لوحة تمثل إعدام الفيلسوف جوردانو برونو (موسوعة الفن الكلاسيكي) ثقافة و فنون “حامل الشمعدان” لبرونو: مسرحية هزلية لفيلسوف جدي by admin 13 مارس، 2026 written by admin 13 مارس، 2026 19 عندما يحلو للمفكر أن يلهو في نزوة شديدة البعد في فكرها وموضوعها عن عالمه اندبندنت عربية / إبراهيم العريس باحث وكاتب “لم يكن لتفاوت منطقه من باعث سوى حماسته الشهمة، فالابتذال والصغار والتناهي ما كانت تليق به، فكان أن اندفع نحو فكرته السامية عن الجوهر الكلي”. كان هذا ما قاله يوماً عنه الفيلسوف الألماني المثالي الكبير هيغل، وكان هذا، دائماً، رأي كبار المفكرين التنويريين فيه، أما الفلاسفة الأكثر حداثة فإن نظرتهم إليه يكاد يلخصها ما قاله عنه إرنست بلوخ: “في فجر عصر النهضة ينتصب وجه برونو، شاعر اللاتناهي الكوني، الذي يميزه عن سائر فلاسفة زمانه أنه بقي وفياً لحقيقته حتى يومه: فبعد كثرة من الشهداء المسيحيين، يمثل برونو، على خطى سقراط، الوجه الأكثر تجلياً لجميع شهداء الحقيقة العلمية”. هو، بالطبع، جوردانو برونو، الفيلسوف الإيطالي، الذي كان في الـ52 من عمره، يوم الـ17 من فبراير (شباط) من عام 1600 حين رأت محاكم التفتيش الكنسية أن تحرقه في روما، بعدما كان أودع السجن أقل قليلاً من ثمانية أعوام. وكانت جريمته كلها تكمن في أنه فكر… وفكر طبعاً خارج السياق الرائج للفكر الرسمي، كان هذا النوع من التفكير يعتبر جريمة عظمى في نظر محاكم التفتيش، وكان لا بد لبرونو من أن يدفع ثمن “جريمته” فمات شهيد العلم والفكر. والحال أن برونو لم يكن فيلسوفاً وعالماً فحسب، بل كان كاهناً وفقيهاً في اللاهوت أيضاً، ولعل هذا ما حتم أن يكون عقابه شديداً، بل أن يحرق حياً في العاصمة الإيطالية، كإشارة إلى أن في إمكان الفكر الرسمي أن يغض الطرف عن بعض سمات عصر النهضة الفنية، إما أن يطاول المروق الفكر والثوابت الرسمية والأفكار المسبقة فهذا أمر لم يكن التهاون معه ممكناً! خصم السكولائية العنيد يعرف المعنيون بشؤون الفلسفة والعلم أن جوردانو برونو كان، انطلاقاً من أفكاره، ثم بفعل استشهاده، واحداً من أكبر المفكرين النهضويين، في الوقت نفسه الذي كان فيه خصماً عنيداً للنزعة المدرسية (السكولائية)، كما لبعض السمات التي كانت مهيمنة على الكنيسة الكاثوليكية الرومانية، في تلك الأزمان الصعبة، ويعرف هؤلاء أن برونو عاش حياته مدافعاً حاراً عن “النظرة الكلية المادية للعالم، التي تصورها على شكل وحدة للوجود”. أما مؤلفاته الرئيسة فيكاد يختصرها كتاباه المتشكلان من محاورات فلسفية تذكر بمحاورات أفلاطون، ولكن مدموغة في أفلاطونية – جديدة واضحة وفي فيثاغورية تحمل بعض الالتباس، وهذان الكتابان هما “في العلة والمبدأ الواحد” و”في العالم المتناهي وفي العالم”، وفي هذين الكتابين كشف برونو كم أن نظرته الكلية تأثرت بالفلاسفة الماديين القدامى: من إغريق ولاتينيين من أمثال انباذوقلس وانكساغوراس ثم ابيقور ولوكريتيوس، ناهيك بتأثره بالمفكرين الماديين الأحرار في عصر النهضة، مما مكنه من أن يتصدى، حتى لبعض النزعات الثبوتية الميتافيزيقية التي تخللت مادية كوبرنيكوس. كل هذا يعرفه المطلعون على الفكر النهضوي وعلى كتابات برونو الفلسفية/ العلمية، لكن الذين يعرفونه أقل، هو أن هذا الكاهن/ المفكر، خلف أيضاً عملاً مسرحياً وحيداً هو مسرحيته “حامل الشمعدان” التي كتبها، كنوع من النزوة على سبيل التزجية عن النفس وهو في الـ40 من عمره. جوردانو برونو (1548 – 1600) (غيتي) سخرية لاذعة وكذلك لا يعرف أحد بالتمام ما إذا كانت “حامل الشمعدان” قد قدمت على خشبة المسرح في زمن كاتبها. وإن كان من المنطقي القول إنه كتبها فيما كان يعيش متنقلاً بين لندن وأوكسفورد وباريس، خلال النصف الأول من ثمانينيات القرن الـ16. ويفترض الباحثون أن كتابة هذه المسرحية اللاذعة في سخريتها أتت نوعاً من التمهيد لكتب عدة خطها يراع برونو خلال الأعوام التالية، وأتت مليئة بالسخرية والتهكم في نزوعها الانتقادي ضد ما كان يسميه “نظرية الحميرية المقدسة” التي كان يرى أنها سمة من سمات التواضع والبساطة اللذين يوصي بهما الفكر الكنسي الرسمي. وهذه الكتب تمثلها ثلاثية تحمل أسماء “جزر الوحش المنتصر” و”قبالة الحصان بيغاز المقرون بحمار اركاديا” وأخيراً “الغضبات البطولية”. ولئن كان برونو يعالج في هذه الأعمال الثلاثة مسائل مثل العقاب والغضب والحقيقة والفضيلة، فإنه في المسرحية الممهدة “حامل الشمعدان”، لم يكن شديد البعد من تلك المعالجة وإن كان بدا في لغته وصوره، أدنى إلى الرمز والكناية والتلميح، منه إلى الوضوح والتصريح. ظمأ أبدي للحب كتب جوردانو برونو “حامل الشمعدان” إذاً عام 1581. وهي جاءت في خمسة فصول تروي لنا مغامرات وأشجان بونيفاتشيو، الرجل البسيط الطيب، الذي يعيش ظمأً أبدياً إلى الحب. الحب الذي تمثله بالنسبة إليه فيتوريا، المحظية التي يولع بها كثر. وإلى جانب مركزية بونيفاتشيو في العمل هناك حضور كبير لشخصيتين أخريين تعيشان بدورهما مغامرات غريبة، وهما بارتولوميو (الرجل البائس الذي يعيش أيامه وهو يحلم بأن يصبح خيميائياً ليتمكن من التلاعب بالمعادن والنفوس كما يشاء) ومانفوريو (الجاهل الأحمق الذي ينظر إلى نفسه على أنه واحد من كبار الباحثين والمفكرين). ويحدث أن يدبر واحد من معارف بونيفاتشيو (وهو النصاب سكاراموري) لقاء له مع المحظية فيتوريا، يفترض أنه لقاء سري تحت قناع، ولكن ما يحصل في الحقيقة هو أن كاروبينا، زوجة بونيفاتشيو هي التي تحضر إلى اللقاء، محاولة أن تغوي زوجها الذي يعتقد أنها فاتنته فيتوريا. أما بارتولوميو فإنه بعدما يسوي أموره ويعطي الخيميائي الحقيقي تشيريشيو 600 قطعة نقدية حتى يعلمه فنه، يكتشف أن هذا لن يجديه نفعاً. أما مارتا، زوجته السؤوم التي تعيش نوعاً من الغضب الدائم على زوجها الذي يعاني، في رأيها، خرفاً مبكراً، فإنها سرعان ما تتخذ الفتى بارو عشيقاً لها، أما مانفوريو فإنه بدوره يجد نفسه موضع سخرية الحاذق أوتافيانو الذي كان مانفوريو معتقداً أنه يخدعه بكلامه الكبير، الذي ليس في نهاية الأمر سوى هراء لا معنى له، وهكذا تسير الفصول بالحمقى الثلاثة، كل واحد منهم ينفق وقته وماله من أجل تحقيق حلم لا يوصله إلى مكان. وفي النهاية ينتهي الأمر بهم إلى أن “يعتقلوا” من ثلاثة لاعبين تنكروا في زي رجال شرطة، يقومون بضربهم ضرباً مبرحاً، معيدين إياههم في نهاية الأمر، كلاً إلى بيته وقد بدا عليه أنه صار أكثر كآبة وأقل ثقة بنفسه، إن لم يكن أكثر حكمة وتعقلاً من ذي قبل. نتاج يوم ضجر من الواضح أن هذه المسرحية/ النزوة التي كتبها جوردانو برونو في يوم كان يشعر فيه بالضجر، تهدف إلى التقليل من شأن بعض مدعي العلم والنبل والرومانطيقية في الزمن الذي عاش فيه برونو، إذ إن كل واحد من الحمقى الثلاثة كان يمثل شريحة من شرائح هذا الادعاء. ولئن كان من المؤكد أن المسرحية لا تحمل تلك الأعماق الفكرية التي تحملها كتب برونو الأخرى، من الواضح في الوقت نفسه أنها – في زمانها – أتت مرة وقاسية وسط بيئة اجتماعية تعبق بالنفاق ويتهافت فيها المثريون الجدد، على طلب العلم والنبل والحب ولو بالقوة، من دون أن يكون ذلك عن جدارة. ولد جوردانو برونو عام 1548 في نابولي، وتلقى علومه اللاهوتية منذ سن مبكرة ثم أرسل إلى دير بقي فيه مترهباً حتى سن الـ28. ظل منذ ذلك الحين تقض مضجعه أمور مثل تفسير الكتاب المقدس وإمكان التوفيق بين اللاهوت المسيحي ومذهب الفيض الأفلاطوني المحدث (وهو أيضاً ما كان قبله بقرون يقض مضجع فيلسوفين مسلمين في الأقل هما الفارابي وابن رشد). وإذ وجد برونو نفسه بعد صدور كتاباته الأولى على خلاف بيّن مع الفكر الرسمي، بدأ مرحلة تجوال وهرب في حياته قادته إلى عدد من المدن الإيطالية والأوروبية بصورة عامة… ثم وصل إلى جنيف حيث نراه ينضم إلى المذهب البروتستانتي… لكنه سرعان ما تمرد على هذا المذهب فصارت مطاردته مزدوجة، واضطر إلى السفر إلى تولوز حيث أقام فترة. وهو بعد تلك المرحلة عاش مرحلة الخصب في حياته فوضع كتبه الأساسية، وتنقل بين مزيد من المدن، حتى وصل يوماً إلى فرانكفورت حيث التقى بكتبي بعث به إلى البندقية، ولكنه هناك بدلاً من أن يقوم بمهام تعليمية موعودة وشي به إلى السلطات بتهمة الهرطقة واعتقل وحوكم ليودع السجن، ويحرق بعد ذلك حياً. المزيد عن: الفيلسوف الألماني هيغل جوردانو برونو الكنيسة الكاثوليكية الرومانية أفلاطون 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post “خطيفة” يخطف أنظار التونسيين في رمضان next post كوجو الغاني وتوني الكندي صديقان في البحث عن الأب You may also like “سا أوزير” حكاية عن الماوراء سبقت دانتي والمعري 13 مارس، 2026 كوجو الغاني وتوني الكندي صديقان في البحث عن... 13 مارس، 2026 “خطيفة” يخطف أنظار التونسيين في رمضان 13 مارس، 2026 دلال البزري تكتب عن: السيجارة تلك اللذة المسمومة... 13 مارس، 2026 “رسائل همنغواي”: سيرة مواربة تتوغل في أعماقه عنوة 13 مارس، 2026 أمين الزاوي يرفع “الكمامة” عن أمراض الثقافة العربية 13 مارس، 2026 “نظام المال” رواية الصدمة الغربية ازاء العولمة الاقتصادية 12 مارس، 2026 معجم أدباء اليمن يسمو فوق صراعات السياسة 12 مارس، 2026 فاروق يوسف العائد يقف على أطلال البلاد الأم 12 مارس، 2026 أميركي يكتب التاريخ “الحقيقي” للاشتراكية: الأبطال بشر أيضا! 11 مارس، 2026