جون لوكاريه عام 1965 (غيتي) ثقافة و فنون “رسائل جون لوكاريه” بديل ماهر عن سيرة لم تكتب by admin 25 نوفمبر، 2025 written by admin 25 نوفمبر، 2025 87 كاشفة عن حياة “جاسوس” غالبا ما كتب عن مساره الحقيقي ورفاقه اندبندنت عربية / إبراهيم العريس باحث وكاتب من المعروف في عالم الروايات التي تتناول ذلك الموضوع الساحر، موضوع حياة الجواسيس وسواهم من العملاء السريين، أن الروايات الخاصة بهذا الموضوع، وحتى لو كتبها عملاء سابقون وأجادوا كتابتها، غالباً ما تتناول حكايات أقرب إلى أن تكون خيالية، وبخاصة أقرب إلى عوالم جيمس بوند المثيرة للسخرية في عالم النوع، على رغم إثارتها ونجاحاتها الساحقة. وكذلك من المعروف أن تلك الروايات، حتى الجيد منها الذي قد ينهل من الواقع وربما حتى من التجارب الشخصية لعملاء سابقين انصرفوا إلى الكتابة بعد تقاعدهم، لا يمكنه أن يخدم كتعبير من هؤلاء الكتاب عما عرفته حياتهم الشخصية من مسارات وانحرافات وما شابه ذلك، ومع هذا، يعرف نوع معين من القراء أنهم لا يرتاحون إلا بعد قراءة سيرهم سواء كتبوها بأنفسهم أو كتبت عنهم، إذ في نهاية المطاف لا بد من أن تضع تلك الكتابات قارئيها على تواصل مباشر مع خلفيات الأدب المكتوب في هذا المجال، ومهما يكن من أمر هنا، نعرف بالطبع أن جون لوكاريه قد شكل استثناء على أكثر من صعيد في مجالات عدة تتعلق بالأمر، ولعل أول هذه الاستثناءات هو اهتمامه باللجوء إلى واقعية مطلقة وربما تستند أساساً إلى تحليل نفسي يتقنه عبر الملاحظة لا عبر الدراسات الأكاديمية، وهي واقعية تتعلق بالشخصيات التي يشرحها في رواياته والتي غالباً ما يستمد تلك الرئيسة منها من شخصيته نفسها، والأطراف التي تدور من حولها من أشخاص عرفهم خلال امتهانه التجسس عقوداً طويلة من حياته ولكن ليس باسم جون لوكاريه الذي يوقع به رواياته كاسم مستعار، بل باسمه الحقيقي ديفيد كورنويل. ذلك الأب النصاب ولعل الطريف بالنسبة إلى هذه الجزئية الأخيرة هو أن الكتاب الأخير الذي وضعه لوكاريه خلال حياته وصدر قبل فترة قصيرة من رحيله، وترجم إلى لغات كثيرة، ويعتبر اليوم بديلاً ممتازاً لسيرة لوكاريه، صدر بدوره باسمه المستعار هذا وكان من المتوقع والطبيعي أن يصدر بالاسم الحقيقي كورنويل. ولكن هكذا كان جون لوكاريه وهكذا يبقى، وقد يكون من المفيد أن نبدأ هنا هذا الكلام عن الكتاب الأخير، إشارة إلى ذلك الكتاب الآخر الذي يتسم بقدر كبير من الواقعية، كان كاتبنا قد أصدره في آخر أعوام حياته فاعتمد بعد رحيله كنوع من سيرة ولو مواربة له، وهو “نفق الحمام” الذي جعل جوهره حديثاً عن ذاته وعن تعرفه ولقاءاته مع كبار هذا العالم، كعميل سري لحساب الاستخبارات البريطانية، أو ككاتب روائي، أو كمجرد رجل فضولي، بدءاً من الممثلين الكبيرين إليك غينيس وريتشارد بورتون (لعبا في أول فيلم مقتبس من رواية له، وهو”الجاسوس الآتي من الصقيع”) وصولاً إلى ياسر عرفات وأندريه ساخاروف… إلخ. والمهم في الأمر هنا أن كثراً من قراء لوكاريه رأوا إثر رحيله أن عليهم أن يكتفوا بقراءة “نفق الحمام” بديلاً عن سيرة هذا الكاتب، غير أن عالم النشر فاجأهم بعد رحيل كاتبهم المفضل في عام 2020، بكتاب سرعان ما تبين لهم أنه أكثر دنواً من السيرة التي يتوخونها من ذلك الكتاب الذي كان من الصعب اعتماده بصورة نهائية حتى وإن كان لوكاريه قد ختمه حينها بفصل عن أبيه يؤكد فيه أن تركيبة ذلك الأب الذي عرف كنصاب خطر، إنما طريف، هي التي صنعت وأطلقت من داخليته مواهب وقدرات فكرية ومهارة في رصد البشر وملاحظة سلوكهم، ما كان له أن يصبح كاتباً لولا وجود ذلك الأب في حياته، حتى وإن كان وجوداً سلبياً مثيراً للخجل ومؤلماً. الحياة من خلال الرسائل صحيح أن الفصل الختامي عن الأب في “نفق الحمام” بدا يومها بالغ الأهمية بالنسبة إلى التعرف إلى جذور كاتبنا، وسر لؤم شخصياته والمرارة التي تعيشها في رواياته وأعماقه الحميمية، ولا سيما منهم جورج سمايلي الذي لم يغب عن نباهة القراء أنه لا يمكنه إلا أن يكون الأنا الآخر لجون لوكاريه/ديفيد كورنويل، لكن مجموع الرسائل المنشورة في الكتاب الجديد يأتي اليوم ليبدو أكثر تعبيراً عن سيرة الكاتب وإثارة للاهتمام، ولا سيما أنه يذكر بأن الفصل عن الأب في الكتاب السابق بالكاد بدا على علاقة بسيرة جون لوكاريه نفسه، فهنا في”المراسلات” نجدنا أمام تلك السيرة التي كنا والقراء الآخرون ننتظرها وخيل إلينا أنها لن تصدر أبداً، واليوم إذ صدرت ها هي تكشف لنا عن جوانب أخرى متعددة وحقيقية من شخصية هذا الكاتب، حتى وإن كان لم يبخل علينا في طرحها أمام أنظارنا ونباهتنا في عدد كبير من نصوصه السابقة التي كنا نعرف أنها لم تكن فقط مستقاة من الحياة التي عاشها، وتستند إلى تصوير قلمي بارع وينتمي إلى الأدب الحقيقي لمراحل من حياته بل حتى لتفسيرات يخضعها للتحليل النفسي من تلك الحياة، وحتى ولو أننا كنا غالباً ما من أنفسنا حين نجابه جورج سمايلي في أكثر من ثلاث روايات للوكاريه تنبع من مواقف عرفت عن حياة الكاتب ومعاناته في مهنته الأولى الحقيقية كعميل لاستخبارات بلاده، سرعان ما كنا نندمج في النص لنتعامل مع سمايلي وغيره تعاملنا مع شخصيات لها كينونتها الخاصة التي أبدع الكاتب في التعبير عنها. تفسيرات افتراضية لاحقة ومن ثم لعل من “فضائل”، أو ربما من مساوئ كتاب “المراسلات”، أنه يذكرنا بأن التوصيفات والمواقف التي يعزوها الكاتب إلى تلك الشخصيات في نصوصه “التخيلية إنما هي قبس أساس مما عايشه هو نفسه في الحياة، حياته نفسها، ومن هنا ما يقول لنا إن سيرة جون لوكاريه باتت متكاملة ليس فقط بفضل المراسلات أو حتى المراسلات متضافرة مع “نفق الحمام” بل حتى متضافرة مع فصول وتصورات مستقاة من روايات الكاتب، وفي الأقل تأتي المراسلات لتذكرنا بما كنا نحدسه عن ذلك من قبل، بل لعل في إمكاننا أن نقول تجاوزاً إن “المراسلات” تأتي لتشعرنا وكأن الكاتب يفسر لنا عبر رسائله التي لا تعد ولا تحصى ما قد يكون قد أغلق علينا بالنسبة إلى صفحات وشخصيات كثيرة من رواياته، ومن هنا لئن كان المعلقون قد قالوا عن الفصل المتعلق بروني كورنويل – والد ديفيد/جون لوكاريه – إنه يأتي أقرب إلى “رسالة إلى الوالد” التي كتبها فرانز كافكا قبل نيف وقرن من الزمن، ها هم المعلقون يتعاملون اليوم مع مجمل رسائل لوكاريه تعاملهم مع يوميات كافكا نفسه، وذلك بالتحديد لأن كاتبنا المعاصر قال فيها كل ما لم يكن قد قاله من قبل، وبالتحديد من خلال ما رغب في كل مناسبة أن يخبر به من اعتاد أن يتراسل معهم، وغالباً عبر لغة بوح ما كان يتوقع لها أن تنشر على الملأ ذات يوم، أم هل تراه كان يعرف هذا ومن هنا ذلك الحرص على محدودية يمكن رصدها في لعبة البوح نفسها من جانب كاتب بالغ الرهافة والذكاء وقادر، انطلاقاً من تنشئته في بيئة طبعها نصب أبيه واحتياله، وبعد ذلك تفاعله مع بيئة أخرى تنتمي إلى جهاز الاستخبارات البريطانية المشهود له بالاستناد إلى لباقة لغوية بالغة العمق، لكنها تعطي أهمية كبيرة للعبة التورية، بحيث تصبح اللعبة جزءاً من تكوين تفاعل العملاء مع اللغة؟ المزيد عن: جون لوكاريهجيمس بوندفرنسادايفيد كورنويلنفق الحمامالمراسلات 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post موجة شبابية تعيد كتابة قواعد السلطة في العالم next post الحيوان في النص الروائي يكشف ما يتم السكوت عنه You may also like “ميشال ستروغوف” لجول فيرن… اكتشاف أدبي للعولمة 8 مارس، 2026 اللبناني نبيل نحاس يحمل “اللاحدود” إلى بينالي البندقية 7 مارس، 2026 “دراكولا” برام ستوكر: ديكتاتور بقناع مصاص دماء 7 مارس، 2026 الأمل معقلنا الأخير عندما يلف الجنون العالم 7 مارس، 2026 رحيل أنطوان غندور رائد الدراما اللبنانية ما قبل... 7 مارس، 2026 “شعرية الترجمة” كما تتجلى في رؤية غاستون باشلار 7 مارس، 2026 “فن العمارة” الهيغلي: الروح والعقل في جعبة الكلاسيكية 6 مارس، 2026 مشروع “اقرأ داون تاون” يعيد الحياة إلى قلب... 5 مارس، 2026 “سونيتات” شكسبير في منأى من قناعه العقلي المعتاد 5 مارس، 2026 اليزابيث غيلبرت تكشف أهواءها في “مذكرات” تحصد نجاحا 5 مارس، 2026