حوّلت دولة الاحتلال قطاع غزّة إلى أنقاض (Getty) بأقلامهم دلال البزري تكتب عن: هروب إسرائيل من سوادها الداكن by admin 27 يوليو، 2025 written by admin 27 يوليو، 2025 91 الندم الإسرائيلي على جرائم غزة لم يظهر بعد. أو أنه يطاول حالات فردية، خصوصًا بين الكتاب والجنود. العربي الجديد / دلال البزري– باحثة وكاتبة لبنانية مهما كانت نهاية الحرب الإسرائيلية على غزة والضفة، إذا كان لها أن تنتهي… فإن النتيجة أمام أعيننا واضحة. ثمة نكبة ثانية تجاوزت الأولى، بقضائها على أشكال الحياة، بشرًا وحجرًا. تجاوزت مجازر ماضية مشهودة، مثل دير ياسين، 140 شهيدًا “فقط”، أو صبرا وشاتيلا، أكثر من 1300 شهيد، “فقط” أيضًا. ولن تجد مجالاً للمقارنة بين كل الذي سبق وبين الحاصل في غزة اليوم. غزة مرشحة لتكون في النهاية أيقونة الضمير الإسرائيلي، عين هابيل من قبره على قاتله قايين الذي لا يجد خلاصًا منه إلا بالنزول بدوره إلى القبر. الندم الإسرائيلي على جرائم غزة لم يظهر بعد. أو أنه يطاول حالات فردية، خصوصًا بين الكتاب والجنود. إليك هنا مقطع لصحافي إسرائيلي في “هآرتس”: “بقيتُ مضطربًا عدة أيام، وفي أحد الصباحات، فهمتُ: إن خلف اضطرابي توتر مخفي لا أتفوّه به، اسمه إبادة سكان غزة. الحديث الأخير مع أصدقائي لم يتناول غزة، بل كان تافهًا كما هي معظم أحاديثنا في هذه الأيام. ولكن شعورًا رهيبًا بالذنب كان يحوم فوق رؤوسنا. ومن دون أن نواجه هذا الشعور، كانت ميكانيزمات الدفاع في دواخلنا تتحول إلى أشكال من التبرير. فنلجأ إلى تأرجحنا الأبدي بين كوننا منتصرين أو ضحايا”. ثم يستغرق الكاتب في الفرويدية ليثبت أن الإسرائيليين يعيشون في لاوعيهم حسرة وذنبًا على ما يقترفونه تجاه غزة. وأنه لا بد من أن يأتي يوم يحاسبون أنفسهم عليه ويطلبون الغفران. ويدعم توقعه هذا بجملة مستوحاة هي أيضًا من مقتل هابيل على يد قايين: “المجرمون يجب أن يدفعوا ثمن جرائمهم لكي تكون لديهم فرصة أن يعيشوا حياة إنسانية”. هذه شراذم من الفكرة تتنقل بين فئة الكتاب. يليهم عددٌ من فئة الجنود. يسبقونهم على الندم. صدمتهم صريحة عن الجرائم التي يرتكبونها بحق غزة وأهلها. هناك الجنود المصابون بمتلازمات “الصدمات القوية”. صار عددهم الآن 5200 جندي. ويُتوقع أن يبلغ مائة ألف بعد خمسة أعوام. المعالجون النفسيون يقولون عنهم بأنهم يعيشون حالات صراع بين كونهم ضحايا أو جلادين. يعانون من عذاب الضمير على ما اقترفوه في غزة. ويتكلمون عن عملياتهم العسكرية وتدميرهم القرى والمدن والمخيمات، عن عدد القتلى، خصوصًا الأطفال، عن تدنيس الأمكنة… كل ذلك ينال من صحتهم النفسية. “”المجرمون يجب أن يدفعوا ثمن جرائمهم لكي تكون لديهم فرصة أن يعيشوا حياة إنسانية” – جملة مستوحاة من مقتل هابيل على يد قايين في تحليل الضمير الإسرائيلي” فئة أخرى من الجنود الاحتياط، أولئك الذين يرفضون الخدمة. يعلنون ويكتبون. يقللون من كفاءة الجيش في حماية الرهائن لدى حماس. يرون بأن هذه الحرب لن تفضي إلى الأمن ولا إلى السلام. يعلنون عن عدم اتفاقهم أخلاقيًا مع هذه العمليات. يعتبرونها مجرّد عمليات ثأرية غير عادلة وغير متوازنة. وأنهم في حالة من الضيق والقلق إزاء مستوى العنف والدمار في غزة على يد جيشهم. وبعضهم يتوسل تعاليم اليهودية القائلة بأن القتل هو أخطر الجرائم، وبأن التقاليد اليهودية تشدد على قدسية حياة الإنسان. متى يستيقظ الضمير الإسرائيلي؟ متى الآن؟ ومتى غدًا؟ فالحرب مفتوحة. وقد لا تنتهي كما هي الحروب المخلصة لتقاليدها. أي أننا قد نشهد بناء معسكر اعتقال لأكثر من نصف مليون غزاوي، أو تهجير “طوعي” لنصفهم الآخر. والضمير الإسرائيلي بين نقزة ضعيفة وسُبات طويل. كيف نقيس كل ذلك؟ ربما بالمقارنة، ومع أقرب الأمثلة إلينا. أي الندم الألماني على فظائع النازية ضد اليهود. بدأ يستيقظ عام 1958، بعد عقد ونيف على جرائمها. حينها انطلقت مسيرة الضمير الألماني: محاكمات، شهادات، وثائق، تحقيقات. حتى بلغنا نهاية العقد الماضي مع تحول ذاكرة الجرائم النازية إلى عنصر أساسي في الهوية الألمانية وعقيدتها السياسية وحتى أعيادها وفعالياتها الوطنية، ناهيك عن الانحياز التام لإسرائيل. هل يكون مسار الضمير الإسرائيلي مشابهًا؟ أسرع؟ أبطأ؟ طبعًا سنقول بأن المعلومة عن غزة أكثر انتشارًا مما كانت عليه المحارق النازية، وبأن غزة حتى الآن مسحوقة، لا تعرف كم من موتاها تحت الركام. وقد يكون هذا توحش إسرائيل إزاءها ردًّا على ضميرها، الذي ما أن يقرصها حتى تزداد توحّشًا. ولكن كلما بنت إسرائيل الحصون والأسوار بالنار والحديد، كلما هربت من نفسها، من سوادها الداكن، كلما قتلت وجوّعت وحاصرت… لن تفلت من عيون ضحاياها، حتى لو أصبحت عظامهم وعظامنا مكاحل. فهل سوف تصحى إسرائيل لأن عذاب ضميرها سيبلغ ذروته؟ ساعتها ربما تداوي ضميرَها بضميرِها، ويُفتح بذلك دفتر هذا التاريخ. 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post الأردن أمام محاولة إسرائيل لتفكيك الجغرافية السياسية الفلسطينية next post حزام أمني بالمسيرات… وقائع احتلال إسرائيلي غير معلن لجنوب لبنان You may also like حازم صاغية يكتب عن: الحرب الحاليّة و«انعزاليّة» اللبنانيّين 10 مارس، 2026 غسان شربل يكتب عن: حرب تغيير الملامح 10 مارس، 2026 داليا داسا كاي تكتب عن: وهم الشرق الأوسط... 8 مارس، 2026 دانيال بايمان يكتب عن: هل لا يزال “حزب... 8 مارس، 2026 ريتشارد فونتين يكتب عن: الحرب على طريقة ترمب 8 مارس، 2026 عبد الرحمن الراشد يكتب عن: نهاية إيران كقوة... 8 مارس، 2026 دلال البزري تكتب من تورنتو عن: اللبنانيون والحنين... 6 مارس، 2026 رضوان السيد يكتب عن: العودة إلى لبنان! 6 مارس، 2026 سوزان مالوني تكتب عن: إلى متى يستطيع النظام... 5 مارس، 2026 حازم صاغية يكتب : عن الحرب والنظر إلى... 5 مارس، 2026