التسليع الإنساني بريشة مارك كوستابي (صفحة الرسام - فيسبوك) ثقافة و فنون الحياة الانسانية ليست سلعة في سوق المقاولات الربحية by admin 29 أبريل، 2026 written by admin 29 أبريل، 2026 23 المفكر الفرنسي بوريس فالو يدعو الى نزع التسليع لانقاذ المجتمع من المادية اندبندنت عربية/ مارلين كنعان أستاذة الفلسفة والحضارات، كاتبة وباحثة @MARLKANAAN بغية الإجابة عن هذا السؤال، يستعين بوريس فالو، بمصطلح “نزع التسليع” كأداة تحليلية دقيقة وكبرنامج عملي طموح، غايته انتشال ميادين أساسية من حياة الإنسان من قبضة المنطق الربحي وهيمنته. ينطلق ڤاللو، وهو نائب ورئيس الكتلة الاشتراكية في الجمعية الوطنية الفرنسية، من تشخيص حاد لتحولات العصر، مفاده أن العالم عرف، خلال العقود الأربعة الأخيرة، اتساعاً كاسحاً لمنطق السوق لم يسبق له مثيل، إذ لم يعد التبادل التجاري حبيس دائرة الإنتاج الاقتصادي، بل تجاوزها ليتغلغل في نسيج الحياة برمتها، ممتداً من لحظة الولادة إلى تخوم الموت، ومن فضاءات التعليم إلى مرافق الصحة، ومن منابع الماء إلى عوالم البيانات الرقمية. هذا الامتداد الكلي، الذي يصوغه المؤلف تحت مسمى “السوق الشاملة”، لم يكتف بإعادة تشكيل العلاقات الاجتماعية، لعله أفضى إلى انقلاب في معنى الإنسان ذاته، إذ غدا كياناً قابلاً للتسليع، تختزل قيمته في ما يمكن أن يعرض للبيع ويخضع للشراء، ويقاس بميزان الربح والخسارة، لا بكرامته الجوهرية أو فرادته الوجودية تلك التي تحدث عنها كانط في فلسفته الأخلاقية، حين ميز بصورة قاطعة بين الأشياء التي لها “ثمن” والأشخاص الذين لهم “كرامة”، مشدداً على أن كرامة الإنسان قيمة مطلقة ثابتة وغير قابلة للسلب، فكرامة الإنسان تنبثق عند كانط من عقلانيته وحريته، ولا تقاس بسلوكه ولا تحدد بموقعه الاجتماعي. ومن ثم، لا يجوز اختزال الإنسان في مجرد أداة لبلوغ غاية أو تحقيق مصلحة. وهذا ما تحدث عنه أيضاً الفيلسوف المجري جورج لوكاتش حين لاحظ أن التسليع يحول العلاقات الإنسانية إلى أشياء جامدة، مما يجعل الناس دمًى خاضعة لقوى وأشياء خارجة عن إرادتها. كتاب “حياتنا ليست سلعاً” بالفرنسية (دار سوي) لكن هذا التشخيص لا يدفع ڤاللو إلى تبني موقف عدمي أو إلى المناداة بإلغاء السوق بصورة جذرية، وإنما يقوده إلى السعي لإعادة ضبط مجاله ورسم حدوده، فالإشكال، في تصوره، لا يكمن في وجود السوق في حد ذاته، إنه في تحوله إلى المرجعية الوحيدة التي يحتكم إليها في تنظيم الحياة الاجتماعية. نزع التسليع في هذا السياق تأتي فكرة “نزع التسليع” كعملية سياسية وأخلاقية في آن تهدف إلى إخراج بعض المجالات من دائرة التبادل التجاري، وإخضاعها لمنطق الحق العام والمصلحة المشتركة. يحدد المؤلف معايير عدة لتعيين هذه المجالات، أولها أن تكون مرتبطة بحاجات الإنسان الحيوية التي لا يمكن الاستغناء عنها، كالصحة والماء والطاقة، ثانيها أن تكون من “الخيرات المشتركة” التي لا يجوز احتكارها، كالبيئة والمعرفة، وثالثها أن تكون ضرورية لضمان الاستقلال الفردي والتماسك الاجتماعي، مثل التعليم ورعاية الطفولة والشيخوخة، وأخيراً، يتحدث بوريس ڤاللو عن المجالات التي تمس السيادة الديمقراطية والحريات الأساسية، كإنتاج الأدوية أو إدارة البيانات الشخصية. على هذا المستوى من الطرح، يستعيد المؤلف بصورة ضمنية تراث المتخصص في الشأن الاقتصادي في جامعة كولومبيا الأميركية المفكر المجري كارل بولاني، الذي حلل في القرن الـ20 آثار إخضاع المجتمع لمنطق السوق منذ بداية ظهوره في القرن الـ19، معتبراً أن هذا الشكل من الاقتصاد ينطوي على انقسامات اجتماعية عميقة تجعله غير قابل للاستمرار على المدى الطويل، لا سيما على مستوى “تسليع” العمل والأرض والنقود، كما طور إطاراً مفاهيمياً لما سماه “الاقتصادات غير السوقية”. تسليع الطبيعة (سوشيل ميديا) لكن ڤاللو ذهب أبعد من ذلك، إذ تطرق إلى تحولات الرأسمالية الرقمية، التي أصبحت فيها البيانات الشخصية أو “النفط الجديد”، مورداً اقتصادياً ضخماً يشترى ويباع من قبل شركات سماسرة البيانات عبر شبكات تجارية معقدة، مما يطرح تحديات جديدة تتعلق بالخصوصية والسيادة الفردية. فضائح مالية بعيداً من التنظير، يقدم الكتاب أمثلة عملية على إمكان تطبيق “نزع التسليع”، كإعادة بعض الأقاليم الفرنسية إدارة المياه إلى القطاع العام، مما أدى إلى خفض الأسعار وتحسين جودة الخدمة. واعتماد نموذج غير ربحي في دور رعاية المسنين، كان من نتيجته تجنب فضائح مالية وتحقيق قدر أكبر من العدالة في الوصول إلى الخدمات. هذه الأمثلة تظهر، بحسب ڤاللو، أن البدائل ليست مجرد طوباويات، بل سياسات قابلة للتنفيذ. من الناحية الأداتية يقترح المؤلف مجموعة من الوسائل لتحقيق هذا التحول، منها تعزيز الاقتصاد الاجتماعي والتضامني، ودعم المؤسسات غير الربحية، وإعادة بناء الخدمات العامة، واللجوء إلى التأميم في بعض الحالات، لكنه يحرص على التأكيد أن المشروع لا يهدف إلى إقامة اقتصاد ممركز أو دولة متضخمة، بل إلى تنويع أشكال الملكية والإدارة بما يحقق التوازن بين الكفاءة والعدالة. سياسياً، يندرج الكتاب ضمن محاولة لإعادة صياغة خطاب اليسار في سياق أزمات متعددة اقتصادية وبيئية واجتماعية، ويرى كاتبه أن “نزع التسليع” يمكن أن يشكل فكرة جامعة لمختلف النضالات، من العدالة الاجتماعية إلى حماية البيئة، ومن حقوق النساء إلى الديمقراطية، فبدل التركيز على إعادة توزيع الثروة بعد إنتاجها، يدعو إلى إعادة التفكير في كيفية إنتاجها وتنظيمها منذ البداية. يحمل الكتاب أيضاً بعداً استراتيجياً واضحاً، إذ يتوخى التأثير في النقاش السياسي الفرنسي، ولا سيما مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، فالمؤلف يرى أن اليسار في حاجة إلى فكرة قوية تستعيد قدرته على التعبئة وتقدم بديلاً مقنعاً في مواجهة صعود اليمين المتطرف، وضمن هذا الأفق، يغدو مصطلح “نزع التسليع” أكثر من مجرد مفهوم نظري: إنه أداة لإعادة بناء مشروع سياسي. مع ذلك، لا يخلو هذا التصور من إشكالات، إذ يظل تحديد ما ينبغي إخراجه من منطق السوق مسألة خلافية مفتوحة تستدعي نقاشاً ديمقراطياً معمقاً ومتعدد الأصوات. كذلك فإن تحقيق التوازن بين مقتضيات الكفاءة الاقتصادية ومتطلبات العدالة الاجتماعية يثير تحديات عملية معقدة، ولا سيما في سياق العولمة وما تفرضه من قيود مالية وبنيوية. وعلى رغم هذه التحفظات، وبمعزل عن أبعاده السياسية المباشرة، تتجلى قيمة هذا الكتاب في قدرته على استعادة الأسئلة التأسيسية وطرحها ضمن أفق فكري متماسك يسمح بمقاربتها من منظور نقدي يوفر لها إطاراً مفاهيمياً يسمح بقراءتها في ضوء نقد صارم لمسار الرأسمالية المعاصرة، مع فتح أفق لتصور بدائل تعيد الاعتبار للقيم الإنسانية في مواجهة هيمنة منطق الربح والتسليع. باختصار، إن الكتاب دعوة إلى إعادة التفكير في الحدود التي ينبغي أن يقف عندها السوق، وفي الشروط التي يمكن ضمنها بناء مجتمع لا تختزل فيه الحياة إلى مؤشرات رقمية وأسعار تبادلية، بل تقاس فيه القيمة بما يتيحه للإنسان من إمكانات العيش الكريم والحرية الفعلية وروابط التضامن. ففي مواجهة الإرهاق البنيوي الذي يطاول النموذج النيوليبرالي، وسؤال ضرورة استعادة الإنسان قدرته على عيش حياة مكتملة الأبعاد، يقدم التاريخ السياسي الحديث جواباً يتكثف في مبدأ بسيط في صياغته، جذري في دلالاته: صون الحياة وحماية الروابط الإنسانية، والحفاظ على المشترك الإنساني. وهذا لا يكون إلا من رفض اختزال الوجود البشري في علاقات تبادلية محضة والعمل على إعادة بناء ما تآكل من منظومات الحقوق والخدمات العامة وأشكال التضامن الجماعي بغية توسيع أفق العيش في عالم لا تتحول فيه الحياة والإنسان نفسه إلى سلعة. المزيد عن: الحياة الإنسان التسليع المقاولات المجتمع الأمان الإقتصادي الفقر الجوع كتاب باحث فرنسي 0 comment 0 FacebookTwitterPinterestEmail admin previous post “السفساري” التونسي… عودة إلى أناقة الأندلس next post سيمفونية “جوبيتر”… ذروة الإبداع الموزارتي You may also like لاسلو نمش يسترجع صفحة حالكة من ماضي المجر 29 أبريل، 2026 سيمفونية “جوبيتر”… ذروة الإبداع الموزارتي 29 أبريل، 2026 ليلى سليماني وسؤال يطاردها دائماً: لماذا لا أتحدث... 28 أبريل، 2026 العراق… تشوه اقتصاديات الثقافة 28 أبريل، 2026 شعراء الثمانينيات الفلسطينية خلقوا مختبرا حيويا للحداثة 28 أبريل، 2026 عندما حقق والت ديزني فيلمه الأكثر غرابة 28 أبريل، 2026 كيف نتفلسف: دليل استخدام و5 ركائز أساسية 26 أبريل، 2026 عندما يغير الكتاب فهم القارئ لنفسه والعالم 26 أبريل، 2026 الممثلة الألمانية ساندرا هولر تتألق عالميا بعفوية 26 أبريل، 2026 فيلمان فرنسيان عن بدايات ديغول و”صانعه” 26 أبريل، 2026