بأقلامهم حازم صاغيةيكتب عن: في أنّ قضيّة لبنان أبعد من مفاوضات by admin 13 مايو، 2026 written by admin 13 مايو، 2026 108 ان لجأ بعض هؤلاء، بأقدار متفاوتة من الخفّة، إلى غزل رديء بإسرائيل، بقي أنّ سلوكهم يشبه ضربة ارتداديّة تكتسب قوّتها من قوّة الضربات القاتلة التي سبق أن تلقّتها. الشرق الاوسط / حازم صاغية مثقف وكاتب لبناني؛ بدأ الكتابة الصحافية عام 1974 في جريدة «السفير»، ثم، منذ 1989، في جريدة «الحياة»، ومنذ أواسط 2019 يكتب في «الشرق الأوسط». في هذه الغضون كتب لبعض الصحف والمواقع الإلكترونية، كما أصدر عدداً من الكتب التي تدور حول السياسة والثقافة السياسية في لبنان والمشرق العربي. هناك أصوات لبنانيّة، لا تصدر بالضرورة عن مواقع متطابقة، تحذّر المفاوض اللبنانيّ من الذهاب إلى الحدّ الأقصى، مؤكّدة انحيازها الحاسم للتوقّف عند الحدّ الأدنى. وقد تكون هناك أسباب وجيهة في هذه الحجج، لكنّ أضعف ما فيها ضعف اكتراثها بتوازن القوى القائم مع إسرائيل التي تحتلّ أراضي لبنانيّة لم تعد ضئيلة وقد تتزايد. وواقعيّاً، ما دامت السلطة اللبنانيّة عاجزة عن نزع سلاح «حزب الله»، فلن يفعل ضعفها سوى الإمعان في إضعاف موقع لبنان التفاوضيّ، دافعاً الإسرائيليّين إلى مضاعفة شروطهم وابتزازهم، علماً بأنّ ما من طرف يستطيع الضغط عليهم سوى حليفهم الوثيق، الولايات المتّحدة. والواقعيّة هنا ليست الرضوخ لكلّ ما ينضح به الواقع، بل التعامل معه من داخل الإمكانات التي يوفّرها، لأنّ العكس تورّط في مغامرات إراديّة غير مسؤولة. ولنا في تجربة رئيس الحكومة نوّاف سلام عبرة، هو الذي انتقل من قاضٍ يشارك في محاكمة إسرائيل إلى رئيس حكومة يشارك، مع رئيس الجمهوريّة، في الإشراف على مفاوضتها. والدلالة الرمزيّة، هنا، صارخة في شهادتها لحركة الواقع ووطأة المسؤوليّة. والأوهام تذهب بنا بعيداً متى تخيّلنا احتمال تقبّل الدولة العبريّة المطالب اللبنانيّة كما لو أنّها الطرف المهزوم أمام لبنان! فالاكتفاء بالعودة إلى اتّفاق الهدنة، مثلاً لا حصراً، لن يكون مقبولاً بتاتاً لسبب يراه الإسرائيليّون وجيهاً. ذاك أنّ الهدنة، وكما أشار غير مُراقب، كان معمولاً بها حين ظهرت المقاومة الفلسطينيّة وتعاظم حضورها العسكريّ، وهذا قبل أن ينشأ «حزب الله» ويصير ما صاره. أمّا التعويل على «حوار داخليّ» مع الحزب لنزع سلاحه، فهو ما تكفي معرفة قليلة حصّلتْها تجارب كثيرة لإدراك أنّه حرث في بحر. فمتى شئنا لهذا «الحوار» أن يواكب التفاوض كنّا كمن يُدخل كرة نار في مرمانا. والأهمّ أنّ تلك الاقتراحات تستأنف تقليداً عرفناه في تاريخ أحزابنا العقائديّة، وهو وضع تصوّر يراد له أن يطابق «الصواب» مع أنّه يجافي تكوين المجتمع المعنيّ وتاريخه. ففي لبنان كتلة كبيرة من السكّان، ليست حفنة صغيرة من العملاء، ولا هي هامشيّة في قيام البلد وتشكّله، لا تريد الخروج من حالة الحرب فحسب، بل الخروج من ثقافة الحرب أيضاً. ذاك أنّ الثقافة هذه حرمت الكتلة المذكورة حقّها في التمتّع بقرار حرّ يطال حياتها وموت أبنائها. فمنذ الخمسينات، وخصوصاً الستينات، تُجرّ الكتلة هذه، غصباً عنها، إلى الحالة الحربيّة التي وُصف رفضها بالخيانة لأنّ الصراع مع إسرائيل بدا، جدّيّاً كان أم ذرائعيّاً، أهمّ مصادر التخوين. فما إن تُذكر «القضيّة» حتّى يطيب حمل السلاح للراغبين في حمله لأسباب شتّى، بينما يُرسم المتحفّظون طابوراً خامساً من المتربّصين. وهذا سجلٌّ دمويّ شهير استجرّ حروباً أهليّة واجتياحات إسرائيليّة ووصاية سوريّة وتحكّماً إيرانيّاً، وشهد معساً متواصلاً لإرادة الذين شاءوا العيش في بلادهم كما لو أنّها بلادهم. ولئن لجأ بعض هؤلاء، بأقدار متفاوتة من الخفّة، إلى غزل رديء بإسرائيل، بقي أنّ سلوكهم يشبه ضربة ارتداديّة تكتسب قوّتها من قوّة الضربات القاتلة التي سبق أن تلقّتها. هكذا باتت الحرب الحاليّة مناسبة لانفجار الخلاف حول كلّ شيء تقريباً ممّا انطوى عليه تاريخ الإلحاق والتبعيّة. وأهمّ محاور ذاك الخلاف أن تكون طريق الخروج من الحرب طريقاً لا عودة معها إلى الحروب. أمّا ما يكفل ذلك فهو وحده الجيّد، وأمّا ما يجافيه فهو السيّئ. وهذا الرفض الجذريّ للحرب، وذاك الإقفال المُحكم لمساربها، إنّما يُفترض بهما أن يلبّيا طموح الجماعات اللبنانيّة الأخرى ورغباتها، لا سيّما منها الأشدّ تضرّراً من الحرب، شريطة تحرّرها من استيلاء «حزب الله» على وعيها. وهذا ما يجعل الصراع ضدّ الحرب صراعاً لنصرة العقل والعقلانيّة والتحرّر. أمّا الردّ بأنّ إسرائيل سوف تنفّذ أجندة إجراميّة بغضّ النظر عن توفير الأمن لها أو عدمه، وبغضّ النظر عمّا نفعل أو لا نفعل، فيدحضه كمٌّ من الحقائق التي تقول إنّ في الوسع دائماً قطع الطريق على ذرائع الجريمة الإسرائيليّة. ومؤخّراً، وفي تحقيق صحافيّ، دلّنا الزميل والروائيّ محمّد أبي سمرا على أنّ قرى العرقوب المختلطة طائفيّاً تجنّبت مصير القرى والبلدات الجنوبيّة البائس. والشيء نفسه يقال عن القرى المسيحيّة التي سلمت لأنّها، مثلها مثل العرقوب، لم يستطع الحزب أن يشقّ الأنفاق تحتها ويطلق الصواريخ منها. وهكذا فإنّ على الديبلوماسيّة اللبنانيّة أن تأخذ في اعتبارها، والحال هذه، جميع حساسيّات المجتمع المتصدّع. أمّا أكثر ما ينبغي التنبيه إليه هو أنّ التعامل مع وحدة البلد كشيء مسلّم به، وإخضاع هذه الوحدة لتأويل واحد ووحيد، لم يعودا مضمونين. فهنا باتت تكمن المسألة الكبرى التي يجب ألاّ يتجاهلها من يريد لهذا البلد أن يبقى بلداً موحّداً. والحال أنّه إذا كانت أكلاف التقسيم وصعوباته كبيرة جدّاً، فإنّ ما انتهينا إليه، بعد هذه الحرب، يقول إنّ أكلاف التوحيد وصعوباته تغدو، وعلى نحو متسارع، أكبر. 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post بين التخوين وكمّ الأفواه… حزن محرّم على خسارات أبناء الجنوب والضاحية next post محمود الزيباوي يكتب عن: نقوش تصويرية من قصر الحير الغربي You may also like رضوان السيد في “الشرق الاوسط”: منطق الثأر ومنطق... 17 يوليو، 2026 روبرت ساتلوف في washington institute: لقاء ترامب وعون..... 17 يوليو، 2026 How to Isolate Tehran.. by Dennis Ross 17 يوليو، 2026 Operationalizing the Trilateral Framework Agreement..by Matthew Levitt 17 يوليو، 2026 Yemen’s Truce at Risk .. by April Longley... 17 يوليو، 2026 في washington institute: زيارة العراق يمكن أن تُساعد... 17 يوليو، 2026 دلال البزري في “العربي الجديد”: المونديال لعبة تحوم... 17 يوليو، 2026 حازم صاغية في “الشرق الاوسط”: أن تخسر إسرائيل ولا... 16 يوليو، 2026 سام كيلي في “اندبندنت عربية”: لهذه الأسباب بوتين... 15 يوليو، 2026 Mr. Al-Zaidi Goes to Washington By: David Schenker 14 يوليو، 2026