من وجوه الحضارة الآسيوية (متحف الحضارات) ثقافة و فنون النهوض الآسيوي يواجه “إخفاقاً ثقافياً” امام تحديات الحداثة by admin 9 أكتوبر، 2025 written by admin 9 أكتوبر، 2025 194 الباحث الهندي بانكاج ميشرا يتأمل في محطات إعادة تشكيل آسيا اندبندنت عربية / علي عطا بانكاج ميشرا هو باحث وروائي من أصل هندي، زميل الجمعية الملكية للأدب في بريطانيا، من أعماله رواية “الرومانسيون” 1999، وكتاب “عصر الغضب” 2017، أما كتابهFrom the Ruins of Empire: The Revolt Against the West and Remaking of Asia فقد صدرت ترجمته العربية (أحمد جمال أبو الليل) تحت عنوان مثير هو “أفول إمبراطورية الغرب: آسيا تنتفض لتولد من جديد” (المركز القومي للترجمة). يتناول الكتاب مسيرة مناهضة الإمبريالية في قارة آسيا من خلال جهود عدد من المثقفين، أمثال جمال الدين الأفغاني وسون يات سين وطاغور وليانغ كيشاو في أواخر القرن الـ19 وبدايات القرن الـ20. يعمد المؤلف إلى إظهار التاريخ المعاصر وسيرورته، بحسب مقدمة المترجم، لا من خلال النظرة الغربية، بل عبر ما استشعرته غالبية شعوب العالم الأخرى، خصوصاً في دول آسيوية مثل تركيا والهند والصين وإيران، ومن ثم يمكن القول – يضيف المترجم – إن المؤلف نجح في تقديم عرض وافٍ لحقبة كولونيالية امتدت أعواماً طوالاً بالتوازي مع الجهود الساعية إلى مقاومة ذلك التوغل الكولونيالي للغرب، وهي الجهود التي أفضت إلى تحرر الشعوب المضطهدة من ربقة هيمنة “الرجل الأبيض” ومن أصفاد “مهمته الحضارية” المزعومة. البداية من اليابان النسخة العربية (المركز القومي للترجمة) ويرى المؤلف أن القوة التي أظهرتها اليابان ضد روسيا في موقعة تسوشيما في أواخر مايو (أيار) 1905 دفعت الناشطين السياسيين في مختلف أرجاء آسيا إلى إذكاء ثورات دستورية شعبية متعاقبة في وجه الأنظمة الشمولية المتكلسة. وبحسب المؤلف فإن معركة تسوشيما “عزفت لحن البداية لانسحاب الغرب وانحسار نفوذه في آسيا وعجلت وتيرة حركة تحرر ثقافية”. ويرى ميشرا أن انتصار اليابان على روسيا عام 1905 أمد الشعوب الآسيوية بأمل جديد في التحرر من أصفاد الهيمنة الأوروبية، “تلك الشعوب التي عدها مفكرون أوروبيون مثل هيغل وماركس وجون ستيوارت مل، لا تصلح لأن تحكم نفسها من دون تدخل ’الآخر‘. واليوم تبدو المجتمعات الآسيوية من تركيا غرباً إلى الصين شرقاً واثقة الخطى إلا أن ذلك لم يكن ما تراءى لأولئك الذين دانوا الإمبراطورية العثمانية وسلالة تشينغ الإمبراطورية بأنهما عليلتان محتضرتان خلال القرن الـ19”. ويشير ميشرا في هذا الصدد إلى أن الدستور الياباني في ذلك الوقت كان نموذجاً يحتذى، فحركة “الشبيبة العثمانية” أجبرت السلطان عبدالحميد الثاني عام 1908 على إعادة العمل بالدستور الذي كان معطلاً منذ عام 1878. أما الفرس فقد شجعهم النصر المؤزر لليابان الدستورية على روسيا الشمولية، على إنشاء “مجلس الشورى الإسلامي” عام 1906، وفي العام ذاته وفيما يشبه انفراط عقد خرزات السبحة تتابعاً، استشعر أرخبيل الجزر الإندونيسية وقع النصر الياباني فشكلت صفوة أهالي جزيرة جاوة أول حزب وطني عام 1908 تحت اسم “النزعة الفاضلة”. التحول الأبرز الكتاب بالإنجليزية (أمازون) أما التحول الأبرز والأبعد انتشاراً فقد جرت وقائعه في الصين، حيث اختمرت العوامل التي أفضت إلى إطاحة إحدى أقدم سلالات الأباطرة في العالم (سلالة تشينغ التي حكمت بين عامي 1644 و1912)، وخلال عام 1905 وما تلاه من أعوام، ارتحل آلاف الصينيين إلى اليابان فيما عد وقتها أوسع حركة نزوح طلابي شهدها العالم قاطبة. تلك الحركة ضمت طلاباً شكلوا في ما بعد الرعيل الأول من زعماء الصين ما بعد الحقبة الإمبراطورية، لكن ظهرت في اليابان نفسها عقب النصر على روسيا، نزعة “القومية الليبرالية” المتسمة بالمغالاة والتطرف. وفي كلكتا ودكا شرع الراديكاليون في رعاية رحلات للطلاب إلى العاصمة اليابانية طوكيو، أما المحرضون المناهضون للحكم الإمبريالي ممن اتخذوا أوروبا والولايات المتحدة الأميركية مقار لإقامتهم، فقد أرسوا صلات وروابط وطيدة بالثوريين الإيرلنديين والروس، وكذلك بالزعماء اليابانيين والصينيين بهدف تهريب الأسلحة إلى داخل البنغال، وفي الصين الهندية الفرنسية “شرعت صفوة الباحثين في التوسل بمفردات العنف الثوري أيضاً” ص 13. إن قبضة أوروبا المهيمنة على مقدرات القارة الآسيوية، التي بلغت أوجها في مطلع القرن الـ20، ستغدو ضعيفة لا حول لها ولا طول بحلول منتصف القرن المذكور، حين أضحت الهند والصين دولتين مستقلتين، ستغدو مجرد وجود هامشي هزيل تدعمه القوة الغربية الوليدة، ألا وهي الولايات المتحدة الأميركية. سيرتكن ذلك التحالف، بحسب المؤلف، إلى قواعد عسكرية وضغوط اقتصادية وانقلابات سياسية، غير مدرك ما للآسيويين من قدرة على استيعاب الأفكار الحديثة وهضمها وتمثلها، وكذلك الحال في ما يتعلق بأسرار القوة الغربية. التحدي الكبير وفي خلاصة دراسته، لاحظ ميشرا أن تنامي الوعي التاريخي والدولي إبان أواخر القرن الـ19 وبواكير القرن الـ20، يبدو الآن مذهلاً للغاية، فعقب أعوام قليلة من تفنيد جمال الدين الأفغاني المزاعم البريطانية في شأن تحديث الهند، كان طاغور يتناقش مع اليابانيين حول مثالب “القومية” ونقائصها، فيما كان ليانغ كيشاو يعمل الفكر في فساد الديمقراطية والرأسمالية الأميركية. ووفق أوجه كثيرة، فإن البصيرة التي بثها المفكرون الآسيويون آنذاك في نفوس بني جلدتهم وكذلك في النفس البشرية عامة، لا تزال تحدث تغيرات في المشهدين الثقافي والسياسي عالمياً، فضلاً عن كونها لا تزال تصوغ الوعي الفردي والجمعي. لقد كانت جماعة صغيرة من المفكرين في كل بلد آسيوي هي التي انفتح تعليم أفرادها وخبراتهم على المشهد الأرحب لمجتمعاتهم وللعالم ككل، وإذ أفضى هذا التعليم وتلك الخبرات إلى أن أضحى هؤلاء المفكرون رجالاً من نسيج خاص مغاير في عزلة من جموع العامة من بني جلدتهم، فقد كانوا أول من أفصح عن أعمق المآزق التي حاقت بهم، وأكثر الرغائب والطموحات التي راودتهم. ومع الوقت نجحت الصين والهند وإندونيسيا في الحفاظ على نموها الاقتصادي “إلى حد أن أضحى ثقلها التراكمي المتنامي يمثل تحدياً كبيراً بوجه الغرب ذاته” ص 448. إخفاق ثقافي لكن ذلك خلق في المقابل “نخبة مبهرجة”، فضلاً عن تعميقه التباينات الاجتماعية والاقتصادية الصارخة، التي تنذر بما لا تحمد عقباه في ظل تنامي الاتجاه إلى الخصخصة وتحجيم الخدمات العامة وإلغاء العمل النقابي، وشرذمة الطبقات الحضرية العاملة وتجريدها من وظائفها، والقمع الوحشي للريفيين المعدمين. ورأى بانكاج ميشرا أنه بعد أكثر من نصف قرن من بداية التحرر من إسار الكولونيالية، لا نزال نحيا ضمن ما أطلق عليه الكاتب الأميركي إرفينغ هاو، عام 1954 “العصر الثوري”، لكن ذلك لا يمكن أن يخفي إخفاقاً ثقافياً. ولاحظ المؤلف هنا أن غاندي الذي كان أشد منتقدي الغرب أضحى منسياً اليوم في الهند، وأضحت الماركسية اللينينية محل شكوك وريبة. وعلى رغم إشارات حكام الصين المتزايدة إلى المفاهيم الكونفوشيوسية للتناغم، فإن إرث الصين الأخلاقي ونظريتها الاجتماعية الاقتصادية كأنهما أرض لم يسبر غورها بعد، ويضيف “بل إن تجربة تركيا الحداثية الإسلامية حتى وإن كانت قابلة للتطبيق في غيرها من البلدان الإسلامية، فإنها لا تشير إلى أي نظام اجتماعي اقتصادي بديل”. ولاحظ كذلك أن الشعور بالقنوط واليأس – بخاصة بين الفلاحين الهنود الذين لا يملكون الأرض – إلى تكوين حركات شيوعية مسلحة، رأى رئيس وزراء الهند السابق مانموهان سينغ، أنها “أخطر تهديد للأمن الداخلي واجهته الهند منذ استقلالها” ص 453. ورأى ميشرا أن أولئك الشيوعيين السائرين على نهج ماو تسي تونغ بأنظمتهم الخاصة بتحصيل الضرائب وإحلال العدالة، يسيطرون على مناطق كثيرة في شمال الهند ووسطها، أما نزعتهم الانفصالية غير الرسمية فلها نظيرتها بين أغنياء هذا البلد “فالمجتمعات المسيجة آخذة في النمو في مدن الهند وضواحيها”، وما يثير الانزعاج – يقول ميشرا – أن ثلث الهنود يحيون في فقر مدقع، فأكثر من نصف الأطفال هناك ممن هم دون الخامسة، مصابون بسوء التغذية، أما محصول الأرض السيئ والديون المتراكمة فقد دفعت أكثر من 100 ألف مزارع هندي إلى إزهاق أرواحهم حلال العقد الأول من القرن الـ21، “وهذا هو جزء من الحصاد المر لانتصار الحداثة الغربية الشامل الذي يجعل انتقام الشرق مبهماً، ويجعل انتصاراته تنتزع بثمن باهظ للغاية” ص 455. المزيد عن: الحضارة الآسيويةالنهوضالإخفاقالثقافةالهندباحث هنديترجمةقضايا معاصرة 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post مآلات الذكاء الاصطناعي على ضوء النظريات الفلسفية next post البريطانيون بين حقوق الإنسان وأزمة الهجرة لمن الغلبة؟ You may also like السينما الإيرانية الجديدة ولدت من قلب الرقابة 10 مارس، 2026 فاطمة أيديمير تروي دراما الاغتراب في أوروبا 10 مارس، 2026 أدورنو يحتج على تشييء الفنون وابتذالية الفكر الاحتجاجي 10 مارس، 2026 “البحث عن الإمبراطور” رواية استشرفت سقوط الاتحاد السوفياتي 9 مارس، 2026 الحرب على سرير التحليل النفسي والثقافي 9 مارس، 2026 “ثلاثمئة حكاية” لفرانكو ساكيتي: وقائع إيطالية في زمن... 9 مارس، 2026 زيارة رمضانية إلى دوستويفسكي عن الجوع الاختياري 9 مارس، 2026 ندى حطيط تكتب عن: الذكاء الاصطناعي يكشف عن... 9 مارس، 2026 “ميشال ستروغوف” لجول فيرن… اكتشاف أدبي للعولمة 8 مارس، 2026 اللبناني نبيل نحاس يحمل “اللاحدود” إلى بينالي البندقية 7 مارس، 2026