الفيلسوف الإغريقي يحاور الذكاء الاصطناعي (موقع فلسفة) ثقافة و فنون الفلسفة أيضا جرفتها رياح الرقمنة والذكاء الاصطناعي by admin 17 مايو، 2026 written by admin 17 مايو، 2026 19 تحول حضاري شامل يشبه الثورات الكبرى التي عرفتها الإنسانية على مر التاريخ اندبندنت عربية / مارلين كنعان أستاذة الفلسفة والحضارات، كاتبة وباحثة @MARLKANAAN أصبحت الفلسفة نفسها داخل العاصفة بعدما تحولت التكنولوجيا الرقمية من تقنية إضافية في حياة الإنسان إلى شرط من شروط الوجود المعاصر، وإلى بيئة كاملة تعيد تشكيل إدراكه ولغته وذاكرته وعلاقاته الاجتماعية، وصولاً إلى معنى الذات الإنسانية، طارحة على الفلاسفة سؤالاً حول طبيعة الإنسان الذي ينتجه العصر الرقمي. هذا التحول العميق دفع بأستاذ كرسي الإنسانيات الرقمية في جامعة السوربون، المؤرخ والمفكر اللبناني الفرنسي ميلاد الدويهي (مواليد عام 1959)، إلى صياغة مفهوم “الإنسانية الرقمية” أو “النزعة الإنسانية الرقمية” كأفق جديد للفكر المعاصر، مما يعني أن الدويهي اعتبر الرقمنة تحولاً حضارياً شاملاً يشبه التحولات الكبرى التي عرفتها الإنسانية مع اختراع الزراعة والكتابة والطباعة والصناعة. فالرقمي عند الدويهي ليس شيئاً خارج الثقافة، لعله الثقافة بعينها في طورها الجديد. ولذلك رفض النظر إلى تكنولوجيا المعلوماتية كنقيض للإنسان، مؤكداً أن الإنسان المعاصر صار يتشكل من خلالها. فإنسان اليوم لا يستخدم العالم الرقمي أو يعيش بجواره، إنه “يسكنه” بالمعنى الهايدغري للكلمة. وهنا تكمن إحدى أكبر المفارقات الفلسفية المعاصرة: تحول التكنولوجيا من أداة يستخدمها البشر إلى وسط يحدد شروط تفكيرهم ورؤيتهم للعالم. هذا ما جعل الفيلسوف الفرنسي بول ماتياس يتحدث أيضاً عن “إعادة تقنة الفكر”. ذلك أن الإنسان المعاصر، بحسب ماتياس، لم يعد يفكر بعقله الخاص فحسب، بل عبر أنظمة تقنية وخوارزمية تنظم المعرفة مسبقاً، وتوجه طرق الوصول إليها، معيدة ترتيب الحقيقة ذاتها. الإنسان الرقمي يظن أنه يفكر ويبحث بحرية في شبكة الإنترنت، غير أنه في الواقع يتحرك في فضاءات وخرائط رسمتها الخوارزميات. تدفق المعلومات العقل والذكاء الاصطناعي (سوشيل ميديا) ولئن كان الكتاب قبلاً فضاءً يسمح ببناء علاقة بطيئة وعميقة مع الفكر، إذ كان القارئ يدخل إلى عالم النص كما يدخل إلى زمن آخر قوامه التأمل والصبر والعودة إلى الذات، فإنه أخلى مكانه للشاشة الرقمية التي بدلت هذه العلاقة جذرياً. فصار الإنسان يعيش داخل تدفق مستمر من الصور والرسائل والإشعارات والمعلومات المتقاطعة. ولم يعد ثمة “زمن للتفكير” الذي حل محله زمن التفاعل الفوري. هذا ما دفع بكثير من المفكرين والفلاسفة المعاصرين إلى الحديث عن أزمة الانتباه كتحول حضاري يمس البنية العميقة للوعي الإنساني. لكن الأمر يتجاوز مسألة تسارع وتدفق المعلومات، ليطال طبيعة الحقيقة والمعرفة نفسها. ففي العصر الرقمي، لم تعد المعرفة الحقيقية تبنى داخل المؤسسات التقليدية وحدها، كالجامعات أو الكتب أو الأبحاث العلمية، بقدر ما أصبحت تنتج داخل فضاءات خوارزمية تتحكم فيها شركات رقمية عملاقة. إن ترتيب نتائج البحث، ومنطق “الترند”، وآليات الاقتراح والتوصية، تشارك كلها في صناعة ما يراه الإنسان وما يعتقده. هكذا أصبحت الخوارزميات نوعاً جديداً من السلطة الرمزية التي تنسج خيوط الحقيقة التي تريدها. في أواخر القرن الـ20، فهم المؤرخ والفيلسوف الفرنسي جاك إيللول (1912-1994) أن التكنولوجيا ليست حيادية كما توهم بعضٌ، مؤكداً امتلاكها منطقاً خاصاً يسعى دوماً إلى التوسع والهيمنة. فالتكنولوجيا الحديثة لا تسأل إن كان الشيء خيراً أو عادلاً أو جميلاً، لعلها تهتم فقط بفعاليته. ففي عصر الذكاء الاصطناعي أصبح الخطر يكمن في اعتبار الكفاءة التقنية وحدها هي القيمة العليا التي تقاس بها الحياة الإنسانية، مما حول الإنسان تدريجاً إلى ما يشبه ملف بيانات، أو إلى مستخدم، أو رقم داخل نظام ضخم من الحسابات والخوارزميات. وتشير بعض الدراسات إلى أن الذكاء الاصطناعي بات يهدد الإنسان من داخله، لأنه يعيد طرح السؤال الأزلي عما يجعل الإنسان إنساناً. خاصية العقل الفيلسوف يعطي درساً في زمن الذكاء الاصطناعي (موقع فلسفة) ولأن الفكر الغربي اعتبر طوال القرون أن العقل هو الخاصية الجوهرية للإنسان، وبما أن الآلات أصبحت اليوم قادرة، هي أيضاً، على “العقلنة” و”التفكير” من خلال الكتابة والتحليل والترجمة والتوليد الفني والمحاكاة اللغوية وتقليد الوجوه والأصوات والحركات، فإن الفلسفة تواجه أزمة حقيقية تفرض طرح سؤال جوهري: إذا كانت الآلة قادرة على محاكاة عدد من الوظائف العقلية، فأين تكمن خصوصية الإنسان وتفرده؟ لربما كان الجواب عن هذا السؤال أن الإنسان ليس مجرد “عقل حسابي”، فهو كائن هش ومتناقض، قادر في الوقت عينه على الإحساس بالألم والقلق والحدس والحب والخيال والموت. وإذا استطاعت الآلة إنتاج النصوص فإنها لا تستطيع عيش التجربة الوجودية التي تعطي للكلمات والنصوص معناها. الآلة تقلد الوعي، لكنها لا تختبر العالم. ولهذا، قال بعض المفكرين إن ظهور الذكاء الاصطناعي قد يدفعنا، بتضاد، إلى إعادة اكتشاف إنسانيتنا العميقة، لا كتفوق معرفي، بل كتجربة وجودية وروحية لا يمكن اختزالها في البيانات والخوارزميات. على رغم ذلك، أشار المفكر الفرنسي إريك سادان (مواليد عام 1973) المعروف بأعماله النقدية للتكنولوجيا وللتحولات الرقمية المعاصرة وتأثير الذكاء الاصطناعي والأنظمة التقنية على المجتمعات الحديثة، إلى ما يسميه هيمنة “العقل التقني” على إنسان القرن الـ21 وحياته الاجتماعية والسياسية، لأن الذكاء الاصطناعي لا يقدم نفسه كأداة فحسب، بل كقوة تسعى إلى الحلول محل الحكم الإنساني ذاته. فالخوارزميات أصبحت تقترح علينا ما نقرأه، وما نشتريه، وما نشاهده، ومن نحب أو نخشى. إنها تبني، شيئاً فشيئاً ما يسميه سادان “السيادة الخوارزمية”، التي تنتقل فيها سلطة القرار من الذات الإنسانية إلى الأنظمة الرقمية. من هنا نفهم خطورة ما سمته آن آلومبير (مواليد عام 1983) في كتابها الصادر عام 2023 “الفصام الرقمي” حين أشارت إلى أنه منذ ظهور المعلوماتية والسيبرنيطيقا في أواخر خمسينيات القرن الـ20، وصولاً إلى الهواتف الذكية وسائر التقنيات الرقمية المميزة لمجتمعاتنا المعاصرة، لا سيما تكنولوجيات الذكاء الاصطناعي التي غزت جميع مجالات الوجود الإنساني، تظل هذه الوسائط معرضة دوماً لأن تتحول إلى تكنولوجيات إقناعية. فهي، بصفتها الشروط المادية للفكر، بإمكانها أن تنقلب إلى أدوات للهيمنة والتلاعب، مما يخلق نوعاً من “السلطة النفسية” التي تعمل على توجيه الانتباه والرغبات والدوافع و”تصنيع العقول وقولبتها”. كتاب “الذكاء الاصطناعي بوصفه فلسفة” (امازون) ومع هذا التحول الجذري الذي فرضه النموذج الصناعي لوادي السيليكون عبر أجهزة ومنصات يبدو أن مبتكريها لم يعودوا قادرين على التحكم فيها، ومع تمجيد الخطابات الترانسإنسانية التي تطابق بين الدماغ والحاسوب وتختزل الروح أو الفكر في مجرد معالجة للبيانات وللتقدم الأُسِّي للآلات الذكية أو الواقع الافتراضي، تتزايد الدراسات العلمية التي تصف أضرار الشاشات وأخطار شبكات التواصل الاجتماعي. الإضطراب النفسي أدت المنظومات الرقمية القائمة على الجمع الهائل للبيانات واستلاب انتباه المستخدمين إلى ظهور شتى أنواع الاضطرابات النفسية التي تبدو مهددة لقدرات التفكير نفسها. فماذا لو كانت أسطورة الذكاء الاصطناعي التي تروج لها الثورة الرقمية، ليست سوى وسيلة لإخفاء نتائجها الكارثية؟ وكيف يمكن الخروج من هذه الفصام الرقمي؟ إن الإنسان المعاصر يعيش انقساماً داخلياً حاداً، إنه متصل بالعالم كله، لكنه يشعر بوحدة عميقة، يمتلك وسائل تعبير لا نهاية لها، لكنه يفقد القدرة على الإنصات الداخلي، يستهلك كميات هائلة من المعلومات، لكنه يجد صعوبة متزايدة في بناء معنى متماسك لحياته. إن وفرة الاتصال قد تخفي فقراً وجودياً غير مسبوق. في المقابل لا يمكن اختزال العالم الرقمي فقط في صورة كارثية، فالرقمنة فتحت إمكانات جديدة للمعرفة والتشارك والإبداع، محولة الفلسفة نفسها إلى فضاء مفتوح على المنصات الرقمية، مخرجة إياها من قاعات المؤسسات الأكاديمية المغلقة. فقد صار بإمكان شاب في مدينة صغيرة أن يستمع إلى محاضرات فلسفية عالمية، أو يناقش أفكاراً مع أشخاص ومفكرين يعيشون في قارات مختلفة. وظهرت أشكال جديدة من التفكير الجماعي والتأليف المشترك والتبادل الحر للمعرفة. كتاب “العقل الاصطناعي” (امازون) لكن هذا الانفتاح يطرح في الوقت عينه سؤالاً أخلاقياً وسياسياً بالغ الأهمية: من يملك الفضاء الرقمي؟ ومن يتحكم في الذاكرة البشرية الجديدة؟ لقد أصبحت البيانات المورد الأكثر قيمة في العالم، وصارت الشركات الرقمية تعرف عن الإنسان أكثر مما يعرفه هو عن نفسه أحياناً، محولة إياه إلى موضوع دائم للرصد والتتبع والتحليل، بحيث أصبحت المراقبة جزءاً من الحياة اليومية العادية. اقرأ المزيد هل ما زالت الفلسفة ضرورية في زمن الاضطراب الراهن؟ كيف تساهم الفلسفة في ترويض فاشية وادي السيليكون؟ هنا تعود الفلسفة لتؤدي دورها في مساءلة التكنولوجيا الرقمية. فالفكر الفلسفي لا يقف ضد التقدم، لكنه يرفض أن يتحول الإنسان إلى كائن يُدار بالكامل بمنطق السوق والخوارزمية. إن مهمة الفلسفة اليوم هي الدفاع عن المسافة النقدية، وعن الحق في البطء، وفي النسيان، وفي الصمت، وفي التأمل الحر. لقد كان هايدغر يخشى أن يتحول الإنسان في عصر التقنية إلى مجرد “مورد” داخل نظام شامل من التنظيم والاستغلال. ويبدو أن هذا التنبؤ بدأ يتحقق حالياً بصورة أكثر تعقيداً مع الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي. لكن هايدغر نفسه كان يرى أن الخطر يحمل في داخله إمكانية الخلاص، وربما يكون الخلاص اليوم في إعادة اكتشاف الإنسان لا كآلة تفكير، بل ككائن قادر على المعنى. إن التحدي الحقيقي في عصر الذكاء الاصطناعي ليس أن نصنع آلات أكثر ذكاءً، بل أن نحافظ على إنسانيتنا وسط عالم يزداد اصطناعاً. فحين تصبح كل الأشياء قابلة للقياس تصبح الحكمة فعل مقاومة، وحين يتحول الزمن إلى تدفق متواصل من البيانات يصبح التأمل صورة من صور الحرية، وحين تسعى الخوارزميات إلى توقع كل شيء يصبح الإبداع الإنساني هو القدرة على المفاجأة والانفلات من الحساب. لهذا، فإن الفلسفة في العصر الرقمي ليست ترفاً فكرياً بل ضرورة روحية وأخلاقية، إنها المساحة الأخيرة التي يستطيع الإنسان فيها أن يسأل عن ماهيته وسط طوفان التكنولوجيات والمعلومات، وعما يبقى منه حينما تصبح الآلة قادرة على تقليده، وعن إمكانية بناء عالم رقمي لا يلغيه، بل يكشف عن إمكاناته الأكثر عمقاً. في هذا الأسئلة بالذات، تجد الفلسفة نفسها أمام اختبار تاريخي غير مسبوق في زمن أصبحت فيه التكنولوجيا شريك الإنسان في تشكيل إدراكه وذاكرته وخياله. فقد تغير العالم بوتيرة أسرع من قدرة المفاهيم القديمة على تفسيره، وتطورت التكنولوجيا قبل أن ينضج الإنسان ليتحمل تبعاتها. ولئن ظن الإنسان قديماً أن التقنية امتداد ليده، فإنه يكتشف اليوم أنها أصبحت امتداداً لعقله ووعيه، بل وربما لذاته الداخلية أيضاً. لذا، لم يعد السؤال الملح: ماذا نفعل بالتكنولوجيا؟ بل ماذا تفعل التكنولوجيا بنا؟ وكيف نعيد تشكيل معنى الوعي الإنساني نفسه في زمن التسليع والخوارزميات؟ المزيد عن: الفلسفة عصر الرقمنة الذكاء الاصطناعي الثورات الكبرى الحضارة الإضطراب النفساني التاريخ 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post برنارد شو في المسرح “مسل ومزعج” next post مواء القطط يشارك في صنع تاريخ إيران في القرن الـ20 You may also like الطفولة عندما تعاني الاستلاب الوجداني في مهرجان كان 17 مايو، 2026 مواء القطط يشارك في صنع تاريخ إيران في... 17 مايو، 2026 برنارد شو في المسرح “مسل ومزعج” 17 مايو، 2026 أصغر فرهادي يحاول إدخال البطة في القنينة في... 17 مايو، 2026 لقاء باريسي بين ميكائيل أنجلو ورودان بفارق 400... 17 مايو، 2026 “آنستي العزيزة” فيلم إسباني يختبر العيش داخل جسد... 17 مايو، 2026 مرصد الأفلام… جولة على أحدث عروض السينما العربية... 16 مايو، 2026 التفلسف على الحضارات 15 مايو، 2026 الصدفة خير من التنقيب… آثار مصر تمنح نفسها... 15 مايو، 2026 عبده وازن يكتب عن: نيويورك تعيد جبران ومواطنيه... 15 مايو، 2026