بأقلامهم دلال البزري في “العربي الجديد”: هل يتبدّل تاريخنا؟ هل يتقلّب؟ by admin 9 يوليو، 2026 written by admin 9 يوليو، 2026 21 الاتفاق الأول أحدث ما سميت “انتفاضة شباط” بعد أشهر على توقيعه، يؤدّي إلى سقوطه. والثاني يبقى رهينة شبحه… حتى الآن العربي الجديد / دلال البزري – كاتبة وباحثة لبنانية لاحَ أخيراً في سماء لبنان شبح اتفاق 17 أيار (1983)، فأخاف اللبنانيين كما لو كان يُنذر بإعصار. الأكثر عمراً تذكّروا. أليس اليوم الذي أدّى إلى “انتفاضة” شباط من العام الذي تلاه؟ … نعم قال التاريخ. وإليكَ وقائعه: في تلك السنة، كنا لتوّنا خارجين من الغزو الإسرائيلي لبنان. رئيسنا أمين الجميّل ورئيس وزراء إسرائيل مناحيم بيغن. أهم بنود ذلك الاتفاق: إنهاء الحرب. اعتراف كل “طرف” بالآخر، وبعيشه في سلام. انسحاب الجيش الإسرائيلي خلال مدة وجيزة (من ثمانية الى 12 أسبوعاً). وانسحاب الجيش السوري أيضاً. انتشار الجيش اللبناني في الجنوب ومنع “الأنشطة المسلحة” فيه. التزام إسرائيل بعدم القيام بأي عمل عسكري. ولا إشارة في هذا الاتفاق إلى تبادل سفراء بين الدولتين، ولا إقامة علاقات دبلوماسية بينهما. الأميركيون والفرنسيون هم الوسطاء، أو المحاورون، وذوو مسؤولية ما في تنفيذه. وإذا قارنتَ بين هذا الاتفاق و”اتفاق الإطار” الذي وقعه مندوبون لبنانيون وأميركيون وإسرائيليون الشهر الماضي (يونيو/ حزيران)، أي بعد 43 عاماً من توقيع ذاك، لا بد أن تلاحظ أوجه شبه بين الاثنين. الجهة الراعية هي الولايات المتحدة في الاثنين، مع تغير “بسيط”. فرنسا تخرَج من الثاني. وتصبح صلاحيات أميركا الآن أوسع، أكثر تنفيذية، عبر جهاز “السنتْكوم”؛ وهو آلية تنفيذ ومتابعة، بمشاركة مباشرة من القيادة المركزية الأميركية. في الأول، تنتهي حالة الحرب بين لبنان وإسرائيل. وفي الثاني، يكون ثمة “سلام دائم”، تدريجي، مع اتفاقات لاحقة غير معلَنة. وفي الاتفاقين، انسحاب إسرائيلي. الأول مشروط بانسحاب الجيش السوري، والثاني يملي تجريد حزب الله من السلاح، وانتشار الجيش اللبناني في مناطق الانسحاب هذه. الاتفاقان هما برعاية أميركية. إنهاء الحرب، استلام الجيش اللبناني، تنسيق أمني بين إسرائيل ولبنان، عدم استخدام الجنوب للعمليات العسكرية ضد إسرائيل… كلها جوانب تشابه أو تكرار للمعزوفة نفسها. ولكن الفرق كبير بين الاتفاقين. الأول أحدث ما سميت “انتفاضة شباط” بعد أشهر على توقيعه، يؤدّي إلى سقوطه. والثاني يبقى رهينة شبحه… حتى الآن. إذ لا نعرف ما يخبئه لنا عالم الغيب السياسي. ماذا حدث في هذه “الانتفاضة”؟ … كانت الزعامة معقودة لنبيه برّي ووليد جنبلاط ضد رئيس الجمهورية أمين الجميّل، ومدعومة من الرئيس السوري حافظ الأسد، الرافض بالطبع انسحاب جيش بلاده من لبنان. الأشهر الواقعة بين مايو/ أيار وفبراير/ شباط تشهد بعض مناوشات لمليشيات نبيه برّي ضد الجيش اللبناني، وأخرى لمليشيات وليد جنبلاط ضد مليشيات القوات اللبنانية. ذروة المعارك هي تلك التي سُمّيت “انتفاضة”، وساحتها بيروت الغربية (المسلمة) وضاحيتها الجنوبية. تنهار على أثرها سلطة الدولة المتمثلة بالجيش، وتنتقل السلطة إلى مليشيات برّي وجنبلاط. تشارك فيها وجوه “وطنية” وأحزاب يسارية. وتتشكَّل من بعدها حكومة “وحدة وطنية”… فتُبْعد إسرائيل من المشهد. لماذا يبقى اتفاق أيار (1983) مجرد شبح، ومعه “الانتفاضة” التي لحقته، مع أن حزب الله، وريث نبيه بري وشريكه يحرض على اتفاق حزيران (2026)؟ أولاً، غياب سورية عن لبنان، بعشرات الجنود الداعمين لوجودها. ثانياً، الضعف الذي بات عليه حزب الله بعد حربَيه الأخيرتين، وخساراته البالغة لعديده وعدّته. وربما أيضاً تبدّل المزاج اللبناني، وإصابته بتعب معنوي وإرهاق مزمن… ودمار الجنوب، وإعادة احتلاله، والأهم، ربما، حسابات إيران أيضاً. ابحث عن إيران، عن البديل الذي وجد لنفسه مقعداً في لبنان بدل سورية حافظ الأسد. وإيران تشارك حزب الله برفض اتفاق حزيران، بما تملك من طاقات إعلامية. ولكنها، حتى هذه اللحظة، لا يبدو أنها متحمّسة لتجربة شباط 1984. يقولون باللغة المتداولة إنها، أي إيران، تفضّل دعم حلفائها سياسياً، مع تجنّب فتح مواجهة داخلية لبنانية واسعة في تلك المرحلة. ربما لأن حساباتها مختلفة. وهنا نبلغ الأمر الجديد الحاصل في ما نعرفه باسم “الساحة اللبنانية”. كان لبنان أيام الأسد ساحة عراك بينه وبين إسرائيل، باسم “وحدة المسار والمصير”. وهو ما زال بعد تبدّل الأوصياء، ميداناً، ساحة، لصراع أولئك الأوصياء مع خصومهم. فاتفاق حزيران اعتُبر “انتصاراً إسرائيلياً في مرمى إيران على الساحة اللبنانية”. يحيئيل لايتر، السفير الإسرائيلي المشارك في مفاوضات هذا الاتفاق يعلن في أثناء التوقيع على اتفاقية الإطار أن “إيران وحزب الله باتا خارج اللعبة”. إيران، مثل سورية الأسد، دولة ذات حسابات. تصدّر “الجنون” لأذرعتها. تتمتع بالحكمة والدراية عند إدارة شؤونها يعزّز هذا كله الفكرة القديمة المكرّرة عن لبنان: “ساحة”. لكن الجديد الذي أضيف إليها، فكرة “لبنان ورقة تفاوض”. كيف؟ المفاوضات بين إيران وأميركا في الدوحة، بعد “مذكرة التفاهم” التي وقعاها في أواسط الشهر الماضي (يونيو/ حزيران). ما هي نقاطها الرئيسة الثلاث؟ مضيق هرمز طبعاً. الذي يريد الإيرانيون فرضه مصدراً لأموال الخزينة. وهو يبدو الأخطر والأكثر إلحاحاً. تليه الأموال الإيرانية المجمَّدة لدى الأميركيين، وشروط هؤلاء عليها وآليات دفعها، ورغبة إيران في تسريع هذا الدفع. وأخيراً ملف لبنان. لا تخوض إيران حملة مباشرة ضد اتفاق الإطار لحزيران. ولكنها، في مفاوضاتها مع أميركا، تشدّد على الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان، فتبقي بذلك سلاح حزب لله تحت جدول البند التفاوضي. أي كورقة تستفيد منها في البندين الأولين، أو ربما في البند النووي الحاضر ــ الغائب عن مفاوضات الدوحة. هكذا لا تكون مصلحتها في تكرار “انتفاضة شباط” القديمة، حتى إشعار آخر. ولكن إيران، مثل سورية الأسد، دولة ذات حسابات. تصدّر “الجنون” لأذرعتها. وتتمتع بالحكمة والدراية عند إدارة شؤونها الخاصة. وتحفظ مصالحها على غير ما تلقنه لأذرعها. خذ مثلاً: موجبات حرب حزب الله أخيراً على إسرائيل، كانت “الثأر” لاغتيال علي خامنئي. فيما الجنازة التاريخية التي ترفع إلى السماء من شأن الدولة الإيرانية هي الثأر بعينه لهذا الاغتيال. انظر الى محمد باقر قاليباف، رئيس مجلس الشورى الإسلامي، الذي دعا الإيرانيين “إلى الثأر لمقتل المرشد الإيراني السابق علي خامنئي، من خلال المشاركة الواسعة في مراسم تشييعه التي تبدأ السبت في طهران”. أي إن “ثأر” الدولة الإيرانية يحفظها. و”ثأر” أذرعتها يدمرهم. المزيد عن:حزب اللهالاحتلال الإسرائيليأمين الجميلحافظ الأسد 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post أحمد اسماعيل في “المدن” : نموذجا «مقاومة» لا يلتقيان! next post إيران بعد خامنئي… هل ينجح مجتبى في قيادة نظام أنهكته الحرب والأزمات؟ You may also like حازم صاغية في “الشرق الاوسط”: جنائز السياسيّين والقادة:... 8 يوليو، 2026 غسان شربل في “الشرق الاوسط”: «ألا يخجلون من... 7 يوليو، 2026 رضوان السيد في”الشرق الاوسط”: الغلبةُ التي لا مخرج... 3 يوليو، 2026 عبد الرحمن الراشد في”الشرق الاوسط”: الحاجة إلى ترميمِ... 3 يوليو، 2026 دلال البزري من تورنتو : من انتصر في... 3 يوليو، 2026 زياد ماجد في “ميغافون” : هل من بديل... 3 يوليو، 2026 ساطع نورالدين : في الحاجة الى تعديل “الملحق... 3 يوليو، 2026 محمد حجيري في “المدن الألكترونية”: مكيافيلية السلاح والهيمنة…مَن... 1 يوليو، 2026 حازم صاغية في “الشرق الاوسط” : «اتّفاق الإطار»... 1 يوليو، 2026 جاكوب لايبنلوفت في اندبندنت عربية : حين يخسر... 1 يوليو، 2026