددية قطبية غير متوازنة كما نشهدها اليوم، وتكيفت الاستراتيجية الكبرى للولايات المتحدة مع هذه التحولات. ففي العالم ثنائي القطبية خلال الحرب الباردة، تصرفت الولايات المتحدة بوصفها قوة مهيمنة خيرة تجاه حلفائها المقربين في أوروبا وآسيا، انطلاقاً من قناعتها بأن أمن وازدهار هؤلاء الحلفاء عنصر أساس في احتواء الاتحاد السوفياتي. واستخدم قادتها التفوق الاقتصادي والعسكري الأميركي بلا قيود، ولجأوا أحياناً إلى أساليب صارمة مع شركاء أساسيين، كما فعل الرئيس دوايت أيزنهاور خلال أزمة السويس عام 1956، أو الرئيس ريتشارد نيكسون عندما أنهى ارتباط الدولار بالذهب عام 1971. لكن واشنطن، خلال الوقت نفسه، ساعدت حلفاءها على التعافي اقتصادياً بعد الحرب العالمية الثانية، وأسست منظومة من القواعد الرامية إلى تعزيز الازدهار المشترك والتزمت بها في معظم الأحيان، وتعاونت مع شركائها لإدارة الأزمات النقدية والاضطرابات الاقتصادية، ومنحت الدول الأضعف مقعداً على طاولة القرار وصوتاً في صياغة السياسات الجماعية. كان المسؤولون الأميركيون يقودون، لكنهم كانوا يصغون أيضاً، ونادراً ما سعوا إلى إضعاف شركائهم أو استغلالهم. أما خلال مرحلة الأحادية القطبية، فقد استسلمت الولايات المتحدة للغرور، وتحولت إلى قوة مهيمنة متسرعة ومتعسفة نسبياً. ففي ظل غياب منافسين أقوياء، ومع الاعتقاد أن معظم الدول راغبة في تقبل القيادة الأميركية وتبني قيمها الليبرالية، أولى المسؤولون الأميركيون اهتماماً محدوداً لمخاوف الآخرين، وانخرطوا في حملات عسكرية مكلفة وسوء تقدير استراتيجي في أفغانستان والعراق ودول أخرى، واعتمدوا سياسات تصادمية دفعت الصين وروسيا إلى التقارب، وضغطوا لفتح الأسواق العالمية بطرق سرعت صعود الصين، وعمقت عدم الاستقرار المالي العالمي، وأثارت في نهاية المطاف رد فعل داخلياً أسهم في صعود ترمب إلى البيت الأبيض. صحيح أن واشنطن سعت خلال تلك المرحلة إلى عزل عدد من الأنظمة المعادية ومعاقبتها وتقويضها، وتجاهلت أحياناً الهواجس الأمنية لدول أخرى، إلا أن المسؤولين من الحزبين “الديمقراطي” و”الجمهوري” كانوا يعتقدون أن توظيف القوة الأميركية لبناء نظام عالمي ليبرالي سيعود بالنفع على الولايات المتحدة والعالم، وأن المعارضة الجدية ستظل محصورة في عدد محدود من “الدول المارقة”. ولم يترددوا في استخدام ما لديهم من نفوذ لإجبار الحكومات الأخرى، أو استمالتها، أو حتى إطاحتها، غير أن هذا السلوك العدائي كان موجهاً أساساً نحو خصوم معترف بهم، لا نحو شركاء الولايات المتحدة وحلفائها. لكن في عهد ترمب، تحولت الولايات المتحدة إلى قوة مهيمنة افتراسية. وهذه الاستراتيجية ليست استجابة متماسكة ومدروسة بعناية للتعامل مع عودة التعددية القطبية، بل هي في الواقع الطريقة الخاطئة تماماً للتصرف في عالم تتعدد فيه القوى العظمى. إنها بالأحرى انعكاس مباشر لنهج ترمب التبادلي القائم على الصفقات في جميع العلاقات، وإيمانه بأن الولايات المتحدة تمتلك نفوذاً هائلاً ودائماً على جميع دول العالم تقريباً. قال ترمب خلال أبريل (نيسان) 2025 إن الولايات المتحدة أشبه بـ”متجر كبير وجميل”، و”الجميع يريدون نصيباً من هذا المتجر”. أو كما قال ضمن بيان نشرته المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت، المستهلك الأميركي هو “ما تريده كل دولة مما نملكه”، مضيفاً: “بعبارة أخرى، إنهم في حاجة إلى أموالنا”. خلال ولاية ترمب الأولى، تمكن مستشارون أكثر خبرة ومعرفة، مثل وزير الدفاع جيمس ماتيس، ووزير الخزانة ستيفن منوشين، وكبير موظفي البيت الأبيض جون كيلي، ومستشار الأمن القومي أتش آر ماكماستر، من كبح جماح نزعات ترمب الافتراسية. لكن في ولايته الثانية، أطلق العنان لرغبته في استغلال مواطن ضعف الدول الأخرى بلا قيود، مدعوماً بفريق من الموظفين الذين اختيروا على أساس ولائهم الشخصي، وبثقة ترمب المتزايدة، وإن كانت في غير موضعها، في فهمه الخاص للشؤون العالمية. الهيمنة والخضوع القوة المهيمنة الافتراسية هي قوة عظمى مسيطرة تحاول تنظيم تعاملاتها مع الآخرين بمنطق المحصلة الصفرية البحتة، بحيث توزع المنافع دائماً لصالحها. فالهدف الرئيس للقوة المهيمنة الافتراسية ليس بناء علاقات مستقرة ومتبادلة المنفعة تترك جميع الأطراف في وضع أفضل، بل ضمان أن تجني من كل تفاعل مكاسب أكبر مما يجنيه الآخرون. فالترتيب الذي تخرج فيه القوة المهيمنة في وضع أفضل وشركاؤها في وضع أسوأ يعد أفضل من ترتيب يكون فيه الجميع رابحاً، ولكن مكاسب الشريك فيه أكبر، حتى لو كان هذا السيناريو الأخير يحقق مكاسب مطلقة أكبر لكلا الطرفين. فالقوة المهيمنة الافتراسية تريد دائماً حصة الأسد. بطبيعة الحال، تنخرط جميع القوى العظمى في أعمال افتراس، وهي تتنافس دوماً على تحقيق تفوق نسبي. وعند التعامل مع الخصوم، تحاول جميع الدول انتزاع أفضل الشروط الممكنة في أية صفقة. لكن ما يميز الهيمنة الافتراسية عن السلوك المعتاد للقوى العظمى هو استعداد الدولة لانتزاع تنازلات ومكاسب غير متكافئة من حلفائها وخصومها على حد سواء. لا تفرض القوة المهيمنة الخيرة أعباءً غير عادلة على حلفائها إلا عند الضرورة، لاعتقادها أن أمنها وثروتها يتعززان بازدهار شركائها. وهي تدرك قيمة القواعد والمؤسسات التي تسهل التعاون المتبادل المنفعة، وتعد شرعية في نظر الآخرين، وتكون مستمرة وراسخة لدرجة تتيح للدول الاطمئنان إلى أن تلك القواعد لن تتغير كثيراً أو من دون إنذار. وترحب القوة المهيمنة الخيرة بالشراكات ذات العوائد الإيجابية مع الدول التي تشاركها مصالح متشابهة، مثل كبح عدو مشترك، وقد تسمح للآخرين بتحقيق مكاسب غير متناسبة إذا كان ذلك سيجعل جميع المشاركين في وضع أفضل. بعبارة أخرى، لا تسعى القوة المهيمنة الخيرة إلى تعزيز موقع قوتها فحسب، بل تسعى أيضاً إلى توفير ما سماه المتخصص الاقتصادي أرنولد وولفرز “أهداف البيئة المحيطة” (milieu goals): أي السعي إلى تشكيل البيئة الدولية بطرق تجعل ممارسة القوة المجردة أقل ضرورة. على النقيض من ذلك، فإن القوة المهيمنة الافتراسية لا تتردد في استغلال شركائها بقدر ما تستغل خصومها. وقد تستخدم الحظر، والعقوبات المالية، وسياسات تجارية تفقر الجار، والتلاعب في أسواق الصرف، وغيرها من أدوات الضغط الاقتصادي لإجبار الآخرين على قبول شروط تبادل تصب في مصلحة اقتصادها، أو لحملهم على تعديل سلوكهم في قضايا غير اقتصادية تهمها. وستربط القوة المهيمنة الافتراسية توفير الحماية العسكرية بمطالبها الاقتصادية، وتتوقع من شركائها في التحالف دعم مبادراتها الأوسع في السياسة الخارجية. وسوف تتحمل الدول الأضعف هذه الضغوط القسرية إذا كانت تعتمد اعتماداً كبيراً على الوصول إلى السوق الأوسع للدولة المهيمنة، أو إذا كانت تواجه تهديدات أشد من دول أخرى، بالتالي تضطر إلى الاعتماد على حماية الدولة المهيمنة، حتى وإن جاءت هذه الحماية مشروطة. احتجاجات على الرسوم الجمركية الأميركية أمام سفارة الولايات المتحدة لدى برازيليا، أغسطس 2025 (ماتيوس بونومي/ رويترز) وبما أن القوة القسرية للمهيمن الافتراسي تعتمد على إبقاء الدول الأخرى في حال خضوع دائم، فإن قادته يتوقعون من الدول التي تقع ضمن فلكه أن تعترف بتبعيتها من خلال أفعال خضوع متكررة، وغالباً رمزية. قد يتوقع منها دفع جزية رسمية أو يطلب منها الإقرار علناً بفضائل المهيمن والإشادة بها. تسهم مظاهر الخضوع هذه في ردع المعارضة، عبر الإيحاء بأن المهيمن قوي إلى حد يتعذر مقاومته، وتصوره على أنه أكثر حكمة من تابعيه، بالتالي له الحق في إملاء أوامره عليهم. في الواقع، إن الهيمنة الافتراسية ليست ظاهرة جديدة. فقد شكلت أساس علاقات أثينا مع المدن – الدول الأضعف في إمبراطوريتها، وهي سيطرة وصفها بريكليس نفسه، أبرز قادة أثينا في عصره، بأنها “طغيان”. واستند النظام المتمحور حول الصين في شرق آسيا قبل العصر الحديث على علاقات تبعية مماثلة، بما في ذلك دفع الجزية والخضوع الشعائري، وإن كان الباحثون يختلفون حول ما إذا كان اتسم بطابع استغلالي دائم. كانت الرغبة في استخراج الثروة من الممتلكات الاستعمارية عنصراً أساساً في الإمبراطوريات الاستعمارية البلجيكية والبريطانية والفرنسية والبرتغالية والإسبانية، وأثرت دوافع مشابهة على العلاقات الاقتصادية غير المتكافئة لألمانيا النازية مع شركائها التجاريين في وسط وشرق أوروبا، وعلاقات الاتحاد السوفياتي مع حلفائه في حلف وارسو. وعلى رغم اختلاف هذه الحالات في جوانب مهمة، فإن القاسم المشترك بينها هو أن قوة مهيمنة سعت إلى استغلال شركائها الأضعف لتأمين مكاسب غير متكافئة لنفسها، حتى وإن لم تنجح جهودها دائماً، وحتى وإن كانت كلفة ضم بعض التابعين والدفاع عنهم تفوق ما قدموه لها من ثروة أو جزية. وخلاصة القول، تنظر القوة المهيمنة الافتراسية إلى جميع العلاقات الثنائية على أنها بطبيعتها ذات محصلة صفرية وتسعى إلى استخراج أكبر قدر ممكن من المكاسب من كل علاقة. شعارها الأساس هو: “ما هو لي فهو لي، وما هو لك قابل للتفاوض”. ولا تمتلك الاتفاقات القائمة أية قيمة أو شرعية جوهرية ويجري التخلي عنها أو تجاهلها إذا لم تحقق مكاسب غير متكافئة بالدرجة المطلوبة. وقد تفشل بعض محاولات الافتراس والاستغلال، بالطبع، وهناك حدود لما يمكن حتى لأعتى الدول انتزاعه من غيرها. لكن بالنسبة إلى القوة المهيمنة الافتراسية، فإن الهدف الأسمى هو دفع تلك الحدود إلى أبعد مدى ممكن. تصعيد الموقف تتجلى الطبيعة الافتراسية لسياسة ترمب الخارجية بأوضح صورها في هوسه بعجز الميزان التجاري ومحاولاته استخدام الرسوم الجمركية لإعادة توزيع المكاسب الاقتصادية لمصلحة واشنطن. وصرح ترمب مراراً وتكراراً بأن العجز التجاري يمثل “عملية نهب” وصورة من صور السلب، ووفق تصوره، فإن الدول التي تحقق فوائض “تحقق ربحاً” لأن الولايات المتحدة تدفع لها أكثر مما تدفع هي لواشنطن. وبناءً على ذلك، فرض ترمب رسوماً جمركية على تلك الدول، ظاهرياً لحماية المصنعين الأميركيين من خلال جعل السلع الأجنبية أكثر كلفة (مع أن كلفة الرسوم الجمركية يتحملها في الغالب الأميركيون الذين يشترون السلع المستوردة)، أو لوح بفرض هذه الرسوم لإجبار الحكومات والشركات الأجنبية على الاستثمار داخل الولايات المتحدة مقابل تخفيف تلك الرسوم. واستخدم ترمب الرسوم الجمركية لإجبار الآخرين على تغيير سياسات غير اقتصادية يعارضها. فخلال يوليو (تموز) الماضي، فرض رسوماً جمركية بنسبة 40 في المئة على البرازيل في محاولة فاشلة للضغط على حكومتها من أجل العفو عن الرئيس السابق جايير بولسونارو، حليف ترمب، خلال نوفمبر (تشرين الثاني)، رفع بعض تلك الرسوم الجمركية التي كانت أسهمت في ارتفاع أسعار المواد الغذائية للمستهلكين الأميركيين، وبرر رفع الرسوم الجمركية على كندا والمكسيك بالقول إنهما لا تبذلان جهوداً كافية لوقف تهريب الفنتانيل. وخلال أكتوبر (تشرين الأول)، هدد كولومبيا بفرض رسوم جمركية أعلى بعدما انتقد رئيسها الضربات المثيرة للجدل التي شنتها البحرية الأميركية على أكثر من 20 قارباً في منطقة البحر الكاريبي التي، وفقاً لإدارة ترمب، كانت مستهدفة بسبب تهريب المخدرات غير المشروعة. إن ترمب مستعد لإكراه حلفاء الولايات المتحدة التقليديين بقدر استعداده لإكراه خصومها المعلنين، كما أن الطابع المتذبذب لتهديداته يؤكد رغبته في انتزاع أكبر قدر ممكن من التنازلات. ويعتقد ترمب أن عدم القدرة على التنبؤ أداة تفاوضية قوية، ويهدف من خلال سلسلة تهديداته ومطالبه المتغيرة باستمرار إلى إجبار الآخرين على البحث عن طرق جديدة لاسترضائه. فالتلويح بفرض رسوم جمركية لا يكلف واشنطن كثيراً إذا خضع الطرف المستهدف بسرعة، أما إذا تمسك بموقفه أو اضطربت الأسواق، فيمكن لترمب تأجيل التنفيذ. ويبقي هذا النهج الأضواء مسلطة على ترمب نفسه، ويساعد الإدارة على تصوير أي اتفاق لاحق على أنه انتصار بغض النظر عن شروطه الدقيقة، ويخلق فرصاً واضحة للفساد تعود بالنفع على ترمب ودائرته المقربة. تحمل الهيمنة الافتراسية في طياتها بذور تدميرها الذاتي ولتعظيم النفوذ الأميركي، ربط ترمب مراراً وتكراراً مطالبه الاقتصادية باعتماد الحلفاء على الدعم العسكري الأميركي، من خلال إثارة الشكوك حول التزامه بتعهدات التحالف. فقد أصر على أن يدفع الحلفاء ثمن الحماية الأميركية، ولمح إلى أن الولايات المتحدة قد تنسحب من “الناتو”، أو تمتنع عن المساعدة في الدفاع عن تايوان، أو تتخلى عن أوكرانيا بالكامل. لكن هدفه ليس جعل الشراكات الأميركية أكثر فاعلية من خلال حث الحلفاء على بذل جهد أكبر للدفاع عن أنفسهم، بل إن رفع الرسوم الجمركية بصورة كبيرة سيضر باقتصادات الشركاء ويجعل من الأصعب عليهم بلوغ أهداف إنفاق دفاعي أعلى. وبدلاً من ذلك، يستخدم ترمب التهديد بالانكفاء الأميركي لانتزاع تنازلات اقتصادية. وحققت هذه الاستراتيجية بعض المكاسب القصيرة الأمد، في الأقل على الورق. خلال يوليو، وافق قادة الاتحاد الأوروبي على اتفاق تجاري أحادي الجانب أملاً في إقناع ترمب بمواصلة دعم أوكرانيا، بينما تمكنت اليابان وكوريا الجنوبية من خفض مستويات التعريفات الجمركية المفروضة عليهما، من خلال توقيع اتفاقين خلال يوليو ونوفمبر على التوالي، مقابل تعهدهما بالاستثمار في الاقتصاد الأميركي. وسعت أستراليا وجمهورية الكونغو الديمقراطية وباكستان وأوكرانيا إلى تعزيز الدعم الأميركي من خلال منح الولايات المتحدة حق الوصول إلى المعادن الحيوية الموجودة على أراضيها أو إعطائها ملكية جزئية فيها. إن القوة المهيمنة الافتراسية تفضل عالماً حيث، وفق عبارة ثوسيديدس الشهيرة “الأقوياء يفعلون ما يستطيعون، والضعفاء يتحملون ما لا بدّ منه”. ولذلك، فإن مثل هذه الدولة ستكون حذرة من المعايير والقواعد والمؤسسات التي قد تقيد قدرتها على استغلال الآخرين. ليس من المستغرب أن ترمب لم ير في الأمم المتحدة فائدة تذكر، فقد كان سعيداً بإلغاء الاتفاقات التي تفاوض عليها أسلافه، مثل اتفاق باريس للمناخ والاتفاق النووي الإيراني، بل إنه نكث حتى باتفاقات تفاوض عليها بنفسه. وهو يفضل إجراء المفاوضات التجارية على أساس ثنائي بدل التعامل مع مؤسسات مثل الاتحاد الأوروبي أو منظمة التجارة العالمية القائمة على القواعد، لأن التفاوض مع كل دولة بصورة منفردة يعزز النفوذ الأميركي أكثر. كما فرض ترمب عقوبات على كبار مسؤولي المحكمة الجنائية الدولية، وشن هجوماً شرساً على نظام تسعير الانبعاثات الذي وضعته المنظمة البحرية الدولية. وكان اقتراح المنظمة البحرية الدولية يهدف إلى إبطاء تغير المناخ من خلال تشجيع شركات الشحن على استخدام أنواع وقود أنظف، لكن ترمب ندد به ووصفه بأنه “عملية احتيال” وعمل على تخريبه عمداً. وبعدما هددت إدارته بفرض تعريفات جمركية وعقوبات وإجراءات أخرى على من يدعمون الاقتراح، أُجل التصويت على الموافقة الرسمية عليه لمدة عام كامل. وخلال أكتوبر، وصف أحد مندوبي المنظمة الوفد الأميركي بأنه كان “يتصرف كالعصابات الإجرامية”، مضيفاً: “لم أسمع بمثل هذا السلوك في أي اجتماع للمنظمة البحرية الدولية من قبل”. ولا يكتمل أي نقاش حول الهيمنة الافتراسية لواشنطن من دون التطرق إلى اهتمام ترمب المعلن بأراض تعود لدول أخرى، واستعداده للتدخل في السياسات الداخلية للدول الأخرى بما ينتهك القانون الدولي. فرغبته المتكررة في ضم غرينلاند، وتهديداته بفرض تعريفات جمركية عقابية على الدول الأوروبية التي تعارض ذلك، تشكل المثال الأبرز على هذه النزعة. وكما حذرت الاستخبارات العسكرية الدنماركية في تقييمها السنوي للتهديدات الصادر خلال ديسمبر، “تستخدم الولايات المتحدة قوتها الاقتصادية، بما في ذلك التهديد بتعريفات جمركية عالية، لفرض إرادتها، ولم تعد تستبعد استخدام القوة العسكرية، حتى ضد حلفائها”. فتلميحات ترمب في شأن جعل كندا الولاية الـ51 أو إعادة احتلال منطقة قناة بنما توحي بدرجة مماثلة من الجشع والانتهازية الجيوسياسية. وقراره باختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وهو عمل يشكل سابقة خطرة قد تحتذي بها قوى عظمى أخرى، يكشف عن استخفاف قوة افتراسية بالأعراف القائمة واستعداد لاستغلال نقاط ضعف الآخرين. بل إن هذه النزعة الاستغلالية الافتراسية تمتد إلى المسائل الثقافية، إذ أعلنت استراتيجية الأمن القومي للإدارة أن أوروبا تواجه “محواً للهوية الحضارية” وأن سياسة الولايات المتحدة تجاه القارة يجب أن تشمل “تنمية المقاومة لمسار أوروبا الحالي داخل الدول الأوروبية”. وبعبارة أخرى، ستمارس ضغوطاً على الدول الأوروبية لكي تتبنى التزام إدارة ترمب بقومية “الدم والأرض”، وعداءها للثقافات أو الأديان غير البيضاء وغير المسيحية. وبالنسبة إلى القوة المهيمنة الافتراسية، لا توجد قضية محظورة أو خارج نطاق الاستهداف. كذلك، يستغل ترمب مكانة الولايات المتحدة الدولية المتميزة لتحقيق مكاسب شخصية له ولعائلته. فقد أهدته قطر بالفعل طائرة، ستكلف دافعي الضرائب الأميركيين مئات الملايين من الدولارات لإعادة تجهيزها، وقد ينتهي بها المطاف في مكتبته الرئاسية بعد انتهاء ولايته. ووقعت منظمة ترمب صفقات تطوير فنادق بملايين الدولارات مع حكومات تسعى إلى استرضاء الإدارة، واشترت شخصيات نافذة في الإمارات العربية المتحدة وغيرها عملات رقمية بقيمة مليارات الدولارات أصدرتها شركة “وورلد ليبرتي فايننشال” التابعة لترمب والمتخصصة في العملات المشفرة، ولم يسبق لأي رئيس في تاريخ الولايات المتحدة أن نجح في تحويل الرئاسة إلى مصدر لتحقيق مكاسب مالية بهذا القدر أو بهذا التجاهل الواضح لتضارب المصالح المحتمل. صورة لمدينة نوك، غرينلاند، يناير 2026 (ماركو ديوريكا/ رويترز) ومثل زعيم مافيا أو حاكم إمبراطوري مستبد، يتوقع ترمب من القادة الأجانب الساعين إلى كسب رضاه أن ينخرطوا في استعراضات مذلة من الخضوع وصور فجة من التملق، كما يفعل أعضاء حكومته أنفسهم. فكيف يمكن تفسير السلوك المخزي لأمين عام “الناتو” مارك روته، حين قال لترمب إنه “يستحق كل الثناء” لحثه أعضاء “الناتو” على زيادة إنفاقهم الدفاعي، على رغم أن هذه الزيادات كانت جارية بالفعل قبل إعادة انتخاب ترمب، وأن غزو روسيا لأوكرانيا كان عاملاً لا يقل أهمية في تحفيز هذا التحول؟ كما صرح روته، خلال مارس (آذار) 2025، بأن ترمب “كسر الجمود” مع روسيا في شأن أوكرانيا (وهو ادعاء غير صحيح على الإطلاق)، وأشاد بالغارات الجوية الأميركية على إيران خلال يونيو (حزيران) بوصفها أمراً “لم يجرؤ أحد غيره على الإقدام عليه”، وشبه جهود ترمب للسلام في الشرق الأوسط بأفعال “أب” حكيم وخير. ولا يقتصر الأمر على روته، فهناك قادة عالميون آخرون، من بينهم قادة في إسرائيل وغينيا بيساو وموريتانيا والسنغال، أيدوا علناً منح ترمب جائزة نوبل للسلام، مع إضافة رئيس السنغال مديحاً مجانياً لا لزوم له على مهارة ترمب في لعبة الغولف. وحرصاً على ألا يتفوق أحد عليه، أهدى الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ ترمب تاجاً ذهبياً ضخماً خلال زيارته الأخيرة إلى سيول، واختتم مأدبة عشاء رسمية بتقديم طبق أطلق عليه اسم “حلوى صانع السلام”. حتى جياني إنفانتينو، رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، دخل على الخط، فابتكر “جائزة فيفا للسلام” التي لا معنى لها، وسمى ترمب أول فائز بها في حفل باذخ خلال ديسمبر 2025. إن المطالبة باستعراضات الولاء ليست ناجمة فحسب عن حاجة ترمب اللامحدودة على ما يبدو إلى الاهتمام والثناء، بل إنها تؤدي أيضاً إلى تعزيز الامتثال وتثبيط حتى أبسط أشكال المقاومة. فالقادة الذين يتحدون ترمب يتعرضون لتوبيخ وتهديدات بمعاملة أشد قسوة، وهذا ما اختبره الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في أكثر من مناسبة، في حين ينال القادة الذين يتملقون ترمب بلا خجل معاملة ألطف، في الأقل موقتاً. فخلال أكتوبر 2025، على سبيل المثال، مدت وزارة الخزانة الأميركية خط تبادل عملات بقيمة 20 مليار دولار لدعم البيزو الأرجنتيني، على رغم أن الأرجنتين ليست شريكاً تجارياً مهماً للولايات المتحدة، وكانت تحل محل صادرات فول الصويا الأميركية إلى الصين (التي كانت تدر مليارات الدولارات قبل أن يشن ترمب حربه التجارية). ولكن لأن الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي هو زعيم ذو فكر متقارب مع ترمب، ويشيد به علناً بوصفه قدوة له، فقد حصل على منحة مجانية بدلاً من قائمة مطالب. وحتى تجار المخدرات المدانون، بمن فيهم الرئيس الهندوراسي السابق خوان أورلاندو هيرنانديز، يمكنهم الحصول على عفو رئاسي إذا بدوا منسجمين مع أجندة ترمب. إن محاولات استرضاء ترمب من خلال التملق تشبه سباق تسلح، إذ يتنافس القادة الأجانب على من يستطيع أن يقدم أكبر قدر من الثناء في أقصر وقت. كما أن ترمب سريع في الرد على القادة الذين يخرجون عن النص. وأدرك رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي ذلك عندما فرضت على الهند تعرفة بنسبة 25 في المئة بعد أسابيع من رفضه ادعاء ترمب بأنه أوقف اشتباكات حدودية بين الهند وباكستان (ثم رفعت لاحقاً إلى 50 في المئة لمعاقبة الهند على شراء النفط الروسي). وبعدما بثت حكومة مقاطعة أونتاريو إعلاناً تلفزيونياً ينتقد سياسة ترمب الجمركية، سارع إلى رفع التعريفة الجمركية على كندا بنسبة 10 في المئة إضافية. وسرعان ما اعتذر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، واختفى الإعلان من الشاشات على الفور. ولتجنب مثل هذه الإهانات، اختار كثير من القادة الخضوع استباقياً، في الأقل خلال الوقت الراهن. طفح الكيل يرى ترمب ومؤيدوه في مظاهر الخضوع هذه دليلاً على أن انتهاج سياسة “اللعب الخشن” يحقق للولايات المتحدة فوائد ملموسة ومهمة. وكما قالت الناطقة الرسمية باسم البيت الأبيض آنا كيلي، خلال أغسطس (آب): “النتائج تتحدث عن نفسها: فصفقات الرئيس التجارية تعيد التوازن لمزارعينا وعمالنا، وتريليونات الدولارات من الاستثمار تتدفق إلى بلدنا، وحروب استمرت عقوداً تقترب من نهايتها… يتوق القادة الأجانب إلى إقامة علاقة إيجابية مع الرئيس ترمب والمشاركة في اقتصاد ترمب المزدهر”. ويبدو أن الإدارة تعتقد أنها قادرة على افتراس الدول الأخرى إلى ما لا نهاية، وأن ذلك سيجعل الولايات المتحدة أقوى ويزيد نفوذها أكثر. وهم مخطئون: فالهيمنة الافتراسية تحمل في طياتها بذور تدميرها الذاتي. المشكلة الأولى أن الفوائد التي روجت لها الإدارة مبالغ فيها. فمعظم الحروب التي يدعي ترمب أنه أنهاها ما زالت مستمرة. والاستثمارات الأجنبية الجديدة في الولايات المتحدة أقل بكثير من مستوى التريليونات، ومن غير المرجح أن تتحقق بالكامل. وباستثناء مراكز البيانات التي يغذيها الهوس بالذكاء الاصطناعي، لا يشهد الاقتصاد الأميركي ازدهاراً فعلياً، ويعود ذلك جزئياً إلى الضغوط المعاكسة التي خلقتها سياسات ترمب الاقتصادية. قد يستفيد ترمب وعائلته وحلفاؤه السياسيون من سياساته الافتراسية، لكن معظم الأميركيين لا يستفيدون منها. وتتمثل مشكلة أخرى في أن اقتصاد الصين بات ينافس اقتصاد الولايات المتحدة في جوانب عديدة. فالناتج المحلي الإجمالي للصين أصغر بالقيمة الاسمية، لكنه أكبر من حيث تعادل القوة الشرائية، ومعدل نموه أعلى، وتستورد بكين اليوم ما يقارب حجم واردات الولايات المتحدة. وارتفعت حصة الصين من صادرات السلع العالمية من أقل من واحد في المئة عام 1950 إلى نحو 15 في المئة اليوم، في حين تراجعت حصة الولايات المتحدة من 16 في المئة عام 1950 إلى ثمانية في المئة فحسب. وتحتكر الصين سوق المعادن النادرة المكررة التي يعتمد عليها كثر من بينهم الولايات المتحدة، وهي تتحول بسرعة إلى لاعب رئيس في مجالات علمية عديدة، كما أن جهات كثيرة أخرى من بينها المزارعون الأميركيون ترغب في الوصول إلى أسواقها. ومثلما أظهرت قرارات ترمب الأخيرة بتعليق الحرب التجارية مع الصين وتجميد خطط فرض عقوبات على وزارة أمن الدولة الصينية بسبب حملة تجسس إلكتروني استهدفت مسؤولين أميركيين، فإنه لا يستطيع ترهيب القوى العظمى الأخرى بالطريقة نفسها التي يرهب بها الدول الأضعف. ترمب خارج البيت الأبيض، واشنطن العاصمة، يناير 2026 (جوناثان إرنست/ رويترز) علاوة على ذلك، وعلى رغم أن دولاً أخرى ما زالت ترغب في الوصول إلى الاقتصاد الأميركي ومستهلكيه الأثرياء، فإن الولايات المتحدة لم تعد اللاعب الوحيد في الساحة. فبعد وقت قصير من رفع ترمب الرسوم الجمركية على البضائع الهندية إلى مستوى شديد القسوة بلغ 50 في المئة خلال أغسطس 2025، سافر مودي إلى بكين للمشاركة في قمة جمعت الزعيم الصيني شي جينبينغ والرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وخلال ديسمبر، زار بوتين مودي داخل نيودلهي، ووصف رئيس الوزراء الهندي صداقة بلاده مع روسيا بأنها “ثابتة كنجم القطب”، وحدد الزعيمان هدفاً للتجارة الثنائية يبلغ 100 مليار دولار بحلول عام 2030. لم تكن الهند تعلن اصطفافها رسمياً مع موسكو، لكن مودي كان يذكر البيت الأبيض بأن أمام نيودلهي خيارات أخرى. وبما أن إعادة تنظيم سلاسل التوريد والترتيبات التجارية مكلفة وتستغرق وقتاً طويلاً، ولأن عادات التعاون والاعتماد المتبادل لا تزول بين ليلة وضحاها، فقد اختارت بعض الدول استرضاء ترمب على المدى القصير. فقد أقنعت اليابان وكوريا الجنوبية ترمب بخفض معدلات الرسوم الجمركية مقابل الموافقة على استثمار مليارات الدولارات في الاقتصاد الأميركي، لكن هذه المدفوعات المتعهد بها ستمدد على مدى أعوام طويلة وقد لا تتحقق بالكامل. في غضون ذلك، عقد مسؤولون صينيون ويابانيون وكوريون جنوبيون أول مفاوضات تجارية لهم منذ خمسة أعوام خلال مارس 2025، وتدرس الدول الثلاث اتفاق تبادل عملات ثلاثية تهدف إلى “تعزيز شبكة الأمان المالي داخل المنطقة وتعميق التعاون الاقتصادي في ظل الحرب التجارية التي يشنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب”، وفقاً لصحيفة “ساوث تشاينا مورنينغ بوست”. وخلال العام الماضي، وسعت فيتنام علاقاتها العسكرية مع روسيا، متراجعة عن جهود سابقة للتقارب مع الولايات المتحدة. ووفقاً لمحلل نقلت أقواله صحيفة “نيويورك تايمز”: “إن عدم القدرة على التنبؤ بسياسات ترمب جعل فيتنام متشككة للغاية في شأن التعامل مع الولايات المتحدة. فالأمر لا يقتصر على التجارة فحسب، بل يشمل أيضاً صعوبة قراءة أفكاره وتصرفاته”. إن عدم القدرة على التنبؤ بتصرفات ترمب، والتي يروج لها كميزة، لها جانب سلبي واضح: فهي تشجع الآخرين على البحث عن شركاء أكثر موثوقية. وضمن السياق نفسه، تعمل دول أخرى على تقليص اعتمادها على الولايات المتحدة. فقد حذر كارني مراراً من أن حقبة التعاون المتزايد باستمرار مع الولايات المتحدة انتهت، وحدد هدفاً لمضاعفة صادرات كندا غير المتجهة إلى الولايات المتحدة خلال عقد من الزمن، ووقع أول اتفاق تجاري ثنائي لبلاده مع إندونيسيا، وهو يجري مفاوضات لإبرام اتفاق تجارة حرة مع رابطة دول جنوب شرقي آسيا (آسيان)، وزار إلى بكين خلال يناير الماضي بهدف ترميم العلاقات. أما الاتحاد الأوروبي فقد وقع بالفعل اتفاقات تجارية جديدة مع إندونيسيا والمكسيك وتكتل ميركوسور التجاري في أميركا الجنوبية، وكان على وشك إبرام اتفاق تجارية جديدة مع الهند في أواخر يناير. وإذا واصلت واشنطن محاولات استغلال اعتماد الدول الأخرى عليها، فإن مثل هذه الجهود لن تؤدي إلا إلى تسريع هذا الاتجاه. اشتر اليوم… ولا تدفع أبداً؟ تسامح حلفاء الولايات المتحدة في الماضي مع قدر من التنمر والترهيب نظراً إلى اعتمادهم الكبير على الحماية الأميركية. ولكن لهذا التسامح حدود. فقد كان مستوى الافتراس خلال ولاية ترمب الأولى محدوداً، وكان لدى حلفاء الولايات المتحدة ما يدعوهم إلى الأمل في أن تكون فترة حكمه حال استثنائية عابرة لن تتكرر، إلا أن هذا الأمل تبدد الآن، لا سيما في أوروبا. فاستراتيجية الأمن القومي للإدارة الأميركية، على سبيل المثال، تظهر عداءً صريحاً تجاه كثير من الحكومات والمؤسسات الأوروبية. وأثار ذلك، إلى جانب تهديدات ترمب المتجددة بالاستيلاء على غرينلاند، مزيداً من الشكوك حول جدوى حلف “الناتو” على المدى الطويل، وأظهر فشل محاولات القادة الأوروبيين كسب ود ترمب من خلال مسايرته وتقديم تنازلات له. علاوة على ذلك، فإن التهديدات بسحب الحماية العسكرية الأميركية ستفقد فعاليتها إن لم تنفذ، ولا يمكن تنفيذها من دون القضاء بالكامل على نفوذ الولايات المتحدة. فإذا استمر ترمب في التهديد بالانسحاب من دون أن يفعل ذلك فعلاً، سينكشف زيف تهديداته وستفقد قدرتها على الإكراه، أما إذا سحبت الولايات المتحدة التزاماتها العسكرية، فإن النفوذ الذي كانت تتمتع به على حلفائها السابقين سيتلاشى. في كلتا الحالتين، فإن استخدام وعد الحماية الأميركية لانتزاع سلسلة لا تنتهي من التنازلات ليس استراتيجية مستدامة. والتنمر بدوره ليس استراتيجية مُستدامة أو قابلة للاستمرار. فلا أحد يستمتع بأن يرغم على الانخراط في طقوس مذلة لإظهار الطاعة والولاء. قد يستمتع القادة الذين يتبنون رؤية ترمب للعالم بفرصة مدحه علناً، لكن آخرين بلا شك يجدون التجربة مستفزة ومزعجة. لن نعرف مطلقاً ما كان يدور في أذهان القادة الأجانب الذين أجبروا على استرضاء ترمب وهم يرددون عبارات ثناء منمقة، ولا شك أن بعضهم استاء من التجربة وغادر متمنياً فرصة للثأر في المستقبل. يجب على القادة الأجانب أيضاً أن يراعوا ردود فعل الرأي العام في بلادهم، ويمكن أن يكون الفخر الوطني قوة لا يستهان بها. تجدر الإشارة إلى أن فوز كارني الانتخابي، خلال أبريل 2025، كان يعود بدرجة كبيرة إلى حملته المناهضة لترمب بعنوان “رفع المرفقين” Elbows up، وإلى تصورات الناخبين بأن منافسه من الحزب المحافظ كان نسخة مخففة من ترمب. وشهد رؤساء دول آخرون، مثل الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، ارتفاعاً كبيراً في شعبيتهم عندما تحدوا تهديدات ترمب. ومع تزايد الإهانات والشعور بالإذلال، قد يجد قادة العالم الآخرون أن الرد بالمثل والمواجهة يمكن أن يزيدا من شعبيتهم لدى ناخبيهم. لا يستطيع ترمب أن يتنمر على القوى العظمى بالطريقة التي تنمر بها على الدول الأضعف إن الهيمنة الافتراسية غير فعالة أيضاً. فهي تتجنب الاعتماد على القواعد والمعايير المتعددة الأطراف، وتسعى بدلاً من ذلك إلى التعامل مع الدول الأخرى على أساس ثنائي. ولكن في عالم يضم ما يقارب 200 دولة، فإن الاعتماد على المفاوضات الثنائية يستغرق وقتاً طويلاً، ومن المؤكد أنه سيؤدي إلى اتفاقات متسرعة وضعيفة التصميم. علاوة على ذلك، فإن فرض صفقات أحادية الجانب على عشرات الدول الأخرى يشجعها على التهرب، لأنها تعلم أنه سيكون من الصعب على الدولة المهيمنة مراقبة الامتثال في جميع الاتفاقات التي أبرمتها وأن تفرض تنفيذها. ويبدو أن إدارة ترمب أدركت متأخرة أن الصين لم تشتر كل الصادرات الأميركية التي وافقت على شرائها خلال المرحلة الأولى من الاتفاق التجاري الموقع مع الولايات المتحدة عام 2020، خلال ولاية ترمب الأولى، وأطلقت تحقيقاً في الأمر خلال أكتوبر. وعندما تتضاعف مهمة مراقبة الالتزام بجميع الترتيبات التجارية الثنائية لواشنطن، فسيسهل علينا أن نفهم كيف يمكن للدول الأخرى أن تعد بتقديم تنازلات الآن، ثم تتراجع عنها لاحقاً. أخيراً، إن التخلي عن المؤسسات، والتقليل من شأن القيم المشتركة، والتنمر على الدول الأضعف، سيجعل من الأسهل على خصوم الولايات المتحدة إعادة صياغة كتاب القواعد العالمية بما يخدم مصالحهم. ففي عهد شي جينبينغ، سعت الصين مراراً وتكراراً إلى تصوير نفسها على أنها قوة عالمية مسؤولة وغير أنانية، تسعى إلى تعزيز المؤسسات الدولية لمصلحة البشرية جمعاء. لقد ولى عهد دبلوماسية “الذئب المحارب” التصادمية التي سادت قبل بضعة أعوام حين كان المسؤولون الصينيون يهينون الحكومات الأخرى ويتنمرون عليها بصورة روتينية من دون أية جدوى. وباستثناءات نادرة، أصبح الدبلوماسيون الصينيون اليوم أكثر حيوية ونشاطاً وفاعلية في المحافل الدولية. من الواضح أن التصريحات العلنية للصين تخدم مصالحها، لكن بعض الدول ترى في هذا الموقف بديلاً جذاباً للولايات المتحدة التي تتزايد نزعتها الافتراسية. في استطلاع رأي شمل 24 دولة كبرى، نشره مركز بيو للأبحاث خلال يوليو 2025، أبدت غالبية المشاركين في ثماني دول رأياً أكثر إيجابية تجاه الولايات المتحدة مقارنة بالصين، بينما نظر المشاركون من سبع دول إلى الصين بنظرة أكثر إيجابية. أما في الدول التسع المتبقية، فقد كانت النظرة إلى القوتين متقاربة. لكن هذه الاتجاهات تصب في مصلحة بكين. وكما يشير التقرير “أصبحت النظرة إلى الولايات المتحدة أكثر سلبية، بينما تحسنت الآراء تجاه الصين”، وليس من الصعب فهم السبب. وخلاصة القول إن تبني سلوك الهيمنة الافتراسية سيضعف شبكات القوة والنفوذ التي كثيراً ما اعتمدت عليها الولايات المتحدة، ووفرت القدرة على التأثير التي يحاول ترمب استغلالها اليوم. ستعمل بعض الدول على تقليل اعتمادها على واشنطن، في حين ستعقد دول أخرى اتفاقات جديدة مع منافسيها، وسيتوق كثر إلى لحظة تتاح لهم فيها فرصة للثأر من الولايات المتحدة على سلوكها الأناني. ربما ليس اليوم، وربما ليس غداً، لكن ردة الفعل قد تأتي بسرعة مفاجئة. وكما قال إرنست همنغواي في عبارته الشهيرة عن بداية الإفلاس، فإن سياسة الهيمنة الافتراسية المستمرة قد تتسبب في تراجع النفوذ العالمي للولايات المتحدة “تدريجاً ثم فجأة”. استراتيجية خاسرة لا تزال القوة الصلبة هي العملة الأساس في السياسة العالمية، لكن الأهداف التي تستخدم من أجلها والطرق التي تمارس بها هي التي تحدد مدى فعاليتها في تعزيز مصالح الدولة. وبفضل موقعها الجغرافي المواتي، واقتصادها الضخم والمتطور، وقوتها العسكرية التي لا تضاهى، وسيطرتها على عملة الاحتياط العالمية والمراكز المالية الحيوية، تمكنت الولايات المتحدة من بناء شبكة واسعة من العلاقات وصلات الاعتماد المتبادل، واكتساب نفوذ كبير على عدد من الدول الأخرى خلال الأعوام الـ75 الماضية. ونظراً إلى أن استغلال هذا النفوذ بصورة فجة كان من شأنه أن يقوضه، فقد كانت السياسة الخارجية الأميركية في أوج نجاحها عندما مارس القادة الأميركيون القوة المتاحة لهم بطريقة مدروسة ومتروية. لقد عملوا مع الدول ذات التوجهات المماثلة لوضع ترتيبات ذات منفعة متبادلة، مدركين أن الآخرين سيكونون أكثر ميلاً للتعاون مع الولايات المتحدة إذا لم يخشوا طموحاتها. لم يكن أحد يشك في أن لواشنطن قبضة حديدية، ولكن من خلال تغليفها بقفاز مخملي، أي بمعاملة الدول الأضعف باحترام وعدم محاولة استغلال كل ميزة ممكنة لدى الآخرين، تمكنت الولايات المتحدة من إقناع الدول الأكثر تأثيراً في العالم بأن التوافق مع سياستها الخارجية أفضل من الشراكة مع خصومها الرئيسين. والهيمنة الافتراسية تبدد هذه المزايا سعياً وراء مكاسب قصيرة الأجل، متجاهلة العواقب السلبية على المدى الطويل. صحيح أن الولايات المتحدة ليست على وشك مواجهة ائتلاف مضاد واسع النطاق أو فقدان استقلالها، فقوتها الكبيرة وموقعها الاستراتيجي المواتي يحميانها من مواجهة هذا المصير، بيد أنها ستصبح أفقر وأقل أماناً وأضعف نفوذاً مما كانت عليه طوال معظم حياة الأميركيين الأحياء. وسيعمل قادة الولايات المتحدة المستقبليون من موقع أضعف، وسيواجهون معركة شاقة لاستعادة سمعة واشنطن بوصفها شريكاً يضع مصالحه الشخصية أولاً، ولكنه منصف. إن الهيمنة الافتراسية استراتيجية خاسرة، وكلما أسرعت إدارة ترمب بالتخلي عنها، كان ذلك أفضل. ترجمة عن “فورين أفيرز” مارس/ أبريل 2026، نشر خلال الثالث من فبراير 2026 المزيد عن: الهيمنة الافتراسية الابتزاز الاقتصادي الهيمنة الأميركية النفوذ الأميركي دونالد ترمب الرسوم الجمركية فورين أفيرز السياسة الخارجية الأميركية 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post عدنان الأمين/ جدل الإِصلاحُ التربويُّ والإصلاحُ السياسِيُّ في لبنان: الحوكمة الانتقاليّة next post «سامسونغ» تطلق هاتف «غالاكسي إس26»… ما أبرز مميزاته؟ You may also like سوزان مالوني تكتب عن: إلى متى يستطيع النظام... 5 مارس، 2026 حازم صاغية يكتب : عن الحرب والنظر إلى... 5 مارس، 2026 كفاية أولير تكتب عن: كيف تؤثر حرب إيران... 3 مارس، 2026 كريم سجادبور يكتب عن: أزمة النظام الإيراني الوجودية... 3 مارس، 2026 غسان شربل يكتب عن: زلزال خامنئي ونهر الاغتيالات 2 مارس، 2026 كاميليا انتخابي فرد تكتب عن: نهاية كابوس في... 1 مارس، 2026 حازم صاغية يكتب عن: نندم… لكنْ ماذا بعد... 1 مارس، 2026 مايكل هيرتسوغ يكتب عن: حرب محتملة مع إيران:... 28 فبراير، 2026 مايكل آيزنشتات يكتب عن: الخيارات العسكرية الأمريكية في... 28 فبراير، 2026 دلال البزري تكتبمن تورنتو عن: ترامب “القوي” الذي... 28 فبراير، 2026