الأحد, مايو 10, 2026
الأحد, مايو 10, 2026
Home » السلطة العاشقة إذ تكتب تاريخ الشغف المحتدم

السلطة العاشقة إذ تكتب تاريخ الشغف المحتدم

by admin

 

فرانسوا ميتران يمثل النموذج الارقى للحاكم المعاصر الذي يقع في الحب

اندبندنت عربية / موسى برهومة

ظل الماضي، منذ أدرك الإنسان معنى الهيمنة، يقطر بالدماء. كانت القوة تعني البطش والسحق، وكان الشعراء يتباهون بالسيوف التي تلمع على نصالها الدماء. ولم تخلُ “الإلياذة” باعتبارها أرفع مستويات التراجيديا التعبيرية من الانتصار للدم، والتغني بما أبدعته حرب طروادة من “فظائع” أسست للرؤية الشعرية الملحمية للحرب التي يرى فريق من المؤرخين والنقاد أنّ “هوميروس” أرّخ في متونها لصراع الإرادات، ورفع المواجهة إلى مرتبة من السمو والفروسية، لكنّ الحرب صنعت في الوقت نفسه عذابات لا تنسى.

بعيداً عن سحق الأعداء

وبعيداً من العنف الأعمى، والإبادة التي هدفها سحق “الأعداء” وإفناء كينونتهم، فإنّ التاريخ شهد طغاة كانوا على وعي بطغيانهم وتبعاته المرعبة، لكنهم كانوا يفعلون ذلك على سبيل الرغبة في الخلود، لظنهم أنّ عنفاً متماهياً مع حالة بنيان وعمران وتوسّع وإقرار قوانين ريادية، يسكن في ذاكرة العالم أكثر من سكنى الأعمال الخيرية. ويبرز في هذا السياق اسم جنكيز خان، مؤسس الإمبراطورية المغولية التي يُنظر إليها كأضخم إمبراطورية في التاريخ. كما يبرز اسم أغسطس قيصر مؤسس النظام الإمبراطوري في روما، الذي ينسب إليه بشأنها، أنه أتى هذه المدينة وكانت مبنية من الطوب، وتركها وهي مشيّدة بالرخام.

القائلون بأنّ الحضارة نهضت على الجماجم يغالون، ويبررون العنف، لأنّ الحضارة هي وحسب مجد الإنسان وكرامته وامتلاكه الحرية كاملة غير منقوصة. ولعل هذا حلم طوباوي يعزّ تحققه!

التاريخ ليس كله عبئاً، فثمة منارات فيه يهتدى بها، وحسب المرء أن يتذكر قوة الحب في صناعة الأحداث الكبرى، على ما فعل الإمبراطور المغولي شاه جهان الذي خلّد حبه لزوجته ببناء ضريح لها هو “تاج محل”، الذي أضحى أحد أبرز المزارات التاريخية في العالم.

الأمبراطور شاه جهان خلد حبيبته في تاج محل (صفحة فيسوبك)

بمقدور الحاكم أن يكون مسيطراً وقوياً، وأن يكون في الوقت نفسه محباً للعلوم والفنون والآداب والترجمة، وقبل ذلك كله أن يكون عاشقاً. وتعلَق في البال كلما هتف صوت السلطة بالحب، السيرة العشقية التي سطرها بذوب مشاعره الرئيس الفرنسي الأسبق الراحل فرانسوا ميتران.

لم يكن ميتران قد صار رئيساً عندما ترك لحواسه أن تشتعل في نار الحب التي ظلت تكوي أضلاعه، وهو يتقلب على جمر العلاقة الحميمية السرية التي جمعته بآن بينجو، تلك الفتاة ذات التاسعة عشر عاماً التي وهبته لذة الحياة، رغم أنه كان متزوجاً وله ولدان وعمره ستة وأربعون عاماً.

أكثر من ألف رسالة كتبها ميتران إلى حبيبته آن، بين 1962 و1995، كما أفاد في ذلك كتاب صدر عن دار “غاليمار” الفرنسية الشهيرة عام 1916. ونستحضره لنذكّر بأنّ ليس صحيحاً أنّ الرؤساء والزعماء يحلمون فقط بـ”تدمير الحضارة البشرية” و”إعادة الإنسان إلى العصر الحجري”!

حب حتى الأنفاس الأخيرة

أحب فرانسوا آن، وظل يحبها ويراسلها حتى قبل لفظ أنفاسه الأخيرة في عام 1995. ظل يحبها وهو في قصر الإليزيه، وبقي يدير بلاده بعقلية الداهية السياسية، وبذوق الفنان الذي ظهرت في عهده مشاريع، مثل هرم اللوفر، والمكتبة الوطنية، وأوبرا الباستيل.

أول رسالة كتبها ميتران الى آن، كانت في عام 1962، أي بعد فترة قصيرة من اللقاء الذي جمع بينهما في هوسيغور في منطقة لاند، حيث كان ميتران يقضي إجازته مع عائلة بينجو الذي كان والدها صديقه.

وأما آخر رسالة فيعود تاريخها إلى سبتمبر (أيلول) 1995، أي قبل بضعة أشهر فقط من وفاته، بعد أن فتك به السرطان. وكتب فيها ميتران الذي كان مريضاً جداً وغادر إلى منطقة بريتاني للراحة: “آن، لقد كنتِ فرصة العمر بالنسبة إلي”.

يوميات آن

نشرت رسائل ميتران متزامنة مع يوميات آن، ما بين عامي 1964 و1970. وفي رسائله اخترق ميتران كل الحدود، وأصغى كما لو أنه شاعر أو نحات، لإيقاع قلبه الذي تاه في حب آن بينجو منذ خطفت لبّه في أول لقاء تعانقت فيه النظرات والهواجس، وكان حينها عضواً في مجلس الشيوخ ووزيراً سابقاً. أما بينجو فكانت شابة مولعة بالفنون وسليلة عائلة مرموقة.

الرسائل، التي كتبها الرئيس إلى حبيبته ووالدة ابنته الوحيدة “مازارين”، تكشف مقدار الظمأ الروحي والعاطفي الذي كان يستشعره تجاه هذه الأنثى التي خلخلت كيانه. فللمرة الأولى كما يقول “أخرج من ذاتي”، ويدخل في حريق علاقة ملتبسة وسرية صاخبة، مع فتاة رأى في “ملامسة ثغرها طعم ماء من السماء”.

يقول ميتران لآن في رسالة بتاريخ 12 كانون الثاني (يناير) 1966: “عليك أن تعلمي أنني آخذ في الحسبان إلى أي حد يصعب عليك أن تعيشي كل يوم في توافُق مع جميع تطلعات كينونتك. أنا أيضاً أغضب من نفسي لأنني لا أساعدكِ جيداً، ولأنني أزيد الأمور تعقيداً، ولا أقدم إليك، إذا ما قدمتُ، طمأنينة مُساوقة للحب الذي يجمعنا. أنت تعلمين أنّ الحب ألمٌ بين اثنيْن”.ألا يدقق أحدهم في حكمة اللغة هنا: الحب ألمٌ بين اثنين. إنه يلخص المعاناة الأبدية للعشاق، وهذا لا يصدر عن سياسي محنك ورئيس لاحق، وإنما عن شاعر مرهف وفنان مترف وإنسان رومانسي ظل يحتفظ بصهيل الخيول في دمه على مدى ثلاثة وثلاثين عاماً.

ولم تكن تلك العلاقة التي نبتت كألم ممض ولكنه لذيذ، لتأخذ هذه الطبيعة التراجيدية لو لم يكن الشغف عمادها. لهذا تدهم العاشق الحيرة وهو يرى حبيبته السرية وحيدة، أو وهو يرى ذاته مقتلَعاً من الواقع، ومنقذِفاً نحو امرأة لا يستطيع، لحساسية موقعه، أن يفصح عنها، أو يبوح بأسراره معها. إنها الدرب المسيّجة بالأشواك.

محاكمة سقراط

كان ميتران، الذي خاطب حبيبته في المراسلات الأولى بـ “الآنسة آن بينجو” وعدها بتزويدها بنسخته من كتاب “سقراط” لأفلاطون، لأنّ “هذا الكتاب البسيط سيكون الرسول الذي سينقل لك الذكرى المخلصة التي أحفظها من بضع ساعات قضيتها ذات صيف جميل”، فـ “معك، أقيم تبادلاً فكرياً وتواصلاً واتحاداً. أشعر كأني نلت الخلاص، والقلب يطير فرحاً. معك تستيقظ مشاعر لم أخبرْها يوماً”.

في كتاب “محاكمة سقراط” الذي يمثل المحاورات العقلانية الفلسفية التي كتبها أفلاطون، تلميذ سقراط، ثمة عبارة موحية: “سيقول أحدكم: ألا تخجل يا سقراط من حياة يغلب أن تؤدي بك إلى موت مباغت؛ وعلى ذلك أُجيب في رفق: أنت مخطئ يا هذا. فإن كان الرجل خيِّراً في ناحية منه، فلا ينبغي أن يتدبر أمر حياته أو موته، ولا يجوز أن يهتم إلا بأمر واحد، وذلك أن يرى هل هو فيما يعمل مُخطئ أم مُصيب، وهل يقدم في حياته خيراً أم شراً”.

المزيد عن: السلطة الحب الحاكم العاشق السياسة التاريخ العاطفة فرانسوا ميتران سقراط

 

You may also like

Editor-in-Chief: Nabil El-bkaili

CANADAVOICE is a free website  officially registered in NS / Canada.

 We are talking about CANADA’S international relations and their repercussions on

peace in the world.

 We care about matters related to asylum ,  refugees , immigration and their role in the development of CANADA.

We care about the economic and Culture movement and living in CANADA and the economic activity and its development in NOVA  SCOTIA and all Canadian provinces.

 CANADA VOICE is THE VOICE OF CANADA to the world

Published By : 4381689 CANADA VOICE \ EPUBLISHING \ NEWS – MEDIA WEBSITE

Tegistry id 438173 NS-HALIFAX

 

هذا الموقع مجاني ولا يخضع لاية رسوم

This website is free and does not incur any fees

Email: nelbkaili@yahoo.com 

 

Editor-in-Chief : Nabil El-bkaili
-
00:00
00:00
Update Required Flash plugin
-
00:00
00:00