Saturday, March 7, 2026
Saturday, March 7, 2026
Home » الطاهر لبيب: الناجي الوحيد اليوم هو المثقف المقاول

الطاهر لبيب: الناجي الوحيد اليوم هو المثقف المقاول

by admin

 

يرى ان الديمقراطية لم تتحول مطلبا اجتماعيا عربيا وليس بيننا وبين الغرب علاقة صحية لنعيد بناءها

اندبندنت عربية / محمد عربي كاتب تونسي

حاز الطاهر لبيب جائزة أبو القاسم الشابي الراقية في تونس، فخصص نصف قيمتها لأطفال غزة ، ويقول في هذا الصدد: “الجائزة هي نتيجة تقييم ما، لمكانة شخص ما، لاعتبارات ما، في لحظة ما. إسنادها لشخص لا ينفي وجود آخرين قد يستحقونها مثله أو قبله. لحظة تسلمي جائزة أبو القاسم الشابي التقديرية لم أستحضر أسماء مفكرين أو مبدعين أقدرهم وإنما حضرني، بصورة تلقائية، أطفال غزة. رأيتهم أولى وأجدر بها مني ومن كل الحاضرين، لا لمعاناتهم الشديدة وإنما ليقيني وتفاؤلي بأن الناجين منهم من الإبادة سيفكرون ويبدعون بطرق لم يسبقهم إليها أحد. لهذا تقاسمت الجائزة معهم، مناصفة كما يقال، والمناصفة تكسبني إحساساً بالتقارب. هي التفاتة رمزية، لا أكثر. الفكر الذي باسمه نلت هذه الجائزة هو نفسه الذي يتقاسمها مع أطفال غزة”.

ولد الطاهر لبيب في منطقة رعوية قرب المزونة في سيدي بوزيد، حيث بدأ مبكراً ترحاله الذي شكل لاحقاً جزءاً من تكوينه الوجودي كما وصفه أدونيس: “تَرحلاً، في المقام الأول”. ومن أهم محطاته، كانت باريس، حيث نال الدكتوراه في علم الاجتماع والأستاذية في اللغة والآداب، وتعرف إلى بعض كبار المفكرين الذين أثروا في مساره الفكري. ومنهم بصورة خاصة: لوسيان غولدمان وفرنان بروديل ورولان بارت.

كتاب “في انتظار خبر إنّ” وشعار جائزة الشابي (موقع الجائزة)

درس لبيب في جامعات تونس وبيروت، وحاضر أستاذاً زائراً في جامعات عربية وأوروبية، وأسهم أيضاً في تأسيس منظمات علمية وحقوقية بارزة، من بينها “الجمعية العربية لعلم الاجتماع” التي كان أول أمين عام لها، والمنظمة العربية لحقوق الإنسان، والجمعية الدولية للدراسات الغرامشية في روما. وتولى إدارة “المنظمة العربية للترجمة” في بيروت خلال 11 عاماً، ثم ثم مشروع المعارف في البحرين، وتميز في مشروعي الترجمة هذين، باختياره عيون الكتب الأجنبية في مجالات السوسيولوجيا والفلسفة والفكر والمعارف الحديثة والنقد والأدب والفن والمسرح وسواها، وتمكن من تأسيس مكتبة شاملة مهمة جدا للكتب المترجمة ما زالت مرجعاً للباحثين والطلاب والمثقفين. ثم عاد إلى تونس مع بدايات الثورة. وقد كرمته الجامعة التونسية لاحقاً، وحملت دار الثقافة في المزونة اسمه.

اشتهر بكتابه المفصلي” سوسيولوجيا الغزل العربي” الذي أعاد قراءة الشعر العذري من منظور الهامشية الاجتماعية، فاتحاً أفقاً جديداً في سوسيولوجيا الأدب العربي. وتنتمي معظم أعماله الأخرى أيضاً إلى “سوسيولوجيا الثقافة” لا  سيما في اشتغاله على صورة الآخر في الثقافة العربية. وقد لفت الانتباه أيضاً بنصه البارز “أسئلة الثورة” في زمن التحولات العربية عام 2011. هنا الحوار معه.

نزع عذرية الشعراء العذريين

كتاب “سوسيولوجيا الغزل العذري” الذي تعددت ترجماته عن الفرنسية (دار الجنوب)

بعد أكثر من أربعة عقود على صدور “سوسيولوجيا الغزل العربي”، كيف ينظر الطاهر لبيب اليوم، إلى أثر هذا الكتاب؟ وهل تغيرت قراءته له ولهامشية العذريين التي فاجأ بها مؤرخي الأدب العربي؟ يجيب قائلاً: “هذا الكتاب استقل عني، منذ صدوره، مثلما تستقل النصوص عن أصحابها. أصبحت أراه من خلال ردود فعل قرائه. قد يكون شيء من هذا في ما قال رولان بارت عن “موت المؤلف”. وأما ما لقيه الكتاب من اهتمام فلم أكن أتوقعه أو أنتظره، خصوصاً وأنه، في الأصل، أطروحة جامعية. قمت بعمل حِرفي أفضى إلى نتائج كنت أول من فوجئ بها. فوجئت بأني، ومن غير سابق إضمار، نزعت عن العذريين عذريتهم. المفارقة أنه بقدر ما أرضاني ما فعل البحث بهم لم يرضني نزع السحر عن شعرهم! وأما قراءتي له، اليوم، فلا شك في أنها تدعوني إلى بعض التعديل والإضافة، في ضوء ما تراكم من مساهمات في علم اجتماع الأدب. كل كتاب هو نتاج مرحلة.

ويضيف: “ليس لي أن أقدر أثر الكتاب وإن استمر الاهتمام به والرجوع إليه، إلى حد اعتبار البعض له “نصاً مؤسساً” في مجاله. قد يكون أكثر طرافة من الحديث عن أثره أن أرسم بعض محطات مصيره الذي قد يتقاطع مع مصائر كتب أخرى كتبها عرب بلغة أجنبية ثم نقلت إلى العربية: أول ردود الفعل، عربياً، كان بعضها ملتبساً وبعضها كان رافضاً لما جاء في الكتاب، جملة وتفصيلاً. البعض لم يتحملوا “الحط” من مثالية الحب العذري فعبروا عن علاقة وجدانية، من دون تبرير معرفي. وأما الرفض المطلق فكان من قِبل مجموعة من أبرز أساتذة الأدب العربي في الكلية التي أنتمي إليها: عقدوا، حول الكتاب، لقاء، أواخر السبعينيات، وهجموا على ما فيه هجوم من يريد إحراقه. كلهم، باستثناء توفيق بكار الذي أدار النقاش، عَدوه تطفلاً من علم الاجتماع على الأدب، ومنهم من سخف مقاربته الماركسية، ومنهم، أيضاً، من سخر من مؤلف ظن أنه المنتظر، منذ قرون، ليقول القول الفصل في العذريين، الخ…بعد الردود الأولى هذه كتب المستشرق أندري ميكال مقالاً في جريدة “لوموند” الفرنسية رأى فيه أني “أول من وضع الإصبع على حقيقة العذريين”، قبل أن يكتب، في تصدير الترجمة الرابعة للكتاب، أنه “على يقين من أن من يقرأ هذا الكتاب لا يعود، بعد قراءته، إلى ما ورثناه من أفكار عن الحب وعن الغزل عند العرب”. هذا الرأي لمستشرق معروف استوقف البعض، ولربما هدأ الهجوم على الكتاب. موازاة لهذا، عاد إلى الكتاب رولان بارت في “شذرات خطاب محب”، ثم عاد إليه، مراراً، في سيمينار “الخطاب المحب”. هذا “الاعتراف الخارجي” هو، في نظر البعض، بمثابة تأشيرة دخول أو عودة إلى الداخل العربي، إذ توالت ثلاث ترجمات إلى العربية، أضفت إليها رابعة من وضعي. والطريف أن لقاء ثانياً تم، بعد 10 أعوام، كان كله ترحيباً وتنويهاً بالكتاب من قِبل أساتذة علم الاجتماع وأساتذة الأدب العربي، على حد سواء. أذكر هذا، لا كحالة فردية وإنما كحالة ثقافية”.

الرضاب والثغر

ويواصل كلامه عن هذه القضية قائلاً: “إذا سألنا الشعر، لا الشاعر، وجدنا فيه ما لا علاقة له بالورع والعفة وما جرى مجراهما من القيم التي أسندت إليه، ترسيخاً لمثالية امتثالية، دينية وأخلاقية. في الشعر يقول العذري: “تجود علينا بالرضاب من الثغر”، فهل تجود به من بعد؟ ويقول: “أراني إذا صليت يممت نحوها/بوجهي وإن كان المصلى ورائيا”، فأين الورع في هذا؟ ليس في جغرافية جسد المرأة “العذرية” من ممنوع صارم وواضح غير العملية الجنسية، وتابعاً الزواج. المرأة بلا جنس أو غير المنتجة هي، في الشعر، وبقطع النظر عما هي عليه في الواقع. رمز لهامشية اجتماعية واقتصادية، وحتى دينية، وقد بينت كيف ازدادت وطأة هذه الهامشية على بني عذرة بعد مجيء الإسلام. وللمناسبة، أشير إلى أن الفصل الأخير من الكتاب “فرضية الهامشية اللغوية” لم يكن وارداً في الأطروحة، إذ هو مضاف إليها، قبل نشرها، باقتراح من رولان بارت الذي اقترح عليّ التأكد مما إذا كانت هامشية العذريين تمتد إلى لغتهم، وهو ما تأكد. أظن أنه، مهما أعدت النظر في الكتاب، ومهما عدلت فيه، فما يثبت، في المحصلة، هو هذه الهامشية”.

غولدمان وبروديل وبارت

في مقهى بيروتي (صفحة فيسبوك)

وعن أثر المفكرين الثلاثة، غولدمان وبروديل وبارت، وما بقي منه في مساره الفكري، وكيف تحول تأثيرهم إلى مشروع معرفي خاص به، يقول لبيب: “اعتدت هذا السؤال عن هذا الثالوث، مضافاً إليه، أحياناً، غرامشي، ولذلك لا مناص للجواب من تكرار ألخصه كما يلي: هؤلاء، باستثناء غرامشي طبعاً، عرفتهم من قرب وأخذت عنهم، مباشرة، واستفدت من توجيهاتهم، رغم أنهم لم يشرفوا على بحثي، فالمشرف عليه هو جاك بيرك الذي امتدت علاقتي به، لاحقاً، إلى صداقة. غولدمان هو معلمي الأول في سوسيولوجيا الثقافة والأدب، وفي “سوسيولوجيا الغزل العربي” تطبيق للبنيوية التوليدية التي نظر لها، مع مراعاة السياق العربي. وجهني إلى موضوع الحب الذي لم يكن مألوفاً في السوسيولوجيا وطلب نشر الفصل الأول من الأطروحة في مجلة “الإنسان والمجتمع” الفرنسية. سوسيولوجيا الثقافة التي أصبحت، لاحقاً، مجال اهتمامي، بحثاً وتدريساً، كانت محفزاتها الأولى في بعض كتاباته وما سمعت منه. هذا قبل أن يغريني غرامشي بما كتب عن المثقفين. فرنان بروديل يعجبني ما يفعل بالظواهر التاريخية حين يبني كليتها ويضعها في المدى الزمني الطويل. استمعت إليه، ذات يوم، يتحدث عن تبادل الملح بالذهب في أفريقيا فوصف حبة ملح تغادر شمال أفريقيا، مارة بمحطات اجتماعية واقتصادية ودينية، فلم تصل إلى تمبكتو إلا وقد تعاظم حجمها وتداخلت أبعادها، وهكذا طاولت الذهب. رولان بارت الذي لم يكن، في الجملة، من مراجع السوسيولوجيين حذرني من انغلاق المعنى، وحذرني، خصوصاً، من بحث أو كتابة لا متعة فيها، وأظنني أخذت بتحذيره. هؤلاء الكبار هم من مراجعي الأساسية، ولكن لا أرى مشروعاً لي تلتقي فيه تأثيراتهم. حضورهم يتسع ويضيق بحسب الموضوع. في اهتمامي الحالي، مثلاً، بثقافة اللامعنى أجدني، أغلب الأوقات، مع سيميولوجيا بارت ومع بعض الفلاسفة، خارج الثالوث”.

4 أصناف من المثقفين العرب

اقترح الطاهر لبيب، قبل عقدين ونيف، أربعة أصناف للمثقفين العرب: الملحمي والبدائلي والمقاول والتراجيدي. هل لا يزال هذا التصنيف صالحاً، اليوم؟ يقول: “اقترحت هذا التصنيف في سياق محدد ومن منظور غير الذي كان سائداً في البحث السوسيولوجي. هو سياق تفككِ العلاقة بين الثقافة والمجتمع أو ما سميته تعليق الدلالة. هذا السياق صعّب على المقاربات التقليدية السائدة عمليةَ الربط التحليلي بين الظواهر الفكرية والبنية الاجتماعية، كما صعّب تحديد مواقع المثقفين وأدوارهم اعتماداً على المعايير التي كانوا يصنفون على أساسها كالوضع والوظيفة أو الالتزام والعضوية… الربع الأول من هذا القرن أعاد انتشار المثقفين بسرعة فائقة فغابت أصناف منهم وظهرت أخرى. تغير السياق، فطبيعي أن يتغير التصنيف الذي ارتبط به: انتهت الملحمة فغاب الملحمي، انكفأ البدائلي في المحلي والجزئي بعد أن نادى ببدائل كبرى، تحول التراجيدي إلى شخصية سردية محبطة في الروايات. الناجي الوحيد هو المثقف المقاول لأنه الأنسب للورشة النيوليبرالية، بل هو من صنعها، يتشكل بحسب متطلباتها. ليس مطلوباً منه التفكير بقدر ما هو مطلوب منه “تنفيذ” فكرة، خصوصاً إذا كان مقاولاً فرعياً، كما هو، مثلاً، في أغلب حالات “الكرونيكور” في قناة تلفزيونية. ما ظهر من أصناف المثقفين يحتاج إلى رصد وبحث، وإن كان منهم من لا تخطئه العين كهذا المثقف الافتراضي السابح في ثقافة مجهولة النسب، ثقافة بلا مثقفين. عجيب حال مفهوم المثقف في الاستعمال العربي: مبني للمجهول، متسيب المعنى، بل بلا معنى، في الأغلب، ولكنه ثابت، واسع الاستعمال. يحتار بعضنا بين المثقف والمفكر: الأول قليل والثاني كثير”!

ظل الطاعة

مع الشاعر أدونيس (صفحة فيسبوك)

كتب الطاهر لبيب مرة أن الديمقراطية لم تتحول، تاريخياً، إلى مطلب اجتماعي عربي وأن “براديغم الطاعة” ظل هو السائد. فهل تغير شيء بعد الثورات العربية أم إننا لا نزال داخل البنية ذاتها؟ عن هذا السؤال يجيب: “حاولت، في نص طويل بعنوان “هل الديمقراطية مطلب اجتماعي؟” أن أبين أن مطلب الحرية لم يتحول، في التاريخ العربي الإسلامي، إلى مطلب اجتماعي تحمله وتدافع عنه الحركات الاجتماعية. ما ساد هو ما سميته “براديغم الطاعة”، وهو براديغم طاعة أولي الأمر، و”ستون سنة من إمام جائر أصلح من ليلة بلا سلطان”، كما قال ابن تيمية، وهو أيضاً براديغم “الله ينصر من صبح”، بعامية بلدان المغرب العربي. مبرر هذا البراديغم، كما كان دائماً، هو الخوف من الفتنة أو من الفوضى والفراغ، كما يقال اليوم. معلوم أنه كانت هنا وهناك، عبر التاريخ، ميكروبراديغمات احتجاجية أو تنويرية متباعدة لكنها لم تتواصل ولم تؤثر أو تحدث منعطفات كبرى.

المقال كان في سياق ظهر فيه اهتمام بالمشروع الديمقراطي والمجتمع المدني، كما ظهرت فيه نزعة إلى القول بوجود أصول أو روافد لهذا المشروع في أصول الفكر الديني. وإذا نظرنا إلى “الانتقال الديمقراطي”، وهو انتقال دائم ومنتكس، وعدنا به إلى البنية الذهنية للحس المشترك أمكن القول إن المجتمعات العربية الإسلامية لم تتحرر من براديغم الطاعة هذا، وإن تغيرت مجالات التطويع وآلياته. المفارقة الكبرى في هذا أن الثورات التي يفترض أن تكسر هذا البراديغم استسلمت، في الحالة العربية، إلى أشكال تقليدية من الطاعة تساندت في فرضها ماضويتان، واحدة سياسية والأخرى دينية”.

العلاقة بالغرب ملتبسة

كيف يفسر لبيب التحول من ثقافة عربية منفتحة على الآخر، كما يقول في أبحاثه، إلى ثقافة تخشاه؟ وهل يمكن إعادة بناء علاقة صحية بين الذات العربية والآخر المختلف؟

يجيب: “لما كان العرب في مد حضارتهم وكانت ثقافتهم واثقة من نفسها اتسعت رؤيتهم للعالم وللآخرين، في صيغة الجمع. يكفي أن نقرأ عن هذا عند الجاحظ والتوحيدي، مثلاً. لم يترددوا في الاعتراف بما لبعض الأمم الأخرى من خصال وزعوها بينهم. إخوان الصفا ذهبوا في الاعتراف بالآخر إلى ما يعد، اليوم، كفراً، إذ الإنسان المثالي عندهم هو “الفارسي النسبة، العربي الدين، الحنفي المذهب، العراقي الآداب، العبراني المخبر، المسيحي المنهج، الشامي النسك، اليوناني العلوم، الهندي البصيرة، الصوفي السير، الملكي الأخلاق، الرباني الرأي، الإلهي المعارف”. كان هذا في القرن الـ10. مر العرب، بعد ذلك، بقرون ضعف وتفكك فضاقت رؤيتهم. ومع الاستعمار أصبحت زاوية النظر إلى الآخر حادة، في المعنيين للكلمة. أصبح الآخر هو الغرب، وكأنه لا وجود لغيره، وهذا مستمر إلى اليوم. إذا قال العربي: نحن والآخر، فهذا الآخر، في أغلب الأذهان، هو الغرب”.

يضيف: “العلاقة بالغرب ملتبسة، تجمع بين العداوة والإعجاب. بين فك الارتباط به والحاجة إليه، بين رفض قيمه وتقليده، إلى غير ذلك من الثنائيات التي تبدو لا حل لها ولا استغناء عنها، حتى اليوم. هذا في حين أن العرب، في قرون قوتهم، لم يهتموا بهذا الغرب الذي يسمى، اليومَ، أوروبا ولم يوسعوا معارفهم به لأنهم عَدُوا أنه لم يكن لهم ما يقدمه إليهم. لم توجد، في مرحلة ما، علاقة مناسبة بين هذا الغرب والعرب. ثقافياً، هناك توتر دائم، بينه وبين ثقافة عربية إسلامية هي الأقرب إليه، جغرافياً، والأبعد عنه، اختلافاً، ولا يغير من هذه المحصلة التاريخية ما يبنيه الأفراد من علاقة بالغرب أقل توتراً أو أكثر انسجاماً وتوازناً. لك أن تجوهر الذات، ميتافيزيقياً أو في المخيال أو في تعريفك الذاتي للذات، ولكن هذا يصطدم بواقع الذات التي هي ما أنت عليه، واقعاً وإمكاناً. ما معنى ذاتية عربية اليوم؟ ما الرابط الجمعي فيها لتكون عربية؟ لقد اتضح أن الروابط المرجعية القديمة، كالتاريخ المشترك واللغة والدين، لم تعد جامعة. هناك عوامل أقوى كالمصالح المتضاربة تحيد هذه الروابط أو تنسفها. المشهد الواقعي مشهد ذات عربية متشظية، وكل شظية لها وجهة. المشهد الواقعي مشهد ذوات تضخمها السياسة وتتطاول بها على الناس: ذوات منها المتفردة والمتحالفة والمتواطئة والمميتة…لا جامع بينها، لا المصالح، فقد تضاربت، ولا شعار المصير المشترك. لم يبق للعرب غير رابط واحد محتمل: الخوف المشترك”!

ويواصل تحليله الظاهرة: “لم يسبق أن كان بين العرب والآخر “علاقة صحية” حتى نطلب إعادة بنائها. ما معنى علاقة صحية بين مهيمِن ومهيمَن عليه؟ العلاقة السليمة تشترط التكافؤ، وقدرة العرب لم تتحول، انفرادياً أو جماعياً، إلى قوة قادرة على إيجاد هذا التكافؤ. ما يسمى، في الخطاب، تحالفاً مع قوى الهيمنة هو، في الواقع، استسلام لنوع من التبعية الطوعية وطلب لحماية بينت التجارب أنها لا تدوم”.

الثورة أكلت أبناءها

في النص الذي كتبه لبيب بعنوان “أسئلة الثورة” واجه الأجوبة الجاهزة. بعد أكثر من عقد، هل من أسئلة جديدة ينبغي طرحها؟

يقول: “أول ما كتبت، مباشرة بعد نهاية الأحداث، مقال عنوانه “لكي لا تأكل الثورة أولادها باكراً”. البعض لم يجد فيه ما يكفي من التفاؤل، ولكن تبين أن أولاد الثورة أو فاعليها أكلوا أبكر مما حسبته باكراً. امتداداً لهذا وضعت “أسئلة الثورة” التي نشرت، تزامناً وعلى امتداد ثمانية أسابيع، في تونس “الصباح” ولبنان “السفير” ومصر “الشروق”. وضعتها في لحظات الحماسة الأولى ولكن بحذر من الإفراط في التفاؤل. هذا الحذر لم يكن كافياً، فقد تعطلت، سريعاً، حركة الثورة وانسحب أو سكن فاعلوها. الأسئلة الثمانية التي وضعتها لا تزال قائمة ولكن آفاق أجوبتها بعدت كثيراً. مثال واحد: سؤال المعنى، وهو السؤال الأول، كان مبنياً على ما بدا عند الفاعلين من رغبة في افتكاك الكلمة وفي تغيير المعنى الذي أسندته السلطة إلى الظواهر وإلى ما تفعل. تكلم المواطن، إلى حين، ثم سكت أو هرب بقوله، سراً أو علناً، إلى الإنترنت. كنت ظننت أن حرية التعبير الناتجة عن الثورة والمعبرة عنها، في نفس الوقت، هي مكسب لا تراجع عنه ولكن تبين أنها قابلة للانتكاس، وقس على هذا ما حدث لتفاؤل الأسئلة الأخرى. طبعاً، لو وضعت أسئلتي، اليومَ، لأضفت أسئلة أخرى، وبحذر أشد. أضيف، مثلاً، سؤال الفشل: لماذا تفشل الثورات، ولماذا تعيد الشعوب أو بعض فئاتها، في بعض الحالات، إنتاجَ اضطهادها؟ سؤال الممكن والمستحيل الذي وضعته أعيد صياغته في سؤال أكثر حيرة: لماذا أصبحنا نرى الممكن ممكنا إلى أن يستحيل بعد أن كنا نرى المستحيل مستحيلاً إلى أن يتحقق؟”.

غالباً ما يرد في سيرة  الطاهر لبيب أثر الترحال المبكر، كأنه “حفنة ريح”، بحسب تعبيره. ما الدافع إلى هذا الترحال وهل له انعكاس في رؤيته للفكر والمعرفة؟ يقول: “أصل الترحال، في معناه المادي، هو في نمط الحياة الذي فرضته بيئة رعوية نشأت فيها وكان يقتضي التنقل بين أمكنة قريبة أو بعيدة. هذا الترحال كان، في البدء، من إكراهات الواقع قبل أن يصبح خياراً في وقت لاحق. أول رحلة حاسمة كانت في السادسة من عمري حين نزحت، تلميذ مدرسة، إلى مدينة بعيدة لا مدرسة ولا مأوى أقرب منها. لأول مرة، اكتشفت أن العالم أوسع مما اعتدت أن أرى من الأرض والسماء”.

ويواصل كلامه: “عرفت بلداناً ومدناً كثيرة أقمت في بعضها إقامة مؤقتة، في الذهن، دائماً. لم أطمئن، يوماً، إلى الاستقرار في فضاء أو مكان يهددني بالسكون أو الملل. حالما أحس بأن علاقتي به ضعف نبضها أغادره. علاقتي بالمؤسسات، باستثناء الجامعة، لا تخلو من مطبات هذا المزاج: أغلبها استقلت منها، هروباً من روتينها. وإذا كان من ترحال في المجال الفكري فهو في شغفي بالانفتاح، قدر الإمكان، على المعارف، خارجَ التخصص الذي أنتمي إليه، وبالتفكير والكتابة في مناطق التداخل بينها. يمتعني، مثلاً، أن أكتب نصاً تتقاطع وتتساند فيه السوسيولوجيا والتحليل النفسي والأدب. هذا يجعلني أحس بانفتاح المعنى انفتاحاً لا يتيحه ضيق التخصص.

المزيد عن: الطاهر لبيب علم الإجتماع الثقافة العربية الترجمة العلاقة بالغرب الديمقراطية المثقف العربي المجتمع

 

 

You may also like

Editor-in-Chief: Nabil El-bkaili

CANADAVOICE is a free website  officially registered in NS / Canada.

 We are talking about CANADA’S international relations and their repercussions on

peace in the world.

 We care about matters related to asylum ,  refugees , immigration and their role in the development of CANADA.

We care about the economic and Culture movement and living in CANADA and the economic activity and its development in NOVA  SCOTIA and all Canadian provinces.

 CANADA VOICE is THE VOICE OF CANADA to the world

Published By : 4381689 CANADA VOICE \ EPUBLISHING \ NEWS – MEDIA WEBSITE

Tegistry id 438173 NS-HALIFAX

1013-5565 Nora Bernard str B3K 5K9  NS – Halifax  Canada

1 902 2217137 –

Email: nelbkaili@yahoo.com 

 

Editor-in-Chief : Nabil El-bkaili
-
00:00
00:00
Update Required Flash plugin
-
00:00
00:00